حازم هلال يكتب: عندما اختارت الصين القاهرة.. مصر في قلب الصراع على النظام العالمي الجديد

هناك زيارات تُقاس نتائجها بما يُوقَّع خلالها من اتفاقيات، وهناك زيارات تُقاس بما تكشفه عن شكل العالم الذي يتكوّن خلف الأبواب المغلقة.

زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة تنتمي إلى النوع الثاني.

فالقاهرة لا تستقبل رئيس الصين في لحظة عادية من عمر النظام الدولي، وإنما في مرحلة تتراجع فيها قواعد العولمة القديمة لصالح عالم جديد تُعاد فيه صياغة خرائط النفوذ، وتتنافس فيه القوى الكبرى على التكنولوجيا والطاقة والموانئ والأسواق وسلاسل الإمداد، بينما أصبحت الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات أدوات من أدوات القوة الجيوسياسية.

وفي وسط هذه المعادلة تقف مصر في موقع شديد الحساسية.

ليس لأنها دولة محورية في الشرق الأوسط فقط، وإنما لأنها تقع عند واحدة من أهم نقاط اختناق التجارة العالمية: قناة السويس.

حين تختار بكين القاهرة محطة رئيسية في تحركها الدبلوماسي، فإنها لا تنظر إلى مصر باعتبارها سوقًا استهلاكية ضخمة فحسب.

إلى دولة تتحكم في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وتمتلك امتدادًا عربيًا وأفريقيًا، وتطل على المتوسط والبحر الأحمر، وترتبط بشبكة واسعة من الأسواق والاتفاقيات التجارية، وتمتلك وزنًا سياسيًا وعسكريًا يجعلها لاعبًا يصعب تجاوزه عند رسم أي معادلة إقليمية جديدة.

ولهذا فإن الاستثمار في مصر بالنسبة لبكين ليس استثمارًا في السوق المصرية فقط.

إنه استثمار في موقع مصر داخل حركة التجارة العالمية.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية القاهرة في الحسابات الصينية.

الصراع بين الولايات المتحدة والصين لم يعد مجرد خلاف تجاري حول الرسوم الجمركية أو حجم الصادرات والواردات.

المنافسة الحقيقية تدور حول سؤال أكثر عمقًا:

من سيقود التكنولوجيا التي سيعمل بها العالم خلال العقود المقبلة؟

من يملك البنية التحتية للذكاء الاصطناعي؟

ومن يستطيع أن يحول التكنولوجيا إلى نفوذ اقتصادي وسياسي؟

ولهذا أصبحت الاستثمارات التكنولوجية أشبه بالبنية التحتية الجيوسياسية.

ومن يشارك في بناء البنية الرقمية لدولة ما، لا يبيعها أجهزة فقط؛ بل يدخل، بصورة أو بأخرى، إلى قلب اقتصادها المستقبلي.

من هنا تكتسب التحركات المرتبطة بمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي أهمية استثنائية.

فالتنافس على بناء بنية تحتية متقدمة للذكاء الاصطناعي في مصر لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره منافسة بين شركات فقط.

إنه جزء من المنافسة العالمية على منظومات التكنولوجيا.

وهنا ينبغي لمصر أن تكون أكثر ذكاءً من مجرد اختيار المورد الأفضل.

المطلوب هو تحويل المنافسة بين القوى الكبرى إلى فرصة مصرية.

إذا تنافست الصين والولايات المتحدة وأوروبا وغيرها على الدخول إلى السوق المصرية، فإن القاهرة يجب أن تضع شروطها بوضوح:

نريد استثمارًا لا استيرادًا، ونريد تصنيعًا لا تجميعًا محدودًا، ونريد نقلًا حقيقيًا للتكنولوجيا، وتدريبًا للكوادر المصرية، وربطًا بالمؤسسات البحثية والجامعات، وقدرة على التصدير.

هذه هي اللحظة التي يتحول فيها التنافس الدولي من عبء إلى فرصة.

التعاون العسكري والتدريبات المشتركة بين مصر والصين تحمل بدورها دلالات مهمة.

لكن من الخطأ قراءتها باعتبارها إعلانًا عن انتقال مصر إلى معسكر صيني.

القاهرة، تاريخيًا، تتعامل مع علاقاتها الدولية بمنطق مختلف.

مصر لا تريد أن تكون طرفًا تابعًا في صراع القوى الكبرى، وإنما تريد أن تكون دولة قادرة على الحركة بين هذه القوى.

فالقاهرة تستطيع أن تتعاون عسكريًا وتكنولوجيًا مع الصين، بينما تحتفظ في الوقت نفسه بعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والدول العربية.

وفي عالم يتجه نحو الاستقطاب، تصبح حرية الحركة أصلًا من أصول القوة.

عضوية مصر في مجموعة بريكس منذ يناير 2024 تضيف بعدًا آخر إلى هذه المعادلة.

فمصر لم تعد تتعامل مع الصين فقط باعتبارها دولة منفردة، وإنما أصبحت جزءًا من فضاء اقتصادي وسياسي أوسع يضم عددًا من الاقتصادات الكبرى والصاعدة.

وهنا يمكن أن تتقاطع ثلاثة عناصر في السياسة الاقتصادية المصرية:

الموقع الجغرافي + بريكس + العلاقات الدولية المتوازنة.

إذا أُديرت هذه العناصر بذكاء، فإن مصر تستطيع أن تتحول إلى منصة تربط بين الشرق والغرب، وبين آسيا وإفريقيا، وبين الأسواق العربية والأوروبية.

الأرقام التجارية وحدها تكشف أن الميزان الاقتصادي لا يزال يميل بقوة لمصلحة الصين.

فبحسب الأرقام الواردة في المقال، بلغ حجم التجارة المصرية الصينية نحو 20.8 مليار دولار خلال 2025، في حين تقترب الصادرات الصينية إلى مصر من 20 مليار دولار، مقابل نحو 819 مليون دولار فقط للصادرات المصرية إلى الصين.

فالدولة التي تستورد أكثر مما تنتج لا تستفيد بالقدر الكافي من شراكتها مهما ارتفع حجم التبادل التجاري.

ولهذا يجب أن تنتقل العلاقة المصرية الصينية من:استيراد → استهلاكإلى:استثمار → إنتاج → نقل تكنولوجيا → تصدير.