هناك حديث لا يُقال لكنه ربما كان أكثر الأحاديث حضورًا في حياتنا حديث يبدأ حين نصمت ويستمر حين ينصرف الناس من حولنا ويعود إلينا في آخر الليل عندما تهدأ الأصوات وتبقى النفس وحدها أمام مرآتها، إنه حديث النفس ذلك الحوار الخفي الذي يدور في أعماق الإنسان ولا يحتاج إلى لسان ولا إلى مستمع ولا إلى مجلس ولا إلى موعد، نحن نتحدث إلى أنفسنا أكثر مما نتحدث إلى الآخرين لكننا لا ننتبه إلى ذلك دائمًا.
قد تجلس بين الناس مبتسمًا تشاركهم الحديث وتبدو في نظرهم هادئًا ومطمئنًا بينما يدور في داخلك حوار طويل لا يعرف عنه أحد شيئًا.. أسئلة تتوالى هل كان ما فعلناه صحيحًا، لماذا قلنا تلك الكلمة لماذا سكتنا في ذلك الموقف ماذا لو اتخذنا قرارًا مختلفًا وهل كان علينا أن نثق بذلك الشخص، ولماذا تأخر الفرج وهل القادم أجمل.. فعلًا أسئلة كثيرة بعضها لا يجد جوابًا وبعضها لا يحتاج إلى جواب بقدر ما يحتاج إلى قلب هادئ يستطيع أن يتقبل ما حدث.
والغريب في حديث النفس أنه لا يأتي دائمًا في صورة واحدة أحيانًا يكون صديقًا يطمئننا وأحيانًا يكون قاضيًا قاسيًا لا يترك لنا خطأً إلا أعاد فتحه وقد يكون ذاكرة تستحضر مواقف مضت منذ سنوات وكأنها حدثت بالأمس.
نعود إلى الماضي لا لأننا نريد العيش فيه وإنما لأن في داخلنا شيئًا لم يكتمل كلمة لم نقلها اعتذار لم يصل موقف لم نفهمه في وقته شخص غادر وبقي أثره أو قرار اتخذناه ثم ظل سؤال ماذا لو يرافقنا بُعده طويلًا.. ولعل أصعب ما في حديث النفس أنه لا يعرف المجاملة مع الآخرين.
نستطيع أن نبتسم ونقول أنا بخير لكن حين نخلو بأنفسنا تسقط كثير من الأقنعة هناك من يكتشف في وحدته أنه متعب رغم أنه ظل طويلًا يخبر الجميع بأنه بخير وهناك من يكتشف أنه يشتاق رغم أنه أقنع نفسه بأنه تجاوز وهناك من يكتشف أن بعض الأشياء التي كان يظن أنه نسيها لم تُنسَ وإنما سكت عنها ومع ذلك ليست كل أحاديث النفس حزنًا.
في داخل كل إنسان مساحة لا يراها أحد فيها أحلامه الصغيرة وأمنياته المؤجلة والأشياء التي يتمنى أن تتحقق دون أن يجرؤ على إخبار الآخرين بها قد يجلس الإنسان بين الناس وفي داخله حياة كاملة لا يعرف عنها أحد شيئًا يتخيل نجاحًا أو مشروعًا أو سفرًا أو بداية جديدة أو بيتًا يجمع من يحب وقد يتحدث مع نفسه عن مستقبل لم يولد بعد ثم يبتسم فجأة دون أن يعرف من حوله سبب ابتسامته.
هنا يصبح حديث النفس ليس هروبًا من الواقع بل محاولة لفهمه وتحقيق أمل في داخله وكم من فكرة بدأت في رأس إنسان وهو وحده ثم تحولت بعد سنوات إلى واقع.. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الحديث إلى سجن حين يصبح الإنسان أسيرًا للتفكير في الماضي أو خائفًا من المستقبل أو شديد القسوة على نفسه بسبب أخطاء بشرية طبيعية ليس كل ما نفكر فيه حقيقة وليس كل ما تخبرنا به أنفسنا يستحق أن نصدقه أحيانًا.. تكون النفس متعبة فيبدو المستقبل أكثر ظلمة مما هو عليه وأحيانًا يكون الإنسان مجروحًا فيفسر كلمة عابرة على أنها رفض وموقفًا بسيطًا على أنه تجاهل وتأخرًا على أنه نهاية.
وهنا يتحول الحوار الداخلي إلى محكمة دائمة يخطئ الإنسان مرة فيعيد محاكمة نفسه عشرات المرات يخسر فرصة فيظل يسأل لماذا لم يفعل.. يفشل في تجربة فيحوّل الفشل من حادثة إلى تعريف دائم لنفسه ويصبح الصوت الداخلي أكثر قسوة من العالم الخارجي.
نحن نطلب من الآخرين أن يرحموا أخطاءنا لكننا في أحيان كثيرة لا نمنح أنفسنا الرحمة نفسها.. ولذلك ربما كان النضج الحقيقي ألا نتوقف عن محاسبة أنفسنا وإنما أن نتعلم الفرق بين محاسبة النفس وجلدها المحاسبة تقول أخطأت وسأتعلم أما جلد الذات فيقول أخطأت ولذلك فأنا لا أستحق فرصة أخرى.
