أثارت تصريحات المدير التنفيذي لتطوير برنامج المعلمين في المعهد الوطني للتطوير التعليمي الدكتور سعد القرني، جدلاً بين مختصين في السياسات التعليمية حول برامج المعهد وآليات التطوير المهني، خصوصاً ما يتعلق بتعدد الشراكات الدولية ومرجعياتها الفلسفية. وقال عدد من المختصين لـ «عكاظ»: إن تعدد المرجعيات قد يؤدي إلى تباين في الأدوات التشغيلية والإدارية وتشتيت الفلسفة التعليمية المحلية، فيما أكّد آخرون أن تنوع الشراكات يُمثّل ممارسة مؤسسية حديثة متى ما خضع لحوكمة واضحة ورؤية وطنية موحّدة. «العولمة الإجرائية» على حساب «الأصالة»من منظور أكاديمي متخصص في السياسات التعليمية والإدارة الإستراتيجية، قال أستاذ اقتصاديات التعليم الدكتور بدر سالم البدراني، إن قراءة واقع المعهد الوطني للتطوير المهني والتعليمي اليوم يمكن أن تتم من خلال زاويتين رئيسيتين: التشخيص الحالي، والتطلعات المستقبلية.وأوضح أن المعهد يمتلك طموحًا عاليًا وموارد كبيرة، لكنه يقع حاليًا في فخ «العولمة الإجرائية» على حساب «الأصالة السياقية»، مبينًا أن المشكلة الأساسية لا تكمن في كفاءة البرامج المطبقة، بل في غياب «الخيط الناظم» أو الفلسفة التربوية الموحدة التي تربط بين مدخلات التطوير ومخرجاته.وأضاف أن تعدد المرجعيات الفلسفية للتدريب بين المدارس التعليمية الشرقية والغربية يولّد نوعًا من «الاغتراب المهني» لدى الممارس التربوي؛ إذ يجد المعلم أو القائد المدرسي نفسه أمام قوالب وأدوات مستوردة من بيئات ومجتمعات تختلف جذريًا في بنيتها الديموغرافية، وثقافتها الاجتماعية، ونظام المساءلة، عن ديناميكية الميدان التعليمي السعودي.وأشار إلى أن هذا التباين يخلق فجوة تطبيقية، ويجعل التطوير عبئًا تشغيليًا وإداريًا، بدلًا من أن يكون حافزًا نوعيًا لتحسين الأداء.وأعرب البدراني، عن أمله في أن ينتقل المعهد من مرحلة «إدارة البرامج والشراكات» إلى مرحلة «قيادة الفكر التربوي وصناعة الأثر»، من خلال التركيز على أربع أولويات رئيسية. 250 ألف مستفيدالمدير التنفيذي لتطوير برنامج المعلمين في المعهد الوطني للتطوير المهني والتعليمي الدكتور سعد القرني، أشار في تصريحات لقناة «الإخبارية»، إلى أن المعهد يمثّل ركيزة أساسية للتطوير المهني في قطاع التعليم، عبر رفع كفاءة الكوادر البشرية وبناء منظومة متكاملة للتعلم والتطوير المهني. وأوضح أن المعهد أطلق مبادرات نوعية لتطوير المعلمين والقيادات المدرسية، من خلال شراكات محلية ودولية، إلى جانب تصميم مسارات تطوير مهني تمتد من قبل الالتحاق بالمهنة حتى مرحلة التقاعد.وأشار القرني، إلى إطلاق مبادرة وطنية بالشراكة مع برنامج سند للموارد البشرية تستهدف تطوير أكثر من 250 ألف معلم وقائد مدرسي، ونُفذت عبر شراكات مع المعهد الوطني للتعليم في سنغافورة، واتحاد الجامعات الفنلندية، وجامعة UCL البريطانية لتقديم نموذج تشغيلي حديث للتطوير المهني. ولفت إلى أن من أبرز البرامج المنفذة اكتشاف القيادات وتقييم أداء القيادات المدرسية، إضافة إلى برامج الإرشاد المهني التي استفاد منها نحو 51 ألف معلم ومعلمة، مؤكّدًا توسع خطط التطوير خلال الصيف والعام الدراسي القادم. لكل تجربة فلسفتهاتساءل بروفيسور المناهج الدكتور محمد حسن سفران، عبر حسابه في منصة (X)، عن طبيعة مسارات تطوير المعلمين في المعهد، مؤكّدًا أن تعدد الشراكات لا يمثل تنوعًا صحيًا إذا لم يرتبط بإطار مهني وطني موحد. وأوضح أن المعهد يجمع بين مرجعيات مختلفة؛ إذ يتم إعداد المعلم قبل الخدمة بالشراكة مع المعهد الوطني للتعليم في سنغافورة، وتطوير المعلمين أثناء الخدمة بالشراكة مع تحالف الجامعات الفنلندية، فيما تُطوّر القيادات المدرسية بالشراكة مع جامعة (UCL) البريطانية، متسائلًا عن مدى انسجام هذه المسارات ضمن فلسفة وطنية واحدة.