جمهورية تخشى شعبها – د. إبراهيم بن جلال فضلون

على رياح الغضب، لا تبدو العاصمة باريس كمدينة للأنوار والسحر، بل تشبه لوحة قاتمة عنوانها البارز عبارة صرخ بها محتج شاب «بسم الله، إنها الظلمات»، فأفظع أنواع الطغيان ليس ذلك الذي يُسكت الأصوات، بل ذلك الذي يبرمج الأوهام ويبيع للناس خبزاً مغموساً بالخداع، ولم يستجب القدر لباريس، بل استجابت الشرطة بالغاز المسيل للدموع، ففي السابع عشر من أكتوبر خرجت فرنسا إلى الشوارع، والجمهورية الخامسة التي تعلّم العالم دروس الحرية وقفت عاجزة أمام سؤال بسيط: لماذا لا يصدّقها مواطنوها؟، وقبل الخوض في المقال، لنقرأ ما قالته السلطات نفسها: (سجّلت وزارة الداخلية 140 تحركاً احتجاجياً خارج باريس، شارك فيها أكثر من 32 ألف شخص بحلول منتصف النهار، وأعلنت اعتقال 166 شخصاً على الأقل)، وعلى الموقع الذي أنشأه المنظمون ظهر نحو 1500 تحرك احتجاجي، بينها أكثر من 600 مظاهرة، فيما توقعت مصادر الشرطة نحو 200 ألف مشارك، منهم 40 ألفاً في العاصمة. وبين 140 و1500 مسافة تقول كل شيء: ما سجّلته الدولة لا يقارن بما كان الناس يعدّون له.

السياسة الحديثة لم تعد فن إدارة الدول، بل أصبحت هندسة للغضب، حيث تُصنع الثورات في أروقة الخوارزميات وتنفجر في ميادين العاصمة، فلا يخرج جيل بأكمله من مدارسه لأنه يحب الهتاف، بل خرج الطلبة منذ منتصف سبتمبر وأغلقوا مدارسهم مُطالبين بمُعلمين كافين وظروف تعليمية لائقة، في ظروف التضخم الذي تجاوز 3 %، وارتفاع أسعار الوقود التي تُرهق الأسر، بجانب تداعيات الحرب في الشرق الأوسط والتي تضغط على كل فاتورة ومعها حرب أوكرانيا، وفي المقابل تدفع حكومة سيباستيان لوكورنو نحو موازنة تعالج الدين عبر ضرائب أكثر ونفقات أقل، بمعنى أن المواطن يدفع في السوق، ثم يدفع في الموازنة.

لقد وصف ميلتون فريدمان التضخم بأنه «ضريبة بلا تشريع»، وهى ضريبة لا يهرب منها أصحاب الأصول والعقارات، بل يدفعها من يعيش على راتبه، فلا تسألوا لماذا غضبت «لولا»، ابنة التاسعة عشرة، حين قالت إنها تناضل لأن المعيشة صارت باهظة، ولأن تلاميذ المدارس يُضربون ويُصابون لمجرد أنهم طالبوا بمعلمين، وهُم جيل لم يبلغ بعد أن يضع ورقة في صندوق الاقتراع، ويطلب الحد الأدنى من التعليم، فتجيبه الدولة بالهراوة.

بعد ثماني سنوات من 2018 عادت «السترات الصفراء»، ومعها شعار «الصُّفر والشباب»،

هذا التحالف يعيد إلى الأذهان مقولة المفكر العربي عبدالرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد: «فناء دولة الاستبداد لا يصيب المستبدين وحدهم، بل يشمل الدمار الأرض والناس والديار»، فما يحدث في فرنسا اليوم هو تجسيد حي لمقولة الكواكبي، وبينهم نرى «جيروم»، أحد وجوهها، فقد عينه خلال مظاهرات يناير 2019 في باريس، وها هو يقف في الشارع من جديد، ويقول إن المشكلة لن تُحلّ في يوم واحد وإن الصوت يجب أن يعلو لفترة أطول، وهو رجل دفع عينه ثمناً ولم يغادر ولن يُغادر، فأي حكومة تظن أن التعب سيطفئ هذا الغضب، فلتراجع حساباتها. وعلى الخط دخل المشهد النقابات، فالاتحاد العام للعمل يطالب بزيادة الأجور والمعاشات وخفض الأسعار وحماية الخدمات العامة، والنقابات تعدّ لإضراب وطني في الخامس من نوفمبر، وهذه مطالب أصحاب الحق، لا مطالب فوضويين.

