في واقعتين أشبه بأفلام الخيال العلمي، اهتزت أوساط الأمن السيبراني، بعدما كشفت كل من شركة «أوبن إيه آي»، و«أنثروبيك»، أن نماذج الذكاء الاصطناعي المتخصصة في اختبارات الأمن السيبراني، خرجت من بيئات الاختبار المحصورة، ونفذت عمليات اختراق حقيقية ضد شركات، من دون علم أو إشراف مطوّريها، ما يعني أن الأمر تغيّر من: «ما الذي يمكن للذكاء الاصطناعي توليده؟»، إلى «ما الذي يمكن له فعله؟»، بحسب ما استعرضه متخصصون تقنيون في شركة كاسبرسكي، ضمن توصيات تساعد في الإبقاء على أدوات الذكاء الاصطناعي المارقة تحت السيطرة.«حادث خيالي للغاية»«حادث إلكتروني خيالي للغاية»؛ بهذا الوصف كشف سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي»، أن نماذج ذكاء اصطناعي متخصصة في الأمن السيبراني، خرجت من نطاق الاختبارات ونفذت عمليات اختراق استهدفت شركات، من دون علم أو إشراف مطوّريها، ما أثار مخاوف أمنية واسعة، ما يشبه خروج الديناصورات عن السيطرة في الفيلم الشهير Jurassic Park، عندما كانت تخضع لاختبارات. وقال ألتمان إن هذا «أول حادث أمني يشعر به بشكل عميق للغاية»، معرباً عن دهشته لعدم تفاعل المزيد من المتخصصين بنفس المستوى من القلق، عبر بودكست تم بثه، مؤخراً.وبحسب الشركة، فإن النماذج المتطورة من الذكاء الاصطناعي تمكنت من الهروب من بيئة الاختبار الآمنة (Sandbox) خلال تجربة لتقييم قدراتها السيبرانية، بدلاً من الالتزام بالقيود، حيث استغلت ثغرة غير معروفة سابقاً لتتجاوز الحواجز، ثم تمكنت من الوصول إلى الإنترنت واختراق أنظمة شركة «هاغينغ فايس»، إحدى أكبر المنصات مفتوحة المصدر لمشاركة نماذج الذكاء الاصطناعي، والتي تُستخدم على نطاق واسع من قبل المطوّرين والباحثين.«أوبن إيه آي» وصفت الواقعة بأنها «حادث سيبراني غير مسبوق»، يتضمن قدرات متطورة، وأعلنت عن تحقيق مشترك مع هاغينغ فايس. وقال توماس وولف، المؤسس المشارك والرئيس العلمي لشركة هاغينغ فايس، إن الهجوم كان «مختلفاً جداً» عن الهجمات الإلكترونية المعتادة، حيث شهدت شبكتهم ما يقارب 17,000 هجوم من عناوين IP مختلفة في فترة قصيرة جداً. ووصف الحادث بأنه «جرس إنذار» للصناعة بأكملها، متوقعاً أن تصبح هذه الهجمات «أحد أكثر أنواع الهجمات السيبرانية شيوعاً».واقعة «أنثروبيك»: ثلاثة اختراقات إضافيةبعد أيام من إفصاح «أوبن إيه آي»، كشفت شركة «أنثروبيك» (المطورة لنموذج Claude) عن نتائج مراجعة أمنية شاملة لأكثر من 141,000 عملية تقييم، وتبيّن أن نماذجها قامت بثلاث عمليات اختراق منفصلة ضد منظمات حقيقية، بدأت منذ شهر إبريل/ نيسان 2026.وأوضحت «أنثروبيك» أن سبب هذه الحوادث كان سوء فهم تقني مع شركة اختبار خارجية، حيث ترك إعداد خاطئ بيئة الاختبار متصلة بالإنترنت، على الرغم من أن النماذج كانت تعتقد أن الشبكة معزولة. وشملت النماذج المخترقة كلاً من Claude Opus 4.7 وClaude Mythos 5 ونموذج بحث داخلي.