ولهذا نحتاج بين وقت وآخر إلى أن نتعلم كيف نتحدث مع أنفسنا لا أن نُسكتها بل أن نصغي إليها.. أن نسألها ما الذي يؤلمك؟ ما الذي تخاف منه ؟ماذا تريد وما الذي تستطيع تغييره ؟وما الذي ينبغي عليك أن تتركه يمضي؟.
فالإنسان لا يستطيع تغيير كل ما حدث لكنه يستطيع أن يغير الطريقة التي يحمل بها ما حدث وكم من إنسان أرهقته معركة انتهت منذ سنوات لأنه ظل يخوضها في رأسه كل ليلة وكم من فرصة جديدة أضاعها لأنه ظل يعاقب نفسه على فرصة قديمة.
الحياة لا تتوقف عند خطأ ولا تنتهي عند خسارة ولا تُختصر في موقف واحد نحن لسنا أسوأ أخطائنا ولسنا أكثر لحظاتنا ضعفًا نحن مجموع تجاربنا وما تعلمناه منها وما بقي فينا من قدرة على البدء من جديد..
وليست كل الأبواب التي أُغلقت تحتاج إلى أن نعرف لماذا أُغلقت، وليست كل الأشياء التي فقدناها كان يجب أن تبقى وليست كل التأخيرات علامة على أن الطريق خاطئ بعض الأشياء لا نفهم حكمتها إلا بعد سنوات.. ولعل أجمل ما يمكن أن يصل إليه الإنسان هو أن يصبح حديثه مع نفسه أكثر رحمة.
أن يقول لنفسه حين تخطئ سأتعلم وحين تخسر سأحاول مرة أخرى
وحين يتأخر ما يتمناه ربما لم يحن وقته بعد وحين يشعر أنه وحيد ليس كل صمت فراغًا وليس كل تأخر حرمانًا ففي النهاية الإنسان لا يعيش فقط بما يحدث له بل بما يقوله لنفسه بعد أن يحدث..
قد لا يسمع أحد ذلك الحوار الداخلي، لن يعرف الناس كم مرة قاومت فكرة ولا كم مرة أخفيت خوفًا خلف ابتسامة، ولا كم ليلة قضيتها تحاول أن تقنع نفسك بأن الغد سيكون أفضل لكن نفسك تعرف، ولهذا ربما تستحق منك شيئًا من الإنصاف
حين تصمت الدنيا من حولك ويبدأ ذلك الصوت الخفي في داخلك لا تخف منه استمع إليه راجعه صحح ما يحتاج إلى تصحيح، واترك ما لا تستطيع تغييره ثم انهض..
فليس المطلوب أن ننتصر في كل معاركنا الداخلية، يكفي أحيانًا أن نخرج منها أكثر فهمًا لأنفسنا وأكثر رحمة بها وأكثر استعدادًا للحياة.
فحين نصمت يبدأ حديث النفس وحين نفهمه يبدأ الإنسان في فهم نفسه..
وربما لا نحتاج دائمًا إلى أن يجد لنا أحد الإجابة.. أحيانًا يكفي أن نتعلم كيف نجلس بهدوء مع أنفسنا وأن نقول لها:
لقد مررنا بالكثير لكننا ما زلنا هنا.. وهذه في حد ذاتها إجابة تستحق أن تُسمع.
هناك حديث لا يُقال لكنه ربما كان أكثر الأحاديث حضورًا في حياتنا حديث يبدأ حين نصمت ويستمر حين ينصرف الناس من حولنا ويعود إلينا في آخر الليل عندما تهدأ الأصوات وتبقى النفس وحدها أمام مرآتها، إنه حديث النفس ذلك الحوار الخفي الذي يدور في أعماق الإنسان ولا يحتاج إلى لسان ولا إلى مستمع ولا إلى مجلس ولا إلى موعد، نحن نتحدث إلى أنفسنا أكثر مما نتحدث إلى الآخرين لكننا لا ننتبه إلى ذلك دائمًا.
قد تجلس بين الناس مبتسمًا تشاركهم الحديث وتبدو في نظرهم هادئًا ومطمئنًا بينما يدور في داخلك حوار طويل لا يعرف عنه أحد شيئًا.. أسئلة تتوالى هل كان ما فعلناه صحيحًا، لماذا قلنا تلك الكلمة لماذا سكتنا في ذلك الموقف ماذا لو اتخذنا قرارًا مختلفًا وهل كان علينا أن نثق بذلك الشخص، ولماذا تأخر الفرج وهل القادم أجمل.. فعلًا أسئلة كثيرة بعضها لا يجد جوابًا وبعضها لا يحتاج إلى جواب بقدر ما يحتاج إلى قلب هادئ يستطيع أن يتقبل ما حدث.
والغريب في حديث النفس أنه لا يأتي دائمًا في صورة واحدة أحيانًا يكون صديقًا يطمئننا وأحيانًا يكون قاضيًا قاسيًا لا يترك لنا خطأً إلا أعاد فتحه وقد يكون ذاكرة تستحضر مواقف مضت منذ سنوات وكأنها حدثت بالأمس.