جدل أمني ودستوري بعد جرائم صادمة… هل تحظر مصر النقاب في الأماكن العامة؟

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

أعادت حادثة اختطاف طفلة حديثة الولادة من مستشفى الحسين في القاهرة، نفّذتها سيدة ارتدت نقاباً، إشعال الجدل في مصر حيال النقاب، وسط تصاعد دعوات إلى تقييد استخدامه في الأماكن العامة، في مقابل تحذيرات من المساس بالحريات الشخصية.ورغم نجاح الأجهزة الأمنية في تحديد هوية المتهمة، فإن العملية استلزمت جهداً مضاعفاً شمل فحص أكثر من 100 كاميرا مراقبة، ما سلّط الضوء على تحديات مرتبطة بإخفاء الهوية في مثل هذه الحالات.في هذا السياق، تصاعدت مطالبات بحظر دخول المنقبات إلى الأماكن العامة، إلى حد طرح تساؤلات غير معهودة، من بينها: لماذا يُسمح بدخول امرأة منقبة ولا يُسمح بدخول رجل ملثم؟في المقابل، واجهت هذه الدعوات انتقادات حادة، إذ اعتبرها معارضون مخالفة للدستور وانتهاكاً للحريات الشخصية، فيما هاجمها التيار السلفي مستنداً إلى البعد الديني للنقاب، رغم تأكيد مؤسسات دينية، وفي مقدمها الأزهر، أن النقاب ليس فرضاً شرعياً ولا سنة مستحبة.

 

البعد الديني… اجتهاد فقهي وسياق متغيريقول أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة ماربورغ الألمانية الدكتور عاصم حفني، لـ"النهار"، إن الجدل بشأن النقاب "فقهي بالأساس"، أي مرتبط بتفسيرات بشرية للنصوص الدينية، لكنه لا ينفصل عن توظيف سياسي في بعض الأحيان، إذ يُستخدم لتعزيز نفوذ تيارات دينية داخل المجتمع.ويشير إلى أن رأي جمهور الفقهاء لا يعتبر النقاب فريضة، إذ يجيز كشف الوجه والكفين. ويضيف أن مفهوم "الفتنة" الذي يُستخدم لتبرير النقاب "يتغير بحسب الزمان والمكان"، لافتاً إلى أن طبيعة التفاعل الاجتماعي اليوم تختلف عن مجتمعات سابقة، ما يضعف هذا الطرح.ويوضح حفني أن "الأزهر تبنّى مقاربة واقعية باعتباره أن النقاب عادة لا عبادة، واتخذ إجراءات تنظيمية داخل مؤسساته التعليمية، منها منعه في الكليات والسكن الجامعي وأثناء الامتحانات".

القانون والدستور… بين الحرية ومتطلبات الأمنمن جهته، يؤكد المحامي الحقوقي والخبير في تشريعات المجتمع المدني إيهاب سلام، في حديثه مع "النهار"، أن "الواقع العملي يُظهر استخدام النقاب أحياناً لإخفاء الهوية في جرائم"، لكنه يشدد على أن المسألة "لا تُحل عبر المنع المطلق".ويوضح أن الدستور يضمن حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، إلا أن التطبيق "يفرض توازناً مع متطلبات الأمن". ويشير إلى أن من حق الجهات المختصة التحقق من الهوية، بما في ذلك طلب كشف الوجه، مع توفير عناصر أمن نسائية حيث أمكن.ويضيف سلام أن "بعض المهن لا تتلاءم بطبيعتها مع ارتداء النقاب، مثل القضاء والتمريض، إذ يرتبط أداء الوظيفة بثقة الطرف الآخر ومعرفته بهوية من يتعامل معه، ما يفرض قيوداً مهنية مشروعة".

الجدل بشأن النقاب في مصر يتخذ منحى أوسع من حادثة فردية، مع احتكاك مباشر بين ضرورات الأمن وحدود الحرية الشخصية، في ملف مرشح للبقاء في صلب النقاش العام خلال المرحلة المقبلة.