ماذا يعني أن تحمل جامعة سعودية اسم (جامعة الحدود الشمالية)؟ ليس من الجيّد النظر إلى الاسم بوصفه علامة إدارية تدل على مؤسسة مضافةٍ إلى موقع، بل الحسن أنْ يُنظر إليه بوصفه اسمًا يشير إلى إمكانٍ معرفيّ كامن، ويمكن أن يصير مشروعًا للأبحاث والدراسات أو المسارات الأكاديمية النوعيّة.
والظاهر للمتابع أنّ تمام شخصية الجامعات العلمية يتجاوز التخصصات العامة إلى أفق إشكاليٍّ يكشف سؤالها المعرفيَّ الذي منه تبني خصوصيّتها وقوة إسهامها، وتحوّل مجالها إلى أفق للبحث ومورد للفهم ومنصة لإنتاج المعرفة.
ومن هنا تنطوي كلمة (الحدود) في اسم (جامعة الحدود الشمالية) على ما هو أكثر من دلالة جغرافية؛ إذ يمكن أن تكون هذه الكلمة مفتاحًا لسؤال علمي يتصل بالمكان والإنسان والدولة، والهوية، والثقافة، والتنمية.
ويرد في العنوان مفهوم (رأس مال المجال) وهو في هذا السياق يقارب فكرةً ترى المكان قوّةً وقيمةً وثروةً كامنة قابلة للتحوّل نحو معرفة ومبادرات ومؤسسات وبرامج بحثية، فـ(الحدود) بفكرٍ أدبيٍّ ونقديٍّ وتنمويٍّ لا تعني نهاية الجغرافيا، بل تعني بداية أسئلة التالي: كيف يتشكل الإنسان في المجال الحدودي؟ وكيف تنمي الهوية قرب الحزام الحدودي أو عند عبوره؟ وكيف تنشأ فرص التنمية في المناطق الطرفية؟ وكيف تتحول المنطقة الحدودية من هامش مكاني إلى مركز معرفي في سياق مخصوص؟
ويسجل في هذا السياق سبق الدراسات النقديّة الحديثة في تجاوز نظرها إلى (الحدود) بوصفها بوصفها خطًّا قانونيًّا أو جغرافيًّا فاصلًا، فاتجهت إلى فهم (الحدود) بوصفها ظاهرة اجتماعية متعددة الجوانب يلتقي عندها وفيها الفرد، والمجتمع، والمؤسسة، والسياسة.
وربما يمكن لجامعة الحدود الشمالية من هذه الزاوية أن تجعل من موقعها واسمها رأس مال تبنيه من مجالها الذي هي فيه، وعندئذ لا تختزل نفسها بأنها جامعة واقعة في منطقة حدودية فقط، بل بأنها جامعة تدرس وتُنتجُ معرفةً واقتصادًا ومسارًا علميًّا في معنى (الحدود)، وتحوِّلُ دلالة المكان إلى مشروع معرفة، وتربطُ البحث العلمي بالتنمية المناطقية والوطنية.
وهذا التصور المرصود سابقًا لا يأتي من خارج خطاب الجامعة، بل إنه ينسجم مع مراكز وبرامج الجامعة فـعناية (مركز البحوث الإنسانية والاجتماعية) تقوم على رصد الظواهر الإنسانية والاجتماعية في المنطقة والوطن، وكذلك يأتي (برنامج أبحاث منطقة الحدود الشمالية) ضمن برامج (عمادة البحث العلمي) ليعزز هذا المعنى المتاح الذي يحتاج إلى تفعيل ومسار إنتاج، وهنا يظهر للمتأمّل أنّ السؤال المعرفيّ الإشكاليَّ الذي تحيا به خصوصية (جامعة الحدود الشمالية) ويقود بناءها ووعيها وأثرها التاريخي هو: كيف يتأتّى تحويل مفهوم (الحدود) من خط على جغرافيا الأرض إلى وعي بمشروع معرفيّ وثروة يمكن أنْ تسهم في الاقتصاد الوطني؟
لا يمكن تعليق قيمة (رأس مال المجال) في وجود المكان وحده، بل إنها متعلّقةٌ بقدرة المؤسسة العلمية على قراءة المكان وتحويله إلى معرفة؛ إذ الموقع الجغرافي قد يبقى إطارًا خارجيًّا لا أثر له في هوية الجامعة، وقد يرتقي -حين يُفهم ويُبحث ويُنظَّم- إلى مورد علمي وتنموي وثقافي، ومن هنا فإنّ الميزة الدقيقة في (جامعة الحدود الشمالية) أنها تمتلك مجالًا قد يصبح رأس مال معرفيّ؛ لأنها تقع في منطقة يتجاور فيها (المكان)، و(الحد)، و(الصحراء)، و(الندرة السكانية)، و(التحول التنموي)، و(المجتمع المحلي)، و(الانفتاح على الجوار الإقليمي).
