.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
يحمل شاب سوري في العقد الثالث من عمره غالوناً أزرق، يُمسكه بإحكام ويسأل عن موقع برّادات مستشفى رفيق الحريري الحكومي. يمشي بخطوات ثابتة، وكأنه يحمل أكثر من مجرّد وعاء بلاستيكي. وعند سؤاله، يجيب بصوت خافت "فيه دم من أقاربي في سوريا… لنطابقه مع جثتين موجودتين في البراد".
يواصل حديثه وهو يبحث عن المكان، قبل أن يصل ويسلّم "الأمانة"، كما يسمّيها. يروي أنه قطع مسافة طويلة من أجل هذه اللحظة. فبعد استهداف النبطية، حيث كان أقاربه يعملون، تعذّر التعرّف إلى الجثتين، ما دفعه إلى التوجّه نحو سوريا لأخذ عينات من العائلة، والعودة بها إلى لبنان لإجراء فحوص الحمض النووي.
في الخارج، وبينما ننتظر، تصل سيارة إسعاف تابعة للهيئة الصحية الإسلامية لنقل جثتين. الأولى تعود إلى زهراء، في العقد الرابع من عمرها، والثانية إلى ابنتها حنان (23 عاماً)، التي كانت تستعد للزفاف بعد أسابيع قليلة، قبل أن تسقط ضحية، مع والدتها وأقاربها، في الغارات الإسرائيلية التي استهدفت حي السلم نهار الأربعاء الأسود في 8 نيسان الجاري.
يقول أحد أقارب الضحايا، الموجودين أمام برّادات المستشفى "توفيت زوجة شقيقي وابنتها، وزوجة عمي وابنتها وأولادها الثلاثة. كنّ جميعاً في الطابق الأول من المبنى في حيّ السلم، الذي انهار بالكامل على رؤوس قاطنيه".
ويروي تفاصيل اللحظة القاسية "سقط الصاروخ… وطارت الأم وابنتها معاً. أمس فقط، تمكّنت فرق الدفاع المدني من انتشال جثتيهما. وُجدت الأم عند الرابعة بعد الظهر، والابنة عند السادسة مساءً. ولا تزال عمليات رفع الأنقاض مستمرة لانتشال بقية الضحايا".
سيارة الإسعاف تنقل جثمانين من براد مستشفى رفيق الحريري الحكومي.
وخلال وجودنا في المستشفى لمتابعة عمليات سحب العينات لإجراء فحوص الحمض النووي، مُنعنا من إجراء أي مقابلات أو تصوير، التزاماً بقرار إداري يحظر التغطية الإعلامية من الداخل. رفضت إدارة المستشفى تزويدنا بأي أرقام أو تفاصيل خاصة بعملية سحب العينات وأحالتنا إلى وزارة الصحة لمتابعة الملف.
في المقابل، تتعامل وزارة الصحة مع هذا الملف بتكتم شديد وعدم الإفصاح عن أرقام الجثث المجهولة الهوية. فالقضية معقّدة، تتداخل فيها صلاحيات عدة جهات، من بينها وزارة الداخلية والأدلة الجنائية، في إطار عملية جمع العينات من أهالي المفقودين ومطابقتها مع الجثث المجهولة الهوية.
بلغ عدد المسجّلين على لوائح المفقودين في بيروت حتى هذه الساعة 36 شخصاً، توزّعوا على الشكل الآتي، وفقاً لغرفة إدارة الكوارث والأزمات في محافظة بيروت: 9 أشخاص لا يزالون في عداد المفقودين، و17 شخصاً أكّدت وفاتهم المستشفيات أو ذووهم، من بينهم طفلان دون سنّ الثامنة عشرة، فيما تبيّن أن 10 أشخاص على قيد الحياة، وقد تم التواصل معهم وربطهم بعائلاتهم، من بينهم طفل.
بدأت، أول من أمس، عملية سحب عينات من الجثث المجهولة الهوية والأشلاء الموجودة في برّادات مستشفى رفيق الحريري الحكومي، تمهيداً لإجراء فحوص الحمض النووي (DNA) بهدف تحديد هويات الضحايا.
وفي اليوم نفسه، واصلت فرق الدفاع المدني عمليات رفع الأنقاض والبحث عن المفقودين تحت الركام، منذ ما بات يُعرف بـ"الأربعاء الأسود". لكنّ المشهد كان أكثر قسوة، مع انتشال أعداد كبيرة من الضحايا والجثث من تحت الأنقاض، فيما يعيش أهالي المفقودين حالة ترقّب قاسية، وهم يبحثون عن أحبائهم، حتى لو كانوا مجرّد أشلاء.
