.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
نقد سياسي لحزب الله ودوره في لبنان بعد الانسحاب الإسرائيلي، مع التركيز على قضايا السلاح، الجنوب، وحقوق الشيعة العرب في النقاش الوطني.
"جماعة إسرائيل"... بهذه العبارة واجه نائب "حزب الله" إيهاب حمادة خصومه في جلسة مساءلة الحكومة اللبنانية في البرلمان أمس. فحين يبلغ النقاش هذه الدرجة، تصبح الشتيمة إعلاناً عن عجز عن تقديم جواب، وعن تحمّل مسؤولية، وعن الاعتراف بأن من حق اللبناني أن يسأل حزباً مسلحاً ماذا فعل ببلده.هذا ما يبرع فيه الحزب وأهل بيته السياسي: نقل النقاش من نتائج خياراتهم إلى وطنية معارضيهم. تسأل عن السلاح، فيفتشون في ضميرك. تسأل عن الناس وبيوتهم، فيحاكمون ولاءك. وفي نهاية هذا الابتزاز، يصبح على المواطن أن يعتذر لأنه يريد البقاء حياً، وأن يقدم شهادة حسن سلوك لأنه لم يعد يصدّق أن كل كارثة محطة على طريق انتصار مؤجل. إنه غايةٌ في الإفلاس!بعد 26 عاماً على الانسحاب الإسرائيلي، ما زال هذا الحزب يتصرف كأن التحرير منحه حقاً دائماً في تقرير مصير الأرض وأهلها، متناسياً أن تضحيات المقاومين لا تتحول صك ملكية، ودماء الشهداء لا تمنح تنظيماً الحق في منع الأحياء من الاعتراض. أي منطق يجعل الوفاء لمن مات مرهوناً بالموافقة على موت آخرين؟تبقى إسرائيل مسؤولة عن اعتداءاتها وجرائمها. هذه حقيقة لا تلغي مسؤولية من جرتها إسناداته إلى احتلال الجنوب بعدما كان محرراً، وإلى تدمير قراه بعدما كانت عماراً. فالمطالبة بمحاسبة الحزب لا تساوي تبرئة العدو، وإدانة العدو لا تستلزم إعفاء الحزب من الحساب والتغاضي عن ارتهانه الإقليمي. يريدون إسقاط المسافة بين الأمرين، لأن من يجمعهما في موقف واحد يهدم أشد حيلهم فاعلية: الطاعة... أو أنت من "جماعة إسرائيل".في هذا المناخ، يكتسب الكلام المتداول عن رفع صور داود داود في مناطق جنوبية دلالة تستحق التوقف. إن ثبت هذا الأمر، لا يجوز إعلان انقلاب الجنوب كله استناداً إلى صورة. ما يمكن قراءته عندئذ هو المعنى السياسي لاستدعاء رجل يرتبط اسمه في الذاكرة الشيعية بتقديم بقاء الجنوب على حسابات طهران. إنها رمزية سؤال قديم عاد يوجع الحاضر: لمن تكون الأولوية؟وداود داود، القيادي في "حركة أمل"، اغتيل في 22 أيلول 1988. واتهام "حزب الله" بقتله ليس اختراعاً حديثاً، فقد وجهه نبيه بري علناً، في 30 تشرين الأول من ذلك العام، بحسب تقارير إخبارية، ولم يكن بعد قد ترأس البرلمان. أما العبارة المنسوبة إلى داود نفسه، "فلتحترق طهران وليبقَ الجنوب"، فتختصر غضباً على ترتيب الأولويات الذي يُطلب فيه من اللبناني أن يدفع ثمن مشروع يتجاوز بلاده. ويمكن قول معناها السياسي اليوم بأوضح عبارة: حياة الجنوبيين ليست احتياطاً استراتيجياً لأي نظام. ومن حقّ الجنوب أن تكون بيوته ومدارسه ومواسمه ومستقبله معيار القرار، وأن تُقاس السياسة بما تحفظه للناس، لا بما تنتزعه منهم. وبالتأكيد، لم يكن داود داود من "جماعة إسرائيل" ليقتلوه!الذاكرة نفسها تحرج "أمل" أيضاً. فلا يكفي تعليق صورة داوود ثم السكوت عن تخوين من يسأل السؤال الذي تمنحونه للرجل فضيلة تاريخية. ولا يكفي الاحتفاظ بصورة الإمام موسى الصدر في صدر القاعة، فيما تُترك أفكاره خارج الاجتماع. فللصدر، هنا، نص واضح: في ورقة العمل التي أذاعها في 11 أيار 1977، وأقرها المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وتجمع الشخصيات الشيعية، تأكيد لنهائية لبنان واستقلاله وانتمائه العربي، ورفض جرّه إلى المحاور السياسية. وفي باب الدفاع والأمن، دعوة إلى تعزيز الجيش، ثم نص صريح: "حلّ جميع الميليشيات والتنظيمات المسلحة وتجميع سلاحها".في سياقها التاريخي، ترسم هذه الوثيقة سؤالاً ثقيلاً أمام ورثة الإمام السياسيين: كيف يصبح الاعتراض على السلاح خروجاً على الجماعة، فيما إصلاح الدولة وجمع السلاح جزء من إرث الإمام نفسه؟ وكيف يُستدعى اسمه لتغطية منطق يعطي الحزب صلاحية أعلى من المؤسسات، ويعامل الوطن كأنه محطة في جغرافيا "إيرانية... ألا يُردّ تغييبه في ليبيا في 1978 إلى رفضه مرجعية قُم ووقوفه صلباً وراء مرجعية جبل عامل؟في قلب هذه المسألة، حقّ الشيعة العرب في أن تُسمع أصواتهم على تعددها، وأن يظهر المستقلون والمعترضون منهم شركاء كاملين في النقاش العام. اختزالهم بحزب إهانة لتاريخهم وحاضرهم، وافتراض تبعيتهم لطهران ظلم يسهل على طهران ادعاء تمثيلهم. لا تمنح رابطة المذهب دولةً ولاية سياسية على مواطني دولة أخرى، ولا تمنح العروبة أحداً رخصة لامتحان هويات الناس. المطلوب حرية الرأي والمواطنة للجميع. واستعادة الجنوب إلى القرار اللبناني تبدأ من هذا الحق: أن يقول اللبناني رأيه في من يقتله ليل نهار من دون أن يرمى بـ "جماعة إسرائيل"، وأن يقول الجنوبي رأيه من دون أن يُتّهم بخيانة أهله وموتاه. على الحزب أن يدرك أن الشتيمة لن تعمر بيتاً، وأن تهمة العمالة لن تحرر أرضاً، وأن الخطأ لن يصبح صواباً لأن صاحبه أحاطه بصور الشهداء. وعليه أن يتوقف عن مطالبة الناس بالموت إثباتاً لوفائهم للمقاومة، فقد آن الأوان ليثبت الحزب نفسه وفاءه لحياتهم.