جرائم الحوثيين في تعز: حصار يشنق الحياة وكارثة إنسانية تهدد ملايين المدنيين

تتفاقم المأساة الإنسانية والانتهاكات الحقوقية في محافظة تعز اليمنية بشكل غير مسبوق، جراء استمرار الميليشيات الحوثية في فرض حصارها الجائر وإغلاق المنافذ الرئيسية، مما أدى إلى خنق المدينة وتحويل حياة ملايين السكان إلى معاناة يومية لا تطاق.

ومن قلب المعاناة الممتدة، جاءت الاستغاثات الرسمية والنداءات العاجلة الصادرة عن السلطات المحلية والمؤسسات الحقوقية لتسلط الضوء على جرائم الميليشيات الحوثية المتمثلة في منع شاحنات نقل البضائع والمشتقات النفطية والأدوية، واستهداف الأعيان المدنية بالقصف والقنص وزراعة الألغام.

وتواجه المحافظة التي تقطنها الملايين شللًا تامًا في مرافقها الحيوية ومستشفياتها، وسط تحذيرات أممية ودولية متصاعدة من وقوع كارثة إنسانية وشيكة تعصف بحياة الأبرياء وتدمر ما تبقى من مقومات العيش الكريم.

أطلق محافظ تعز نبيل شمسان نداءً إنسانيًا عاجلًا ومباشرًا أمام وسائل الإعلام، مطالباتُ المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات الحقوقية بالتحرك الفوري لإسناد المحافظة وكسر الحصار الحوثي المضروب عليها.

وأكد المحافظ في تصريحاته أن تعز تخوض ملحمة وطنية دفاعًا عن الحرية والكرامة ومؤسسات الدولة، في مواجهة الاستهداف المستمر من قبل الميليشيات الحوثية التي تسعى للانتقام من أبناء المحافظة عبر التجويع والحصار.

وأوضح شمسان أن أكثر من ستة ملايين مواطن باتوا يدفعون ثمنًا باهظًا من دمائهم وأمنهم وقوت يومهم جراء القصف والمواجهات وشح الغذاء والدواء والوقود، مشددًا على أن تعز لا تطلب الشفقة ولا تنتظر بيانات القلق الإقليمية والدولية، بل تطالب بمواقف عملية وشجاعة تفتح ممرات إنسانية آمنة وتوقف العدوان الممنهج.

تسببت القيود المشددة التي تفرضها الميليشيات الحوثية على دخول المشتقات النفطية والأدوية في وضع قطاع الصحة في تعز على شفا التوقف الكامل. وأصدرت وزارة الصحة العامة والسكان اليمنية تحذيرات شديدة اللهجة من قرب نفاد الأدوية والمحاليل الطبية والوقود في كافة المستشفيات والمراكز والمرافق الصحية بالمدينة. وتؤكد البيانات الرسمية أن نقص الوقود يهدد بشكل مباشر بتوقف المولدات الكهربائية التي تشغل أقسام الطوارئ والعناية المركزة وحضانات الأطفال وغسيل الكلى، فضلًا عن تعطل سيارات الإسعاف وسلاسل تبريد اللقاحات والأدوية المنقذة للحياة، مما يعرض حياة آلاف المرضى والجرحى والنساء الحوامل والمواليد الجدد لخطر الموت المباشر في أي لحظة.

وثق بيان مشترك صادر عن 15 منظمة حقوقية يمنية ودولية في أكتوبر 2026 حجم المأساة بالأرقام الميدانية الدقيقة، محذرًا من التدهور المريع للشروط المعيشية إثر تصاعد العمليات العسكرية الميدانية وإغلاق المنافذ الحيوية منذ سبتمبر.

وأوضحت التقارير الحقوقية أن عدد السكان الأصليين في المديريات المحاصرة يبلغ نحو 4.35 مليون نسمة، يضاف إليهم أعداد غفيرة من النازحين الداخليين.

وبحسب تقديرات الاستجابة الإنسانية، تحتاج تعز شهريًا إلى 12.35 مليون لتر من البنزين و9.72 مليون لتر من الديزل لتشغيل وسائط النقل والمؤسسات الخدمية، إضافة إلى 20 ألف لتر من الديزل شهريًا فقط لضخ المياه من الآبار وتوزيعها على السكان.

