جورج سارتون.. المؤرخ الذي أعاد الاعتبار إلى العصر الذهبي للعلوم العربية – عمرو أبوالعطا

حين يكتب مؤرخ تاريخ العلوم، فإنه يعيد رسم خريطة الحضارة الإنسانية بقدر ما يوثق مسيرة الاكتشافات. ومن بين الأسماء التي تركت أثرًا استثنائيًا في هذا المجال يبرز جورج سارتون، الذي ارتبط اسمه بمشروع فكري واسع أعاد النظر في تاريخ المعرفة، وأعاد إلى العلماء العرب والمسلمين المكانة التي غابت طويلًا عن كثير من السرديات الغربية. فقد رأى أن العلم ثمرة جهد إنساني متصل، وأن الحضارات تتناقل مشعل المعرفة عبر العصور، وأن أي قراءة تتجاهل هذه الحقيقة تبتعد عن المنهج العلمي.

ولد جورج ألفرد ليون سارتون في مدينة غنت البلجيكية عام 1884، ونشأ في بيئة أولت التعليم والثقافة اهتمامًا كبيرًا. اتجه في بداية حياته إلى دراسة الفلسفة، ثم وجد في العلوم الطبيعية المجال الذي يجمع بين الدقة والتأمل، فدرس الكيمياء والرياضيات والفيزياء، ونال درجة الدكتوراه عام 1911. وخلال سنواته الأولى أدرك أن كثيرًا من العلماء يحيطون بتفاصيل تخصصاتهم، بينما يجهلون المسار التاريخي الذي أوصل الإنسانية إلى تلك المعارف، في حين يفتقر عدد من المؤرخين إلى الخلفية العلمية التي تمكنهم من فهم تطور الاكتشافات. ومن هنا بدأت تتبلور لديه فكرة تأسيس علم مستقل يحمل اسم «تاريخ العلوم».

كان يؤمن بأن تاريخ العلم يمثل السجل الأكثر صدقًا لتطور الإنسان، لأن المعرفة العلمية تتراكم عبر الأجيال، ويضيف كل عصر لبنة جديدة إلى ما أنجزه السابقون. ولهذا رفض النظر إلى الحضارات باعتبارها كيانات منفصلة، ورأى أن الحضارة الإنسانية سلسلة مترابطة تتبادل الخبرات والمعارف، وأن الإغريق أفادوا من حضارات الشرق القديم، ثم أفاد العرب من اليونان والفرس والهنود وأضافوا إسهاماتهم الخاصة، قبل أن تنتقل هذه الثروة العلمية إلى أوروبا التي واصلت مسيرة التطور. ومن ثم فإن نسبة العلم إلى حضارة واحدة تتعارض مع طبيعة المعرفة نفسها.

جاءت الحرب العالمية الأولى لتغير مسار حياته، فاضطر إلى مغادرة بلجيكا بعد الاجتياح الألماني، وانتقل إلى إنجلترا، ثم استقر في الولايات المتحدة عام 1915. حمل معه مشروعه الفكري الضخم، وواصل العمل في ظروف صعبة حتى وجد الدعم الذي أتاح له التفرغ للبحث العلمي. وارتبط اسمه لاحقًا بجامعة هارفارد، حيث أمضى عقودًا في البحث والكتابة، وحوّل مكتبه داخل مكتبة الجامعة إلى ورشة علمية خرج منها أحد أهم المشاريع الفكرية في تاريخ الدراسات العلمية.

وقبل الهجرة بسنوات قليلة أسس مجلة «إيزيس»، التي أصبحت المرجع العالمي الأول في تاريخ العلوم. وأراد لها أن تكون منبرًا دوليًا يجمع الباحثين من مختلف الثقافات، ويفتح المجال لدراسة التراث العلمي الإنساني بعيدًا عن الانحيازات القومية والأحكام المسبقة. ومع مرور الوقت تحولت المجلة إلى مدرسة علمية راسخة، وأسهمت في ترسيخ تاريخ العلوم بوصفه تخصصًا أكاديميًا مستقلًا داخل الجامعات.

واكتمل مشروعه العلمي في موسوعته الشهيرة «المدخل إلى تاريخ العلوم»، التي استغرق إعدادها سنوات طويلة، وجاءت في مجلدات ضخمة تناولت تطور المعرفة منذ الحضارات القديمة حتى أواخر القرن الرابع عشر. وتميز هذا العمل بمنهج غير مسبوق، إذ قسم التاريخ إلى فترات متتابعة، وجعل كل مرحلة تحمل اسم العالم الأكثر تأثيرًا فيها. وعندما وصل إلى القرون الممتدة من منتصف القرن الثامن حتى مطلع القرن الثاني عشر، وجد أن الريادة العلمية انتقلت إلى الحضارة العربية الإسلامية، فأطلق على تلك المراحل أسماء جابر بن حيان والخوارزمي والرازي والمسعودي وأبي الوفاء البوزجاني والبيروني وابن سينا وعمر الخيام، في اعتراف صريح بأن العربية كانت لغة العلم العالمية خلال تلك القرون.