وأكّد أن الإشكالية ليست في الجهات الدولية، وإنما في جمع تجارب تعليمية مختلفة دون مواءمة كافية مع السياق السعودي، مبينًا أن لكل تجربة فلسفتها ونظامها التعليمي وطريقة إعدادها للمعلم.الدكتور محمد سفران، يرى أن نجاح الشراكات يتطلب وضوح الأدوار وحوكمة المسارات، متسائلًا عن حدود دور الجهات التنفيذية، وآليات اتخاذ القرار بين المعهد والشركاء واللجان، ودور مجلس الأمناء في متابعة اتساق البرامج وقياس أثرها.وشدّد على أهمية عدم تحميل المعلم تبعات تعدد الاتجاهات التدريبية، مؤكّدًا أن المعلم ليس حقل اختبار لتجارب متفرقة، وأن أي تطوير مهني لا ينطلق من واقعه وحاجاته قد يتحول إلى عبء إضافي عليه.وختم ابن سفران بأن التعليم لا يتطور بكثرة البرامج أو أسماء الجامعات العالمية، وإنما حين تكون الشراكات داعمة لاتجاه وطني واضح، معتبرًا أن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل هذه الشراكات إلى أثر ملموس داخل الميدان التعليمي. اضطراب الفلسفة عضو هيئة التدريس بجامعة الباحة الدكتور مطير سعيد الزهراني، رأى أن المؤسسات تتطوّر بقدر ما تتطوّر قدرتها على التعلم واستيعاب الخبرات النوعية، مبيّنًا أن المعرفة في عالم اليوم لم تعد متمركزة في دولة أو جامعة أو مؤسسة بعينها، وإنما أصبحت موزعة بين مراكز تميّز عالمية، يمتلك كل منها خبرات متخصصة في مجالات مختلفة. وأضاف أن المؤسسات الرائدة اتجهت إلى بناء شبكات من الشراكات الدولية، بهدف توسيع مصادر المعرفة، وتعزيز جودة السياسات، وتسريع عمليات التطوير. وأوضح الزهراني، أنه في ضوء هذا التحول، يذهب بعض المهتمين إلى أن تنوع الشراكات الدولية، واختلاف مشاربها بين دول ومؤسسات متعددة، قد يعكس اضطرابًا في الرؤية المؤسسية أو تشتتًا في الفلسفة التعليمية، إلا أن هذا الاستنتاج يغفل التمييز بين تنوع مصادر الخبرة ووحدة المرجعية الوطنية. وأكّد الزهراني، أن الشراكات تمد المؤسسة بالمعرفة والخبرة، أما الرؤية والسياسات والأولويات فتُصاغ داخل المؤسسة وفق أهدافها الوطنية وحاجاتها التنموية، وهو ما يجعل الخبرات العالمية روافد تدعم المشروع الوطني، ولا تشكل مرجعية بديلة عنه. وأشار إلى أن سياسة المعهد الوطني للتطوير المهني والتعليمي في تنويع شراكاته العالمية تتسق مع الاتجاهات الحديثة في تطوير المؤسسات التعليمية، موضحًا أن التميز في إعداد المعلمين، والقيادة التعليمية، والتطوير المهني، والقياس والتقويم، لم يعد مجتمعًا في مؤسسة واحدة، بل أصبح موزعًا بين بيوت خبرة عالمية. وبيّن أن الاستفادة من هذا التنوع تمثل ممارسة مؤسسية ناضجة متى ما انتظمت داخل رؤية إستراتيجية واضحة وحوكمة فاعلة، مؤكّدًا أن معيار الحكم على هذه الشراكات لا يرتبط بتعددها أو باختلاف دولها، وإنما بقدرة المعهد على تحويلها إلى أثر مؤسسي ينعكس على كفاءة المعلم، وتمكين القيادة المدرسية، وتطوير الممارسات التعليمية، وتحسين نواتج التعلم. واختتم الزهراني، أن هذه الغاية هي المعيار الحقيقي الذي تُقاس به جودة سياسات التطوير المهني في التجارب التعليمية الرائدة. 