حبّ الوطن.. غريزة فطرية ومنهج نبوي أصيل – د. تنيضب الفايدي

حبّ الوطن هو شعور عميق وفطري يسكن الروح، وهو الإحساس الخفي الذي يحركنا للتعلق به، والإحساس بالانتماء إليه مهما بعدت بنا المسافات، هذا الشعور الفطري ينمو ويكبر مع تقدّمنا بالعمر، وحبّ الوطن ليس دخيلاً في الدين، بل وردت نصوص كثيرة في القرآن الكريم، والسنة النبوية تؤكد على محبة الفرد لوطنه، فمن القرآن الكريم قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ) سورة النساء الآية (66)، فقد شبه سبحانه وتعالى إخراج العبد من وطنه بإخراج روحه من جسده، فالوطن عديل الروح في كتاب الله، أما الحديث فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما خرج من مكة (وَإِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكِ لأَحَبُّ بِلادِ اللَّهِ إِلَيْهِ وَأَكْرَمُهُ عَلَيْهِ، وَلَوْلا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مِنْكِ لَمَا خَرَجْتُ مِنْكِ)، وقد عبر عن ذلك علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بقوله: (مِنْ كَرَمِ اَلْمَرْءِ حَنِينُهُ إِلَى أَوْطَانِهِ).

فحبّ الوطن شعورٌ طبيعي يسكن القلوب، ويجعل القلب يحنّ إليه دائماً عند الفراق؛ ولذا نجد أن الشعراء خلّدوا مئات المواقع من الوطن الغالي في أشعارهم، وذلك لحبّهم وشوقهم إليها. وتلك الأشعار والشواهد التي خلدها المحبون تبهر النظر، وتأسر القلب والروح، وتثير في النفس حبّ المكان، وتخلد حبّ الوطن في أهله، وتولد الاعتزاز به، والوقوف للدفاع عنه والتضحية لأجله. والأدب العربي مليءٌ بأشعار العرب في حبهم لأوطانهم، وحنينهم إليها، وشوقهم إلى ترابها، وجبالها، وفجاجها، وأسواقها، فهذا بلال - رضي الله عنه - وهو في المدينة وقد اشتاق إلى مكة حيث قضى بها شطراً من حياته فهي وطنه فحنّ إلى أوديتها وجبالها وشوارعها، وهذا الشوق دفعه إلى أن يتمثل شعـراً:

وعبد الله بن أم مكتوم - رضي الله عنه - يغلبه الحنين، وهو آخذ بزمام ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيذكر أهله ووطنه مكة، فيقول:

ومالك بن الريب - رضي الله عنه - يخرج غازياً في جيش عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فتدركه المنية بـ(خراسان) وهو في غُربة، فيشكو البعاد ويشعر الشوق والحنين إلى دياره وأركانه ولا يتمنى شيئاً في تلك اللحظات الأخيرة إلا أن يزور بلاده وينام فيها ليلة فمن قصيدته الطويلة:

وقال امرؤ القيس بن عمرو الكنْدي وقد ذكر عدداً من المواقع:

وها هو طرفة بن العبد البكري يذكر مكان محبوبته ويسمى (برقة ثهمد):

وأحب زهير بن أبي سلمى مواطن محبوبته، ومواطنها (حومانة الدرّاج، والمتثلم، والرقمتان) حيث قال:

وقال عنترةُ بن شداد العبسي في معلقته وهو يذكر الجواء حيث دار عبلة:

الجوى، وعيون الجوى لا زالت بنفس الاسم بمنطقة القصيم.

والنابغة الذبياني يخاطب دار محبوبته حيث تسكن العلياء والسَّند:

وقد عدد الحارث بن حلزة بن ربيعة بن نـزار مواطن كثيرة سكنها وأثبتها للتاريخ لحبّه لها حيث يقول:

وقد ذكر زهير بن أبي سلمى في معلقته عشرات الأماكن.. (العلياء)، (جرثم) (القنان) و(حزن القنان) حيث قال:

وفيما يلي مقدمة معلقة عبيد بن الأبرص المضري وكلّ ما قيل في مقدمتها مواقع وأماكن ووهاد وجبال وأودية له معها ذكرى، لذلك عددها:

وتبث الخيف في الشاعر الأشواق للعودة إليها مرة أخرى.

