تطرَّق المساق الماضي إلى جائزة (نوبل)، وزعمَ (ذو القُروح) أنها ليست بمجرَّد جائزة نزيهة من التسييس. وأنه يبدو أنه (لا نوبل بلا طبل مصاحب)، أي لا نوبل بلا قرعٍ على طبلات الآذان الغربيَّة. والآذان الغربيَّة، على طولها، لا تسمع عادةً بسهولة، إلَّا ما يحلو لها، فهذا تسمعه، وقبل أن يكتبه الكاتب.
ـ لا بُدَّ، يا «خبيبي»، أن يكون الفائز غير منتمٍ لوطنٍ أو ثقافة بإخلاص، وأن يكون -وهذا هو الأهم- متصهينًا، مطبِّلًا للكيان المحتل، ولو معنويًّا، وذلك أضعف الإيمان، وليس بعده حبَّة خردل من نوبل! كيف لا، ومن شروط الجائزة بالتأكيد: أن لا يكون الفائز مشتبَهًا في أنَّه «لا سامي»، من قريبٍ أو من بعيد. و«اللَّا ساميَّة» هنا، كما حَقنتْ به الصهيونيَّة العالميَّة الدماغ الغربي، تعني إنكار حقِّ الكيان الصهيوني في احتلال فلسطين، أو إنكار التطهير العرقي، لا قدَّر الله!
ـ المسألة هنا مسألة عقيدة دِينيَّة سياسيَّة مزدوجة، لا فِصال فيها. وإنْ لم تُعجبك هذه المعايير، فاذهب للعيش على كوكبٍ آخَر! لكن حتى في هذه الحالة يجب أن تؤمن بأنَّ «شعب الله المختار» من شتَّى الأقطار، الذي لا علاقة له بالسَّاميَّة أصلًا ولا فصلًا، هو السَّاميُّ الحقيقي الوحيد، غصبًا عن التاريخ والجغرافيا. والساميُّون أنفسهم هم «اللَّا ساميُّون»، اللَّهم إلَّا إذا سلَّموا أمرهم للسَّامري وعِجله الأبيض تمامًا!
ـ أجل، إنَّ المسألة هنا مسألة عقيدة، تجعل الإنسان مسخًا.
ـ خذ نموذجًا من (جاريد كوري كوشنر)، على سبيل المثال، وهو، كما هو معروف، يهودي أرثوذكسي، وسَلْه يخبرك، في غير حياء، أنه سَهِر ليلةً ليلاء يبكي المحتلَّ القاتلَ لما ناله من أسر المقتولين، أبناء الأرض المحتلَّة.
ـ تشير إلى خطبته العصماء في الكيان المحتل، السبت 11/ 10/ 2025، إبَّان زيارته مندوبًا عن (ترمب) في أعقاب خطَّته لإيقاف الحرب على (غَزَّة)؟
ـ مثلًا. على حين لا يتحرَّك ضميره الأبيض، ولا عواطفه الرقيقة الجيَّاشة ليتيمٍ فلسطينيٍّ غَزِّيٍّ، أو لامرأةٍ، أو شيخ!
ـ لماذا؟! تسألني؟! لأنَّه، ببساطة، لا يرى هؤلاء سِوَى بمعايير ما بُرمِج عليه منذ الطفولة. فهُم، وَفق برمجته، أقلُّ من أن يحرِّكوا ساكنًا من مشاعره، بل هو لا يراهم أصلًا. والنموذج «العَود» بطبيعة الحال هو قدوته الأعظم، عَمُّه (دونالد ترمب).
ـ الذي كانت البشريَّة تظن أنَّ نموذجه، التهريجي الغوغائي، قد انقرض منذ العصور الوسطى الظلاميَّة.
ـ أيًّا ما كان، فهو الآخَر نموذجٌ على العنصريَّة العرقيَّة والثقافيَّة معًا. ومن ملامح هذا أنَّه لا يكاد يذكر (أوباما) إلَّا مؤكِّدًا أنَّه (باراك حُسين أوباما)؛ لأن اسم (حُسين)- في ذاته- هو عند (ترمب) سُبَّة، ويكفي للإهانة العظمى! وكذا لا يشير إلى الطبيب (عبدالرحمن السيِّد)، الأميركي من أصل مِصْري- الفائز في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية (ميشيجان) لعام 2026- إلَّا ويؤكِّد أنَّه «أبدول»، أو «أبدوللا سيد»؛ إمعانًا في ما يخيَّل إليه أنه إهانة بالغة أيضًا، يُفرِغ بها بعض احتقانه السياسي، بل ربما سمَّاه «محمَّد»، والسبب واضح.
ـ المفارقة أنَّ (عبدالرحمن السيِّد) متخصِّص في مكافحة الأوبئة، وما أكثر الأوبئة الثقافيَّة، التي أصبحت الآن على المستوى العلني والرسمي، وبسفاهة همجيَّة لم يسبق لها مثيل.
