جرح جديد في كبرياء البشر

هزّ الذكاء الاصطناعي، خلال سنوات قليلة، واحدة من أكثر المسلّمات رسوخاً لدى الإنسان، هي اعتقاده بأنه الكائن الأكثر ذكاءً وإبداعاً على وجه الأرض. فمنذ أن أفاق العالم على «تشات جي بي تي» في 2022، تركزت المخاوف على سوق العمل والفنون والأمن السيبراني، لكن التحدي الأعمق ربما يكمن في مكان آخر، في صورة الإنسان عن ذاته ومكانته.ظهر هذا التحدي بوضوح في الرياضيات، حيث بدأت أنظمة الذكاء الاصطناعي باختراق مسائل شديدة التعقيد، بعضها كان يمثل إنجازاً أكاديمياً ومهنياً لعلماء الرياضيات. وأثار نجاح «أوبن إيه آي» أخيراً في معالجة إحدى مسائل «جائزة الألفية» المتعلقة بنموذج تدفق السوائل والغازات، حالة من الذهول بين أكاديميين، بعدما باتت مسائل احتاجت إلى سنوات من العمل البشري عرضة للحل بواسطة الآلة.ولا تتوقف المسألة عند حدود الرياضيات. فاللغة والعقل والإبداع، وهي السمات التي لطالما اعتبرها الإنسان دليلاً على تفرده، أصبحت جميعها ساحات تتقدم فيها الآلات بسرعة. وحتى إذا كانت النماذج الحالية لا تنتج بعد أعمالاً تضاهي، بصورة مستقلة، روايات عظيمة أو لوحات خالدة، فإن قدرتها المتنامية على الكتابة والتحليل والابتكار تضيق المساحة التي كان الإنسان يضع فيها نفسه فوق الآلة.يعيد ذلك إلى الأذهان الصدمة الفكرية التي أحدثتها الثورة الكوبرنيكية في القرن السادس عشر، عندما اكتشف الفلكي البولندي كوبرنيكوس أن كوكب الأرض ليس مركز الكون، بل يدور حول الشمس. ورأى فرويد لاحقاً أن هذه الحقيقة شكلت جرحاً عميقاً لحب الإنسان الساذج لذاته. واليوم، قد يكون الذكاء الاصطناعي بصدد إحداث جرح مماثل، لا في موقع الأرض داخل الكون، بل في تصور الإنسان مكانته داخله.وتبدو هذه الهزة أكثر وضوحاً في وادي السيليكون، حيث يسعى بعض الأثرياء إلى إطالة الحياة أو الارتقاء بالإنسان عبر دمج العقل والجسد بالآلات. وقد تعكس هذه الطموحات، بقدر ما تعكس الثقة، إدراكاً متزايداً بأن الآلة بدأت تنافس الإنسان في أكثر المجالات التي استمد منها إحساسه بالتفوق.وربما لهذا السبب يناقش البشر اليوم فكرة محددة، إذا لم نعد الأذكى والأكثر إبداعاً، فما الذي يجعلنا مميزين قبل أن تأخذ الآلات وظائفنا؟