وجاء هذا التقسيم بعد مراجعة واسعة للمصادر والمخطوطات ومقارنة دقيقة بين الإنتاج العلمي للحضارات المختلفة. وكان يؤكد أن الباحث الأوروبي في العصور الوسطى احتاج إلى تعلم العربية إذا أراد متابعة أحدث المعارف في الطب والفلك والرياضيات والكيمياء والفلسفة، تمامًا كما يحتاج الباحث المعاصر إلى الإنجليزية لمتابعة أحدث الأبحاث العلمية.

ودفعه هذا الاستنتاج إلى خطوة أكثر جرأة، حين أدرك أن الاعتماد على الترجمات اللاتينية وحدها لا يكفي لفهم التراث العربي. فقد لاحظ أن كثيرًا من الترجمات القديمة اختصرت النصوص أو غيرت أسماء أصحابها أو أضافت إليها تفسيرات حجبت روحها الأصلية، فقرر تعلم اللغة العربية رغم تقدمه في العمر، ليقرأ المخطوطات بلغتها الأصلية ويقترب من المصطلحات كما صاغها أصحابها. وكان يرى أن العربية ليست مجرد وسيلة للتواصل، وإنما وعاء يحمل طريقة التفكير وبناء المعرفة، وأن مرونتها وقدرتها على الاشتقاق وصياغة المصطلحات العلمية ساعدتا على استيعاب المعارف الوافدة وإعادة إنتاجها بدقة، ولهذا أكد أن دراسة تاريخ العلوم دون معرفة العربية تحرم الباحث من جانب مهم من الحقيقة التاريخية.

واصل سارتون رحلته العلمية بإيمان راسخ بأن الحقيقة التاريخية تُبنى على قراءة المصادر في لغاتها الأصلية ومقارنتها وتحليلها. ومن هذا المنطلق قام برحلة طويلة إلى عدد من البلدان العربية والإسلامية بين عامي 1931 و1932، زار خلالها مصر وسوريا ولبنان وفلسطين والمغرب والجزائر وتونس. ومثلت تلك الرحلة محطة مفصلية في مشروعه، لأنها أتاحت له الاطلاع المباشر على المخطوطات والمكتبات القديمة، واللقاء بالباحثين العرب، والتعرف إلى البيئة التي ازدهرت فيها العلوم خلال القرون الوسطى.

في القاهرة أمضى أيامًا طويلة داخل دار الكتب المصرية يتصفح المخطوطات الأصلية التي استند إليها في أبحاثه، وشاهد حجم التراث الذي ما زال ينتظر التحقيق والدراسة. وفي دمشق التقى أعضاء المجمع العلمي العربي، وناقش معهم وسائل إحياء التراث العلمي وإخراجه في طبعات حديثة. وانعكست هذه الرحلة على كتاباته، التي أصبحت أكثر قربًا من الواقع الحضاري الذي نشأت فيه تلك العلوم. وكان يرى أن فهم الحضارة يحتاج إلى قراءة النصوص، وتأمل العمارة والأسواق والموانئ والمدارس والمساجد، لأنها جميعًا تمثل وثائق حية تكمل ما تقوله المخطوطات.

ووقف سارتون في مواجهة الرؤية الأوروبية التي صورت النهضة الحديثة وكأنها امتداد مباشر للتراث اليوناني، ورأى أن هذه الصورة أغفلت قرونًا كاملة كانت الحضارة العربية الإسلامية خلالها مركز النشاط العلمي في العالم. وأكد أن العلماء العرب لم يقتصر دورهم على حفظ التراث اليوناني أو ترجمته، وإنما أعادوا نقده وتنقيحه، وأضافوا إليه نتائج وتجارب جديدة، ثم نقلوه إلى أوروبا في صورة أكثر نضجًا واكتمالًا. وكان يرى أن الترجمة تمثل بداية الطريق، أما القيمة الحقيقية فتظهر في الإبداع والإضافة والابتكار، واستشهد باكتشاف ابن النفيس للدورة الدموية الصغرى، وأبحاث الكندي الرائدة في الفلسفة والبصريات والرياضيات والموسيقى، وإنجازات بني موسى بن شاكر في الميكانيكا والهندسة، مؤكدًا أن هذه الأعمال قدمت إضافات أصيلة أسهمت في تطور المعرفة الإنسانية.