أدى إغلاق الطرق والتضييق الحوثي على الشاحنات التجارية والإغاثية إلى استنزاف المخزون الغذائي وارتفاع جنوني في أسعار المواد الأساسية، مما أضعف القدرة الشرائية للأسر اليمنية.

وقدرت المنظمات الإنسانية أن تأمين مخزون غذائي أساسي لنحو ثلاثة ملايين شخص لمدة ستة أشهر يتطلب توفير 189 ألف طن من القمح والدقيق، و36 ألف طن من الأرز، و32.4 ألف طن من السكر، و16.5 ألف طن من الزيوت، و61.5 ألف طن من الحليب.

وفي ظل النقص الحاد في الغاز المنزلي والوقود، تحذر التقارير الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) من توسع دائرة المجاعة والأمراض في المناطق المكتظة بالسكان والنازحين الذين باتوا عاجزين عن تدبر أدنى مقومات الحياة.

تعتبر الأفعال التي ترتكبها ميليشيات الحوثي في تعز انتهاكًا صارخًا وجسيمًا لكافة المواثيق الدولية وقواعد القانون الدولي الإنساني. واستندت المنظمات الحقوقية والأممية في بياناتها الموثقة إلى المادة 14 من البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقيات جنيف، والتي تحظر بشكل قاطع تجويع المدنيين كطريقة من طرق القتال، وتمنع تدمير أو تعطيل أو إزالة الأعيان والمواد الضرورية لبقائهم على قيد الحياة، بما فيها المواد الغذائية والمناطق الزراعية ومرافق مياه الشرب وشبكاتها.

وتطالب الهيئات الحقوقية بفتح التحقيقات الدولية في جرائم القصف العشوائي والقنص وزراعة الألغام الفردية المحرمة دوليًا التي حصدت أرواح الآلاف من الأطفال والنساء في المحافظة.

رغم قسوة الحصار والعدوان المستمر، يواصل أبناء محافظة تعز ضرب أروع الأمثلة في الصمود والتمسك بالحق في الحياة والكرامة والحرية. وتشهد المدينة مسيرات سلمية وحراكًا مجتمعيًا واسعًا بمشاركة المكونات الشبابية والنسائية والسياسية لتأكيد وحدة الصف وإيصال صوت الضحايا إلى العالم.

وجددت السلطة المحلية في المحافظة التزامها الكامل بحماية المواطنين وتعزيز التماسك المجتمعي، مع المضي قدمًا في اتخاذ كافة الإجراءات الكفيلة بكسر الحصار المفروض، ودعوة كافة المحافظات اليمنية والغرف التجارية والمنظمات الأهلية لتسيير قوافل إغاثية عاجلة تجسيدًا للتكافل الوطني وإفشالًا لمخططات الميليشيات الإرهابية.

لا يتوقف إرهاب الميليشيات الحوثية عند حدود الحصار والتجويع، بل يمتد إلى ممارسة الجرائم المباشرة اليومية بحق الساكنين في الأحياء القريبة من خطوط التماس.

وتوثق تقارير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان حوادث متكررة لعمليات القنص المباشر التي تستهدف الأطفال والنساء أثناء جلب المياه أو الذهاب إلى المدارس، بالإضافة إلى زراعة الألغام والعبوات الناسفة في المزارع والطرقات الفرعية.

وتسببت هذه الممارسات الإجرامية في سقوط آلاف الضحايا بين قتيل ومعاق بشكل دائم، مما يضاعف العبء الطبي والنفسي على المجتمع المحلي المحاصر ويؤكد سلوك الميليشيات القائم على ترهيب المدنيين.

ينتهي مطاف التحليلات والتقارير الميدانية عند حقيقة واحدة مفادها أن الاستقرار وإنقاذ الأرواح في تعز يتطلبان موقفًا دوليًا حازمًا يجبر الميليشيات الحوثية على رفع الحصار بشكل فورى وغير مشروط.

ويشمل ذلك فتح كافة الطرق الرئيسية والمنافذ أمام حركة المواطنين والمركبات الشاحنة بالمواد الغذائية والطبية، وتأمين وصول المساعدات الإغاثية دون عوائق أو إتاوات.

وإن العجز الدولي عن إنهاء هذه المأساة الإنسانية يبعث برسائل خاطئة للمنتهكين، ما يستدعي فرض عقوبات رادعة وملاحقة مرتكبي هذه الانتهاكات أمام المحاكم الدولية لضمان العدالة للضحايا ومنع تكرار هذه الجرائم الإنسانية البشعة.