ولسائل أن يسأل عن أصول هذا المفهوم (رأس مال المجال)، والظاهري الدراسات أنّه ليس اصطلاحًا معزولًا، بل إنه يقرب مما استقر في الدرس المكاني المعاصر تحت اسم «رأس المال المكاني» (Spatial Capital)، و»رأس المال الإقليمي» (Territorial Capital)؛ إذ يُنظر فيهما إلى المجال بوصفه منتجًا للقيمة بإمكانات الوصول والكثافة والتنوع، وبوصف الإقليم رصيدًا تنمويًّا وتنافسيًّا قابلًا للاستثمار المعرفي.
ومن التجاوز قليلًا أن يُختزل (رأس مال المجال) في المعنى الاقتصادي وحده، لأن المجال ينتج أنواعًا متعددة من القيم، منها: قيمة معرفية حين يمنح الباحثين موضوعات أصيلة، وقيمة ثقافية حين يكشف خصوصيات اللهجة والعادات والذاكرة، وقيمة تنموية حين يوجه التخطيط إلى احتياجات السكان، وقيمة بيئية حين يفتح أسئلة عن التصحر والغطاء النباتي والمحميات والمناطق غير المأهولة، وقيمة اجتماعية حين يفسر علاقة الإنسان بالمكان والحدود والعبور.
ولا يقتصر سؤال المكان على التخطيط والتنمية؛ إذ تمتد آثاره إلى اللغة والأدب والذاكرة والتمثيل الثقافي، وهي مجالات يمكن أن تُفرد لها دراسات ضمن مشروع (دراسات الحدود)، تجعل المكان رافدًا سياحيًّا أو ثيمة جماليّة يمكن التغني بها، وما (نجد) في الشعر العربي إلا نموذج تنويري لتلك الدراسات التي تضيف إلى المكان قيمةً تنموية وثقافية.
وبهذا المعنى تصبح (دراسات الحدود) الأداة الأنسب لاستثمار (رأس مال المجال)؛ لأنها حقل قادر على جمع ما تفرقه التخصصات، فالحدود لا تُقرأ من (الجغرافيا) وحدها، ولا من (السياسة) وحدها، ولا من (الاقتصاد) وحده، بل من تفاعل هذه الحقول جميعًا، وإذا كان بعض التفكير يرى (الحدود) نهاية للخريطة، فإن التفكير الأكاديمي الرائد المنتج يستطيع أن يراها بداية لمنهج بحثي يدرس ما يتولد حولها من ظواهر متعددة، منها: (المجاورة)، و(العبور)، و(الهوية)، و(الهجرة)، و(التنمية)، و(الأمن الإنساني)، و(نوعية الحياة)، و(البيئة).
وهنا يُسجّل أنّ الاستفادة من مفهوم (الحدود) وتحويله إلى (رأس مال) يضيف إلى التنمية لا يعني الاحتفاء الرمزي باسم الجامعة، بل يعني بناء برنامج معرفي واضح يتحول فيه (الموقع) إلى (سؤال)، والسؤال إلى (محور بحثي)، والمحور إلى (مبادرات)، و(مؤشرات)، و(شراكات)، و(سياسات)، و(أثر تنموي)، وحين تبلغ الجامعة هذه المرحلة تصبح قد جعلت موقعها جزءًا من رسالتها العلمية.
وينبغي التنبيه إلى أنّ (دراسات الحدود) حقل معرفي واسع، يدرس الظواهر التي تنشأ حول الحدود وفي داخل المجال الحدودي ومن خلال عبوره، أي أنها لا تنظر إلى الحدود بوصفها خطًّا فاصلًا، بل بوصفها نظام علاقات تتداخل فيه (السيادة)، و(المجتمع)، و(الهوية)، و(الحركة)، و(الاقتصاد)، و(الثقافة)، و(البيئة)، و(التنمية)، ويحتاج هذا الحقل إلى (الجغرافيا) لفهم المجال والموقع، وإلى (علم الاجتماع) لفهم الجماعات والفاعلين، وإلى (الأنثروبولوجيا) لفهم العادات والطقوس والذاكرة، وإلى (الاقتصاد) لفهم السوق والعمل والاستثمار، وإلى (السياسات العامة) لفهم علاقة المركز بالأطراف، وإلى (الدراسات البيئية) لفهم أثر المجال الحدودي في الصحراء والغطاء النباتي والتوازن البيئي، واختزال (الحدود) في بُعدٍ واحد يحجب كثيرًا من أسئلتها العلمية؛ لأن المنطقة الحدودية مجال إنساني وتنموي وثقافي تتراكم فيه ظواهر السكنى والعبور والعمل وتشكُّل الهوية، وكلها قابلة للدراسة والتحليل، ولهذا تستطيع (جامعة الحدود الشمالية) أن تتبنى (دراسات الحدود) بوصفها حقلًا جامعًا لا ينافس التخصصات القائمة، وتبني منه فضاء بحثيًّا تتعاون فيه الكليات والأقسام على قراءة المجال الحدودي قراءة مركبة، تجعل من (الحدود) موضوعًا للمعرفة متجاوزة به وصف الأماكن والمواقع.