حافة الفوضى

تؤكد إسرائيل في كل يوم أنها غير معنية بالسلام والاستقرار في المنطقة، فكلما أُنجز اتفاق أو تفاهم للتهدئة، تُبادر إلى خرق ما تم الاتفاق عليه لتزيد من تأزيم الأوضاع في الإقليم.الموافقة الإسرائيلية على أي هدنة إنما هي ذرٌّ للرماد في العيون، وتتذرع بشتّى الحجج والسرديات لتبرير أفعـــالها التي لا تشي برغبة في التساوق مع إرادة السلام.فمنذ اتفاقات وقف النار في قطاع غزة في اكتوبر 2025، لم يتوقف الجيش الاسرائيلي يوماً عن القصف وشنّ الغارات بالطائرات والمسيّرات، على مختلف أنحاء قطاع غزة المنكوب، إلى جانب توسيع ما يسمى بـ«الخط الأصفر»، حتى باتت القوات الاسرائيلية تسيطر وتحتل أكثر من ستين في المئة من مساحة القطاع، الذي يفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة. فضلاً عن العرقلة الاسرائيلية المستمرة لتنفيذ خطة السلام التي اقترحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.إذا سلّمنا جدلاً بأن إسرائيل تشترط نزع سلاح «حماس» أولاً قبل المضي قدماً في تنفيذ أي تعهد باتفاق، فلماذا تعمد سلطات الاحتلال والمستوطنون إلى دفع الأوضاع في الضفة الغربية نحو الانفجار.ولا يتورّع المستوى السياسي الإسرائيلي في الحكومة اليمينية المتطرفة، التي يسيّرها وزيرا الأمن الداخلي إيتمار بن غفير، والمال بتسليئيل سموتريتش، عن اتخاذ إجراءات استفزازية غير شرعية، تشمل تصاعد اعتداءات المستوطنين التي أقل ما توصف بأنها إرهابية، والتوسع في الاستيطان، وتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية؟ووفقاً لبيانات من منظمات إسرائيلية مثل «حركة السلام الآن»، شهد النصف الأول من العام الحالي ارتكاب الجيش والمستوطنين 3488 اعتداءً بحق الفلسطينيين وممتلكاتهم، وتشمل الاعتداءات القتل والاعتقال، وهدم المنازل والمنشآت الزراعية والصناعية، وإحراق مساجد، وتجريف أراض زراعية، ومنع مزارعين من الوصول إلى مزارعهم، والتوسع الاستيطاني في أراضيهم. ولا يخفي اليمين المتطرف الحاكم نيّته التمهيد لإعلان ضم الضفة الغربية رسمياً إلى إسرائيل، وفرض السيطرة على المسجد الأقصى أو تقسيمه زمانياً ومكانياً، وتقويض أي إمكانية لإقامة دولة فلسطين المنصوص عليها في قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.الخطط والإجراءات الإسرائيلية لا تحظى بمعارضة المجتمع الدولي فقط، بل إن قادة أحزاب من اليمين واليسار ومسؤولين عسكريين وأمنيين إسرائيليين سابقين يرفضون السياسة المتهورة التي تتبعها حكومة بنيامين نتنياهو.فقد سبق أن اتهم يائير غولان رئيس حزب «الديمقراطيين» الإسرائيلي، حكومة نتنياهو بتجاهل «إرهاب المستوطنين» في الضفة الغربية، مشيراً إلى أن نتنياهو يتبع سياسة متهورة أفضت إلى انتشار أكثر من 100 بؤرة استيطانية غير مرخصة خلال الفترة من ديسمبر 2022 وحتى الآن. كما حذر غادي آيزنكوت، زعيم حزب «يشار» المعارض، من أن الضفة الغربية «على حافة الفوضى» بسبب سياسات نتنياهو.النيّات والخطط الإسرائيلية واضحة قولاً وعملاً، وهي ماضية في تنفيذها لأنها لا تجد من يقف في وجهها في ظل ممالأة أمريكية، وردود فعل غربية خجولة، من دون التقدم خطوة إلى الأمام للانتصار للحق والعدل والسلام.فمتى تتكاتف الجهود الإقليمية والدولية لإلزام إسرائيل وقف جميع انتهاكاتها للقانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان؟