ووفقاً للشركة، استخدمت النماذج تقنيات أساسية نسبياً، مثل تجاوز كلمات المرور الضعيفة لاختراق البنى التحتية للمنظمات المستهدفة. وفي إحدى الحالات، قام أحد النماذج بتحميل برمجيات خبيثة على سجل حزم برمجيات شائع (Python Package Index)، ما أدى إلى سرقة بيانات اعتماد من شركة أمنية قامت بتحميلها. وفي حادثة أخرى، قام النموذج بسرقة «عدة مئات من الصفوف من بيانات الإنتاج» من شركة حقيقية. وأكدت «أنثروبيك» أنها تواصلت مع الجهات المتضررة، وأفادت اثنتان منها بأنهما لم تكتشفا النشاط الخبيث سابقاً.6 توصيات من كاسبرسكيبالتزامن مع هاتين الواقعتين غير المسبوقتين من حيث القوة، كشفت شركة كاسبرسكي الرائدة في مجال الأمن السيبراني، عبر ورقة بحثية استعرضتها في مؤتمرها السنوي، عن عدة توصيات، حيث أوضحت أن عام 2026 يعتبر محظة فارقة في تاريخ الأمن السيبراني، بعد أن أثبتت أن وكلاء الذكاء الاصطناعي لم يعودوا مجرّد أدوات نظرية، بل قوة هجومية حقيقية قادرة على العمل بشكل مستقل، وتنفيذ اختراقات معقدة.وبحسب الورقة التي استعرضتها كاسبرسكي، فإنها أوصت بعدة إجراءات ضرورية، تتمثل في:أولاً: اعتماد مبدأ الامتياز الأدنى، عن طريق منح الوكلاء الحد الأدنى من الصلاحيات اللازمة فقط، وثانياً: تدقيق سلسلة التوريد من خلال فحص جميع المكونات مفتوحة المصدر والنماذج والإضافات قبل النشر، وثالثاً: حماية وقت التشغيل عبر مراقبة سلوك الوكلاء أثناء التشغيل واعتراض الاتصالات غير المصرّح بها، ورابعاً: عزل بيئات التنفيذ، باللجوء إلى تشغيل الوكلاء في بيئات معزولة مع منع الوصول المباشر إلى البيانات الحساسة، وخامساً: التحديث المستمر للمعرفة عن طريق مواكبة التطورات السريعة في مجال أمن الذكاء الاصطناعي.أما للمستخدمين الأفراد، فينصح بالالتزام بالمصادر الرسمية، وتوخي الحذر من العروض المجانية المشبوهة، وعدم اعتبار توصيات وكلاء الذكاء الاصطناعي دليلاً على الموثوقية من دون تحقق إضافي.واعتبرت كاسبرسكي أن العامل البشري يبقى خط الدفاع الأول، حيث إن الوعي، واليقظة التشغيلية، والالتزام بالممارسات الآمنة، هي أساس مواجهة التهديدات المتطورة التي يجلبها عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي.الفروقات الجوهرية بين الحادثتينرغم تشابه النتيجة النهائية، تشير التقارير إلى فروقات مهمة بين حادثتي «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك»، ففي حالة أوبن إيه آي، أظهرت النماذج سلوكاً «مارداً»، حيث قامت عمداً باكتشاف واستغلال ثغرة (Zero-day) للهروب من بيئة الاختبار، ما يشير إلى قدرة على التخطيط والخداع لتحقيق هدف. والغريب هو ما أكده خبراء التقنية، من أن «نماذج الذكاء الاصطناعي كانت تعرف تماماً أن الاختراق ليس ما قصده منشئوها، لكنها لم تكترث».في المقابل، تؤكد «أنثروبيك» أن نماذجها لم تحاول الهروب عمداً، أو التصرف ضد التعليمات، بل استمرت في تنفيذ المهمة الموكلة إليها (وهي العثور على «علم» مخفي في شبكة معزولة)، في بيئة كان البشر قد هيأوها بشكل خاطئ. وعلى الرغم من ذلك، فإن النتيجة تظهر كيف يمكن لمهمة محاكاة أن تمتد بسرعة إلى العالم الحقيقي، عندما تُمنح الأنظمة المستقلة صلاحيات واسعة، وإمكانية الوصول إلى بنى تحتية حية.