ـ وليس لهذه الحالة المرضيَّة علاقة بالدِّين، من حيث هو، وإنْ كان يمكن أن يصبح الدِّين عاملًا مساعدًا؛ لأنَّ من اليهود، مثلًا، من هم أكثر نُبلًا في عواطفهم الإنسانيَّة حيال ما يجري للفلسطينيِّين من بعض المسلمين المتلوِّنين، بل من بعض الفلسطينيِّين أنفسهم. لكنَّها البرمجة- التي يصعب وصف تقنياتها- التي تمحق طبيعة الإنسان؛ حتى لتراه وقد بات يُولي الحيوان المفترس من عواطفه ما لا يُولي بعض بعضه أخاه الإنسان. ويتلذَّذ، بصفة خاصَّة، بمعاشرة الكلاب، وبحميميَّة لافتة، حتَّى أصبح متطبِّعًا في سلوكه بسلوكها، السيِّئة دون الحسنة.
ـ قد يحتجُّ عليك محتجٌّ هنا، قائلًا: وأنتم أيُّها المسلمون كذلك تنظرون إلى خصومكم على أنَّهم قِرَدة وخنازير! إشارة إلى الآية القرآنية: «قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللهِ، مَنْ لَعَنَهُ اللهُ، وَغَضِبَ عَلَيْهِ، وَجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ وَالخَنَازِيرَ، وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ، أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ.»
ـ لأنَّ ما وردَ في الآية مجرَّد توصيفٍ دِينيٍّ لفئة محدَّدة، وفي زمانٍ ومكانٍ معيَّنين، تشخيصًا لانحراف سَوِيَّة الإنسان العقليَّة والسُّلوكيَّة؛ فهم بذلك قد أشبهوا القِرَدَة والخنازير لاتِّباعهم الطاغوت، بل بعبادته بلا تفكير، ولضلالهم عن السبيل، في عمًى مطبق. وليس ذلك بوصفٍ لهم من حيث هم جنس بَشَري، ولا حتى من حيث هم أتباع دِين آخَر.
ـ ومثل هذا قيل عن العَرَب أيضًا، أو عن المنافقين، لتشخيص حالهم الخارجة عن الطبيعة الإنسانيَّة المستقيمة، تقليدًا أو غَدرًا أو مراوغة.
ـ تمامًا. وفرقٌ بين هذا وبين من ينظرون إلى أنفسهم، اعتقادًا راسخًا، على أنَّهم فوق البَشر، بل على أنهم «شعب الله المختار»، بل أنهم أبناء الله وأحباؤه. ولذا فإنَّ المُسلِم السَّوِيَّ، ومهما بلغ من التشدُّد، لا يتعامل مع غير المُسلِم على أنَّه حيوان، أو أقل من أن يحرِّك مشاعره الطبيعيَّة إذا مسَّه سوء، كما كانت مشاعر (كوشنر) الرقيقة الجيَّاشة حيال الفلسطينيِّين. و«القرآن» قد أوصى بهؤلاء من أهل الكتاب خيرًا، ونهى عن أذاهم، بل حتى عن جِدالهم إلَّا بالتي هي أحسن.
ـ ولذا عاشوا في الأوساط الإسلامية في سلام.
ـ حتى لقد كان الفتح الإسلامي للأندلس- على سبيل المثال- منقذًا لليهود ممَّا كانوا يرزحون تحته من اضطهاد.
ـ ثمَّ، كالعادة، لم يحفظوا الجميل في آخر المطاف.
ـ والشواهد كثيرة، وليس المقام هاهنا بمقام المفاضلة بين أخلاقيَّات الأديان. غير أنَّ الشاهد هو مقدار ما تُشَوِّه به البرمجة التربويَّة المؤدلجة ناشئيها، وبخاصَّة إذا اجتمعت أدواؤها الثلاثة، الدِّينيَّة والعنصريَّة والسياسيَّة، في وعاءٍ واحد؛ فذلك سلاح دمار شامل للذَّات والآخَر.
ـ ولذا لا عجب أن تتغلغل فيروساتها في كلِّ تفاصيل الحياة، متنكِّرة في أزياء براقة، طالما سحرت الحمقَى والمغفلين.
ـ الشاهد، إذن، أنَّ العلاقة بين جائزة نوبل والصهيونيَّة لم تَعُد سِرَّا. ليس فقط في ما يتعلَّق بخلفيَّات بعض الفائزين، أو دوافع منح الجائزة في حقل السَّلام تحديدًا، الذي كان من أشهر الفائزين فيه (مناحيم بيغن، 1978)، ثم (شيمون بيريز وإسحق رابين، 1994). وعلاقة هؤلاء بالسَّلام معروفة جدًّا. وهذا كافٍ لمعرفة نزاهة الجائزة وإنسانيَّتها وعقلانيَّتها أساسًا، وتلمُّسها نبض المؤهِّلات الحقيقيَّة للجائزة حيثما تفجَّرت. ولكن حتى في الحقول الأخرى، التي ظاهرها العِلم والمعرفة، لا مناص للمرشَّح المحظوظ من أن يكون قد مَرَّ أوَّلًا على حائط المبكى، يومًا ما، ولو عن بُعد، وإلَّا فلا يحلمنَّ بنوبل، ولو في المنام!