أعلنت السلطات الفرنسية حظر التجمع قرب الإليزيه وماتينيون والشانزليزيه، وفتحت ملاحقة قضائية ضد مؤثر على «تويتش» دعا مئات الآلاف من متابعيه إلى الحضور، وأمر رئيس الوزراء بإنشاء خلية أزمة، وحين تحيط السلطة قصرها بالحواجز، فهي تعترف دون أن تنطق بأن حمايتها لم تعد تأتي من رضا الناس، والأخطر ما قاله وزير الداخلية لوران نونييز: «إن القنابل الصوتية قد تعود إذا وقعت أعمال عنف بالغة الخطورة»، هي نفسها التي علّق استخدامها بعدما بترت يد فتى في الخامسة عشرة، فأي منطق يا باريس هذا؟، يد طفل مبتورة لم تكفِ ليبقى القرار قائماً؟.

وفي الجبهة الرقمية، اتهم طلبة محتجون الشرطة بمحاولة اختراق صفوفهم عبر حسابات وهمية، وتداولوا عبارة «بسم الله، إنها الظلمات» تعبيراً عن خوفهم، فلا يحق لنا الجزم بصحة الاتهام، ولا يحق للدولة أن تتجاهله، لكن المطلوب تحقيق قضائي مُستقل علني، فإن ثبت فنحن أمام دولة تتجسس على مراهقين يطلبون مدرسة أفضل، وإن لم يثبت فالثقة المنهارة لا يرممها بيان صحفي، وقد صدق ابن خلدون في مقدمته الخالدة: «الشعوب المقهورة تسوء أخلاقها، لأن القهر يضطر الإنسان إلى الكذب والمكر ليدفع الظلم عن نفسه»، وما يحدث اليوم هو أن الدولة نفسها تلجأ إلى المكر والكذب لاختراق حركة احتجاجية سلمية، وهو ما يعكس إفلاساً أخلاقياً في التعامل مع الحق الدستوري في التظاهر.

لن نجامل أحداً، فإحراق سيارة وكشك صحف في باريس مُدان، واقتحام بلديتي مرسيليا وليل مُدان، وحريق مكتب السياحة في ليون مُدان، وهجوم نحو مئة شخص على مقر «سي نيوز» ورشق واجهتها مُدان -أوقفت الشرطة 21 شخصاً على إثره-، والدفاع عن الحرية لا يكون بإسكات الإعلام ولا بتحطيم المباني.. كلهم يمنحون الحكومة هدية مجانية: (صورة الفوضى التي تُخفي مطالب الملايين). لكن الإدانة التي تتوقف عند الزجاج المكسور وتغضّ الطرف عن الدم المسفوك ليست حياداً، بل تواطؤً. وقد قال الرئيس ماكرون إن مطالب الطلاب «مشروعة»، ثم أضاف أنها «تُستغل لأغراض سياسية»، وتلك حيل قديمة، فقد صادق على المطلب بلسانه، ثم اطعن في صاحبه.. والسياسة ليست تهمة يا سيادة الرئيس، بل هي المكان الذي يُفترض أن يُحسم فيه الخلاف قبل أن يبلغ الشارع.

يدعم جان لوك ميلانشون الحراك الطلابي ويشارك في مظاهراته، وتقف مارين لوبن، المتصدرة للاستطلاعات، في صف الشرطة وتحمّل الطلبة مسؤولية العنف، وهنا الخطر الأكبر: (شارع يُسحب نحو قطبين متناحرين قبل انتخابات أبريل ومايو 2027، وكل يوم تتأخر فيه الحكومة عن الحل يمنح المتشددين وقوداً مجانياً، حين تتحول معاناة الناس إلى ذخيرة حزبية، يخسر المواطن مرتين مرة في جيبه، ومرة في صوته).

الحل لا يأتي من الغاز ولا من اتهام «اليسار المتطرف» بكل شيء، يبدأ من موازنة تحمي القدرة الشرائية للفئات الأضعف قبل أن تحمي الأرقام، ومن إنفاق جاد على التعليم، ومن تحقيق نزيه في عنف الشرطة ضد القاصرين، ومن حوار حقيقي مع الطلبة والنقابات والمزارعين يترجم المطالب إلى التزامات قابلة للقياس، وإلا فسيكون الخامس من نوفمبر أشد، وربيع 2027 أقسى.

نحن العرب لا نقف على ضفة الشماتة، بل نعرف ثمن الدولة التي لا تصغي، ونعرف أن الحظر والقمع لا يكسبان ولاءً، بل يؤجلان الانفجار، والفرنسيون يخرجون اليوم ليقولوا إن لهم أرضاً تستحق حياة كريمة، لا حياة تُقاس بسعر الوقود ومقعد دراسي ناقص، وكأنهم تعلموا ما قاله محمود درويش: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة». وقبل ستة قرون كتب ابن خلدون في مقدمته: «الظلم مؤذن بخراب العمران»، فهل يسمع الإليزيه ما كتبه المؤرخ العربي، أم ينتظر أن يعلّمه الشارع ما لم يتعلمه من الكتب؟.