حرب إيران تعيد تعريف القوة العسكرية… لماذا أصبح الهجوم أقل كلفة من الدفاع؟

إيران تفرض كلفة على قوة أكبر منهاويرى هورويتز أن التجربة الإيرانية أظهرت أيضاً أن الفوارق الكبيرة في القوة العسكرية لم تعد تعني بالضرورة قدرة الطرف الأقوى على حسم الحرب سريعاً.فالشبكات الصاروخية الإيرانية الموجودة تحت الأرض، إلى جانب توزيع المنشآت العسكرية، صعّبت تدمير القدرات الإيرانية بالكامل. وفي المقابل، اضطرت الولايات المتحدة إلى استهلاك أعداد كبيرة من صواريخها المكلفة، ما أدى إلى الضغط على مخزوناتها التي تحتاج إليها أيضاً للحفاظ على جاهزيتها في مواجهة خصوم آخرين، وفي مقدمتهم الصين.وبهذه الطريقة، لا تقاس نتيجة المعركة فقط بعدد الأهداف التي دمرها كل طرف، وإنما أيضاً بكمية الموارد التي اضطر إلى استهلاكها لتحقيق ذلك.الدرس ينتشر خارج إيرانولا يرى هورويتز أن هذه التجربة ستبقى محصورة في إيران، مشيراً إلى أن دولاً أخرى بدأت الاستثمار في القدرات نفسها.فـ كوريا الشمالية تعمل على تطوير مسيّرات منخفضة التكلفة، فيما رفعت بولندا إنفاقها على المسيّرات وأنظمة التصدي لها، كما توسع دول أوروبية وآسيوية قدراتها في مجال الأنظمة الهجومية غير المأهولة.ويعني انتشار هذه التكنولوجيا أن امتلاك اقتصاد كبير أو ترسانة ضخمة من الأسلحة التقليدية لم يعد العامل الوحيد في تحديد القدرة على إلحاق الضرر بالخصم.وتبرز إحدى أكثر المشكلات إلحاحاً بالنسبة إلى الولايات المتحدة في الفجوة بين تكلفة الهجوم وتكلفة الدفاع.فخلال الحرب، استُهلكت أعداد كبيرة من صواريخ "باتريوت" و"ثاد" في عمليات التصدي للهجمات، في وقت لا تزال فيه بعض البدائل الأقل كلفة، مثل أسلحة الطاقة الموجهة والمسيّرات الاعتراضية، غير قادرة على توفير بديل واسع النطاق للمنظومات الحالية.ويحذر هورويتز من أن استمرار هذه الفجوة قد يضعف القدرة على خوض حروب طويلة، خصوصاً عندما يكون الخصم قادراً على إنتاج أعداد كبيرة من الأسلحة الدقيقة بتكاليف محدودة.وبذلك، تتحول المخزونات نفسها إلى عنصر حاسم في القوة العسكرية. فامتلاك منظومة دفاعية متطورة لا يكفي إذا كانت صواريخها الاعتراضية محدودة العدد وباهظة الثمن، بينما يستطيع الخصم مواصلة إنتاج وسائل الهجوم بسرعة وكلفة أقل.نحو نموذج عسكري مختلفويخلص هورويتز إلى أن عصر "الكتلة الدقيقة" يفرض على الولايات المتحدة تغيير طريقة بناء قوتها العسكرية، من خلال الاستثمار في أسلحة هجومية منخفضة التكلفة، وتطوير وسائل دفاع أرخص، وإعادة تنظيم القوات بما يسمح باستخدام هذه الأنظمة بأعداد كبيرة.ولا يتعلق الأمر، وفق هذا الطرح، باستبدال الأسلحة المتطورة بالأسلحة الرخيصة، وإنما بإعادة التوازن بين النوعين، بحيث لا تصبح المنظومات مرتفعة الكلفة هي الخيار الوحيد في مواجهة هجمات يمكن تنفيذها بأعداد ضخمة وبأسعار محدودة.وبحسب هورويتز، فإن معيار التفوق في الحروب المقبلة قد يرتبط بقدرة الدولة على الإنتاج والتعويض والتكيف بقدر ارتباطه بامتلاكها أكثر الأسلحة تطوراً. ففي بيئة تعتمد على آلاف المسيّرات والصواريخ الدقيقة، قد يصبح السؤال الحاسم ليس من يملك السلاح الأكثر تطوراً، وإنما من يستطيع إنتاج ما يكفي منه، ومن يستطيع تحمل كلفة الحرب لفترة أطول.