4 أولويات مهمةالدكتور بدر البدراني، أضاف أن الأولوية الأولى تتمثّل في توطين الفلسفة التربوية، عبر بناء نموذج سعودي خالص للتطوير المهني ينطلق من الحاجات الفعلية للميدان، لتكون الشراكات الأجنبية مجرد روافد تُطوَّع لخدمة هذا النموذج، لا قوالب جاهزة يُطالب الميدان بالتكيّف معها.والأولوية الثانية تتمثّل في حوكمة المسارات التشغيلية، من خلال وضع حدود واضحة وفصل حاسم بين التخطيط الإستراتيجي والتربوي، وهو الدور الأصيل للمعهد، وبين التشغيل اللوجستي الذي تتولاه الشركات التنفيذية، بما يضمن ألا تطغى العقلية التشغيلية أو الربحية على جودة العمق المعرفي والمهني.وأشار إلى أن الأولوية الثالثة تتمثّل في قياس الأثر، عبر الانتقال من مؤشرات الأداء الكمية، مثل عدد الدورات التدريبية، وأعداد المتدربين، وأسماء الجامعات الشريكة، إلى قياس الأثر النوعي المستدام داخل الصف الدراسي، ومدى انعكاس التدريب على رحلة نمو الطالب والمعلم.وبيّن أن الأولوية الرابعة تتمثّل في حماية المعلم من التشتت، وذلك بجعله شريكًا في تصميم خطته التطويرية، استنادًا إلى تقييم حقيقي لنقاط قوته وحاجاته، بدلًا من إغراقه في مسارات تدريبية متباعدة تستهلك وقته وجهده، وتشتت تركيزه عن دوره الأساسي. أداء المعلم داخل الصفالمستشارة التربوية الدكتورة نجوى المطيري تقول: إن الأثر الحقيقي لأي برامج تطويرية لا يُقاس بعدد المتدربين، وإنما بما ينعكس على أداء المعلم داخل الصف، وعلى نواتج تعلم الطلاب.وأضافت أنه بعد مرور خمس سنوات، نأمل أن نرى معلمين أكثر قدرة على تنمية التفكير الناقد والإبداع، وتعزيز القيم، وبناء بيئات تعليمية محفزة وآمنة.وتابعت المطيري: نتطلع إلى أن يسهم المعهد في إعداد قادة مدارس ووكلاء يمتلكون مهارات القيادة التربوية، وإدارة التغيير، وتحليل البيانات التعليمية، واتخاذ القرار المبني على الأدلة، مع مراعاة خصوصية البيئة التعليمية السعودية عند الاستفادة من التجارب العالمية، بحيث تُكيّف بما يتوافق مع هويتنا الوطنية وحاجات مدارسنا.وأوضحت أن الاستثمار في المعلم استثمار في الأسرة والمجتمع، مؤكدة أن كل تطوير حقيقي في كفاءة المعلم سينعكس إيجابًا على شخصية الطالب، وتحصيله، وسلوكه، وقدرته على بناء مستقبل وطنه.دعم النمو المهني للمعلمينالباحث التربوي مخلد الروقي قال: إن المعهد الوطني للتطوير المهني والتعليمي يعدّ ركيزة مهمة في دعم النمو المهني للمعلمين، وانطلاقًا من الحرص على تعزيز أثر برامجه، فإنه يقدّم عددًا من الملاحظات والمقترحات التي يأمل أن تسهم في تطوير أداء المعهد.وأوضح الروقي، أن المعلم يحتاج إلى مزيد من البرامج التطبيقية التي تتضمن تدريبًا عمليًا ومشاهدات صفية، بدلًا من التركيز على الجانب النظري فقط، منتقدًا عمومية بعض البرامج التدريبية وعدم مواءمتها دائمًا لحاجات كل تخصص أو مرحلة دراسية.وأشار إلى وجود تفاوت في جودة المدربين بين برنامج وآخر، إلى جانب قلة المتابعة بعد انتهاء التدريب للتأكد من انتقال أثره إلى الممارسة داخل الصف، إضافة إلى ضغط الوقت الناتج عن تزامن بعض البرامج مع الأعباء الدراسية والإدارية للمعلم.وأكّد الروقي، أن نجاح برامج التطوير المهني يرتبط بقدرتها على إحداث تغيير ملموس في الميدان التعليمي، وليس بمجرد تنفيذ البرامج أو زيادة أعداد المستفيدين، مشددًا على أهمية بناء مسارات تطوير تستند إلى حاجات المعلمين الفعلية، وتربط التدريب بالممارسة الصفية ونتائج تعلم الطلاب.