يعد جامع الإمام تركي بن عبدالله في منطقة قصر الحكم وسط الرياض من أهم معالم الهوية السعودية، إذ ارتبط تاريخياً بتطور الدولة منذ إنشائه في عهد الإمام تركي وتوسع في عهود الأئمة والملوك حتى تطويره الحديث الذي نال عنه جائزة آغا خان للعمارة، مع طاقة استيعابية تبلغ 17 ألف مصلٍ.
يطل «الجامع الكبير» جامع الإمام تركي بن عبدالله -رحمه الله- بهندسته المعمارية النجدية وتاريخه العمراني العريق، شاهداً على عمق الهوية السعودية منذ تأسيسه حتى هذا العهد الزاهر بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله-.
يقع الجامع في منطقة قصر الحكم وسط مدينة الرياض، ويُعدّ من أكبر مساجد العاصمة وأهمها، وقد أُنشئ في عهد الإمام تركي بن عبدالله على أرض تُعرف بـ«النقعة»، وعيّن عليه الشيخ عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ مشرفاً ورئيساً للعلماء، مع إعادة إحياء المدرسة القديمة لدراسة العلوم والفنون.
وجعل الإمام تركي الجامع مؤسسةً علمية على غرار ما كان في الدولة السعودية الأولى، وتمت إضافات عليه خلال فترة حكمه بين عامَي 1241 هـ و1249 هـ الموافق (1826 - 1834م).
ثم جاء ابنه الإمام فيصل بن تركي آل سعود، فأعاد بناء الجامع عام 1259 هـ وزاد في سعته من الناحيتين الشرقية والغربية، وأدخل زخارف إسلامية لم تكن معروفة في نجد آنذاك، كما أنشأ ممراً علوياً يربط المسجد بقصر الحكم.
واهتم الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- بالجامع وزاد فيه، وربطه بقصر الحكم عبر جسر يُيسّر الوصول إليه أوقات الصلوات، كما أمر بإنارته. وواصل الملك سعود -رحمه الله- هذا الاهتمام، فجدّد فرشه وإنارته وضمّ إليه أملاكاً لتوسيع مساحته.
وقد بُني الجامع في تلك الحقب بمواد البناء التقليدية من الطين واللبن المجفف، وأسقف من جذوع النخل والحجارة. ثم توالت العناية به في عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله- والملك خالد بن عبدالعزيز -رحمه الله- عبر البناء الحديث، إذ رُمّم ترميماً شاملاً وفُرش بفرش جديد.
وفي العصر الحديث، أشرفت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض على توسعات الجامع ضمن مشروع تطوير منطقة قصر الحكم، فبُني من وحدات خرسانية سابقة الصب، وغُطيت جدرانه الخارجية والجزء العلوي من جدرانه الداخلية بحجر الرياض، فيما غُطي الجزء الأسفل من الجدران والأعمدة بالرخام الأبيض، وجُهّز بوسائل البث التلفزيوني والإذاعي المباشر وكاميرات يُتحكم فيها عن بُعد.
ومنذ أن دوّن الرحّالة وليام جيفورد بلجريف عام 1862م معالم الجامع، وحتى نيله جائزة «آغا خان» العالمية للعمارة، بقي شاهداً على عمق الهوية وتطور المكان، بتكامل عمراني رابط بين المسجد الجامع وقصر الحكم عبر ساحة الصفاة.
تبلغ مساحة الجامع نحو 16.8 ألف متر مربع، ويستوعب نحو 17 ألف مصلٍّ في وقت واحد. ويتكون من مصلى رئيسي للرجال وآخر للنساء تبلغ مساحته 6.32 آلاف متر مربع وارتفاعه 14.8 متراً، وساحة خارجية مساحتها 4.8 آلاف متر مربع، ومكتبتين للرجال والنساء مساحة كل منهما 325 متراً تقريباً. وتعلو الجامع منارتان بارتفاع 50 متراً استُلهم في تصميمهما روح العمارة التقليدية في نجد.
توالى على إمامة الجامع عدد كبير من العلماء والأئمة، ابتداءً من منتصف القرن الثاني عشر الهجري، أبرزهم: سليمان بن محمد بن أحمد بن علي بن سحيم (1158 هـ / 1745م)، وعبدالرحمن بن حسن بن محمد بن عبدالوهاب (1241 هـ / 1826م)، وعبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن (1285 هـ / 1869م)، ومحمد بن إبراهيم بن محمود (1293 هـ / 1876م)، وعمر بن عبداللطيف (1365 هـ / 1945م)، ومحمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار من (1373 هـ / 1954م) حتى وفاته عام (1389 هـ / 1969م)، والشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز من عام (1389 هـ / 1969م)، وعبدالله بن عبدالرحمن بن جبرين بالإنابة من (1420 هـ / 1999م)، وعبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، وعبدالله بن عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ.
تولى الأذان في الجامع عدد من المؤذنين، أبرزهم: الشيخ سلطان بن فهد بن سلطان وأبناؤه وأحفاده، والشيخ عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن ماجد وابنه عبدالرحمن، والشيخ منصور بن محمد المزيد وابنه عبدالله.