وذكر الشاعر الأحوص بعض المواقع في الوطن منها الشُبَيْكَة وأُحُدٍ، وسَنَام، ذات عِرْق ، وذات فلج:

ويذكر كثير من الشعراء جبال تهامة وأنـها في القلب:

قالت تماضر بنت عمرو بن الشريد ترثي أخاها صخراً:

وأثّر فراق الحجاز وبالذات وادي الحمى على الشاعر:

وحين يتذكر الشاعر وطنه يلتهب ناراً، فينثني على كبده مخافة أن تتصدع، لأن أيام الصّبا ليس لها إياب، يقول:

وقال شاعر يتشوق إلى نجد الذي قطعه وجداً:

وهذا مجنون ليلى يحنُّ إلى نجد مع يأسه من الرجوع إليها، فيقول:

وقد حنَّ حاتم الطائي إلى وطنه جبال أجا وسلمى فيخاطبها بعاطفة صادقة ومشاعر رقيقة، حتى إنه ليخال أن ناقته تحنُّ معه:

والمجد العربي يظهره الشعر والتاريخ، حيث الرياض:

وميسون هي زوج معاوية - رضي الله عنه - وأم ابنه يزيد، قالت ذلك البيت ضمن قصيدة طويلة تتشوق إلى وطنها نجد:

وها هو ابن الرومي وقد عصفت به الأشواق إلى وطنه فكيف يفرط به أو يبيعه أو يتنكر له:

وقد عبّر بعض الشعراء ذلك الحبّ بشعـر الحنين إلى الديار والوطن والأرض، ويزداد الحنين ويتغلغل الشوق ويغلب البكاء إذا ابتعد المرء عن تلك الديار، ويتذكّر الأهل والأحباب والأمجاد، قال الشاعر:

وقال الأمير خالد الفيصل بن عبد العزيز آل سعود في حب الوطن:

وقال الشاعر في الوطن وحبه المتغلغل بالوجدان:

فحبُّ الوطن أمرٌ ملازمٌ للشعراء، والأدباء، والحكماء، والشرفاء، بل لكلِّ فردٍ من أفراد الوطن؛ فما من قصيدةٍ إلا وتفيض حبّاً وولاءً وعشقاً له.

إنّ ذكرى اليوم الوطني تُثير وتغرس هذا الحبَّ تجاه الوطن، كما تعزز الانتماء؛ وذلك بترسيخ مشاعر الفخر والاعتزاز بالوطن، وتأكيد الولاء للقيادة الحكيمة، وبالتذكير بمسيرة التنمية والنهضة التي شهدتها البلاد منذ التأسيس وحتى اليوم، وإبراز الوحدة الوطنية بالتكاتف والتضامن بين أبناء الشعب الواحد لحماية مكتسبات الوطن، وكذلك العمل بجدّ وإخلاص لرفعة الوطن وتطويره في المجالات كافة، والمحافظة على المكتسبات الوطنية والدفاع عنها، والوقوف صفاً واحداً لضمان أمن واستقرار المجتمع، والشكر على نعمة الوطن؛ فهي من أعظم النعم التي تستوجب الشكر.

حبّ الوطن هو شعور عميق وفطري يسكن الروح، وهو الإحساس الخفي الذي يحركنا للتعلق به، والإحساس بالانتماء إليه مهما بعدت بنا المسافات، هذا الشعور الفطري ينمو ويكبر مع تقدّمنا بالعمر، وحبّ الوطن ليس دخيلاً في الدين، بل وردت نصوص كثيرة في القرآن الكريم، والسنة النبوية تؤكد على محبة الفرد لوطنه، فمن القرآن الكريم قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ) سورة النساء الآية (66)، فقد شبه سبحانه وتعالى إخراج العبد من وطنه بإخراج روحه من جسده، فالوطن عديل الروح في كتاب الله، أما الحديث فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما خرج من مكة (وَإِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكِ لأَحَبُّ بِلادِ اللَّهِ إِلَيْهِ وَأَكْرَمُهُ عَلَيْهِ، وَلَوْلا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مِنْكِ لَمَا خَرَجْتُ مِنْكِ)، وقد عبر عن ذلك علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بقوله: (مِنْ كَرَمِ اَلْمَرْءِ حَنِينُهُ إِلَى أَوْطَانِهِ).