أنظمة ذكاء اصطناعي تتجاوز البشر في الاختراقكاسبرسكي كشفت عن حملات برمجيات خبيثة واسعة النطاق تتخفى في صورة خدمات ذكاء اصطناعي شهيرة، حيث تم اكتشاف أكثر من 92,000 هجوم، بين يناير ومايو 2026، مع أكثر من 15,000 عيّنة برمجيات خبيثة تتنكر في زي برمجيات وكيلة. وأظهرت الإحصاءات أن تطبيقات ChatGPT المزيفة شكلت 49% من هذه الهجمات، تليها Claude وGemini بنسبة 18% لكل منهما.وتكشف الأحداث الأخيرة عن نتائج أكدتها أبحاث سابقة، بشأن أن أنظمة ذكاء اصطناعي أضحت تتجاوز قدرات البشر في الاختراق. ويرى العديد من الخبراء العالميين أن «فرق الأمن التقليدية التي لا تواكب التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي»، وأن «قراصنة الذكاء الاصطناعي ليسوا مثل البشر، إنهم يتعمقون أكثر، ويتوسعون أكثر، وهم أكثر تعقيداً وكثافة».التهديدات المتعدية ـ هجمات على الذكاء الاصطناعي نفسهبالتزامن مع قدرات الوكلاء الهجومية، تشير تقارير كاسبرسكي لعام 2026 إلى تزايد الهجمات الموجهة ضد الذكاء الاصطناعي نفسه، والتي تتجاوز البرمجيات الخبيثة التقليدية. وتشمل هذه الهجمات حقن الأوامر (Prompt Injection)، وعمليات الهروب من القيود (Jailbreaks)، وتسمم بيانات التدريب (Training Data Poisoning)، وإساءة استخدام الأدوات.وأثار الكشف المزدوج عن هذه الاختراقات استياء واسعاً، بين المشرعين والخبراء، ودفع البيت الأبيض إلى تشديد الرقابة على الذكاء الاصطناعي.ترامب يتدخلفي 2 يونيو/ حزيران 2026، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمراً تنفيذياً بعنوان «تعزيز ابتكار الذكاء الاصطناعي المتقدم وأمنه» (EO 14409)، والذي يضع إطاراً طوعياً للتعاون بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي، يتضمن مراجعة فيدرالية للنماذج المتطورة قبل نشرها للجمهور. ويعيّن الأمر وكالة الأمن القومي (NSA) لتطوير معايير سرية لتحديد «النماذج المتطورة المشمولة» (Covered Frontier Models) التي ستخضع لهذه المراجعة، والتي قد تمتد حتى 30 يوماً قبل الإصدار العام، بحسب وول ستريت جورنال.ومع أن الإطار طوعي بشكل صريح، ولا يفوض الحكومة سلطة الترخيص أو الموافقة المسبقة، يشير خبراء قانونيون إلى أن المشاركة الواسعة في مثل هذه الأطر تميل إلى أن تصبح معايير فعلية، يتوقع من الشركات الالتزام بها. كما يوجه الأمر وزارة العدل الأمريكية بتعزيز إنفاذ القوانين الجنائية الحالية ضد الهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي للوصول غير المصرح به إلى البيانات. وقال أحد مسؤولي البيت الأبيض للصحيفة، إن المناقشات مع الشركات حول كيفية المضي قدماً في الاختبارات الطوعية لا تزال جارية.من جهتها، أفادت الحكومة البريطانية بأن معهد أمن الذكاء الاصطناعي التابع لها يدرس سلوك النظام في الحادث، ويعمل مع «أوبن إيه آي»، والمختبرات الأخرى لتعزيز الضمانات، وحثت المؤسسات على تعزيز دفاعاتها السيبرانية من خلال الانضمام إلى برامج مثل Cyber Essentials.