في محاولة لقراءة الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة العامة اللبنانية ومقارنتها بما يرصده العاملون في الميدان، يتبيّن أن حصيلة الجثث التي انتُشلت أمس كانت مرتفعة بشكل لافت.
وهو ما يؤكده رئيس الدفاع المدني، العميد عماد خريش، بقوله "انتشلنا أول من أمس عدداً كبيراً من الجثث، بعضها كان مشوّهاً نتيجة المواد المتفجرة في الغارات الإسرائيلية، وبعضها الآخر كان أشلاءً متفرّقة، فيما وُجدت جثث كاملة أيضاً".
في المقابل، أصدرت وزارة الصحة تحديثاً جديداً لعدد الضحايا، أظهر ارتفاع عدد الشهداء من 203 إلى 357، أي بزيادة 154 ضحية خلال يوم واحد، نُقلوا إلى برّادات المستشفيات بانتظار التعرّف إلى هويّاتهم.
هذا العداد المتصاعد يكشف واقعاً أكثر قسوة: لا تزال جثث عالقة تحت الركام. والأصعب، كما ورد في بيان الوزارة، أنّ الحصيلة "غير نهائية"، نظراً لاستمرار أعمال رفع الأنقاض ووجود كميات كبيرة من الأشلاء، ما يتطلّب وقتاً لإجراء فحوص الحمض النووي وتأكيد هويات الضحايا قبل إعلان الحصيلة النهائية.
في انتظار نقل جثامين من براد مستشفى رفيق الحريري الحكومي.
عند مدخل مستشفى رفيق الحريري الحكومي، يواصل أهالي مفقودين رحلة البحث المضنية، متنقّلين بين برّادات الموتى على أمل التعرّف إلى أحبّائهم.
يستقبل المستشفى العدد الأكبر من الضحايا الذين خلّفتهم الغارات الإسرائيلية يوم الأربعاء، ما اضطرّ إدارته إلى توسيع برّادات الموتى لاستيعاب الجثث التي لا تزال تُنتشل تباعاً من تحت الركام.
ويقول مدير المستشفى الدكتور محمد الزعتري، في حديثه لـ"النهار": "بدأنا منذ أول من أمس سحب العينات من الجثث، ونحتاج إلى ما بين 24 و48 ساعة لإنهاء أخذ العينات من جميع الجثث والأشلاء الموجودة في المستشفى".
وبفعل عنف الغارات، واجهت الفرق الطبية حالات بالغة القسوة، معظمها إصابات خطرة في الرأس ونزف حاد. ويشير الزعتري إلى أن "هناك جثثاً كاملة، وأخرى مشوّهة، وبعضها لم يكن سوى أشلاء".
تمكّنت بعض العائلات من التعرّف إلى ضحاياها من دون الحاجة إلى فحوص الحمض النووي، فيما لا تزال الجثث المشوّهة والأشلاء بانتظار صدور النتائج، تمهيداً لمطابقتها مع عينات عائلات المفقودين وتسليمها إلى ذويها.
مستشفى في بيروت يستقبل ضحايا المجازر الإسرائيلية الأربعاء (أ ف ب).
وفي هذا الإطار، يُفترض أن يتوجّه أهالي المفقودين إلى مراكز الأدلة الجنائية لأخذ عيّنات منهم. وكانت وزارة الصحة العامة اللبنانية ومديرية التوجيه في قوى الأمن الداخلي قد أصدرتا بيانين دعتا فيهما ذوي المفقودين إلى الحضور لإعطاء عيّنات من الحمض النووي، يومياً من الساعة الثامنة صباحاً حتى الثالثة بعد الظهر.
وطُلب من الأهالي التوجّه إلى مكاتب الحوادث التابعة لوحدة الشرطة القضائية في مختلف المحافظات، لإجراء الفحوص اللازمة، مع ضرورة اصطحاب أحد المستندات الثبوتية (جواز سفر، إخراج قيد عائلي أو بطاقة هوية). ويُفضّل حضور شخصين من الأصول أو الفروع (الأب، الأم، الأولاد)، وإن تعذّر ذلك، يمكن أن يكونا من الإخوة أو الأخوات، لضمان دقّة النتائج وتسريع عملية التعرّف إلى الضحايا.
ودعت وزارة الصحة الأهالي للتوجّه إلى مكتب المراجعات التابع لطوارئ الصحة والذي استحدثته الوزارة في مستشفى الحريري بئر حسن قرب مخازن المستشفى، يومياً بين العاشرة صباحاً والخامسة عصراً، ابتداءً من السبت، لتقديم كل المراجعات في هذا الخصوص بهدف بالمتابعة اللازمة وجلاء مصير المفقودين.
من مكان الغارات الإسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (نبيل اسماعيل- النهار)