ثقوب في منظومة «التأمين الصحي».. كشف حساب المرحلة الأولى

قبل أسابيع من إعلان الحكومة في مايو الماضي بدء المرحلة الثانية من التأمين الصحي الشامل، تقدم النائب أحمد فرغلي بأربعة طلبات إحاطة إلى وزيري الصحة والمالية ورئيس هيئة تمويل التأمين الصحي الشامل، بشأن أزمات التأمين الصحي الشامل في بورسعيد ، إحدى المحافظات الست التي شملتها المرحلة الأولى. يتهم فرغلي هيئة التمويل بالتعامل مع الخدمة الطبية كسلعة تجارية على حساب صحة المرضى. وتسبب هذا المنطق -بحسب رأيه- في أزمات متعددة، خاصة لأصحاب الأمراض المزمنة، مثل مرضى الغسيل الكلوي والسكر. كما اتهمت طلبات الإحاطة التي تقدم بها في أبريل الماضي الهيئة بمنح الأولوية لشراء الأدوية الأرخص دون اعتبار لصحة المريض. على سبيل المثال، يشير فرغلي إلى عرقلة هيئة التأمين الصحي تسليم مضخات الأنسولين لمرضى السكر من الأطفال إلا بحكم قضائي، كما ترفض توفير أجهزة قياس السكر الحديثة للأطفال حديثي الولادة وصغار السن. ويتهم فرغلي الهيئة بعدم صرف العلاج الأصلي (بروجراف) لمرضى زراعة الكلى والإصرار على صرف بديله (أدبورت) بدعوى أنه أوفر اقتصاديًا دون النظر لمصلحة المريض. كما يشير إلى وجود نحو 150 حالة من مرضى زراعة الأعضاء تم «إهمالهم»، رغم أنهم خضعوا لعمليات زراعة كاملة وأنهوا مراحل الغسيل الكلوي، وكان الهدف تمكينهم من حياة طبيعية. ويوضح أن هؤلاء المرضى يحتاجون إلى علاج يحافظ على الكلى المزروعة ويمنع رفض الجسم لها، لكنهم فوجئوا منذ أشهر بوقف دواء «بروجراف» وصرف عقار «أدبورت»، ما تسبب في تدهور حالات بعضهم ودخولهم المستشفى بسبب الأعراض، رغم الشكاوى المتكررة من «الخطر الذي يهدد حياتهم». هذا إلى جانب إحالة عشرات المرضى الذين يحتاجون إلى جلسات غسيل ثلاث مرات أسبوعيًا إلى مستشفيات خاصة بسبب نقص الأماكن داخل مستشفيات التأمين. لكن هذه المستشفيات تقدم فقط خدمة الغسيل دون باقي الخدمات الأساسية، بسبب طبيعة تعاقدها مع الهيئة، ما أدى إلى تحميل المرضى تكلفة الأدوية والتحاليل اللازمة لمتابعة حالتهم الصحية، بالإضافة إلى تحملهم نفقات نقل الدم عند الحاجة. يكشف مختلف المرضى من محافظات المرحلة الأولى الذين تحدث إليهم «مدى مصر» خلال الأشهر الماضية عن أزمات مختلفة يواجهونها ابتداءً من نقص المواعيد المتاحة التي يمكن حجزها، وأزمات توافر الدواء وآليات صرفه. ورغم أزمات المرحلة الأولى في محافظات: بورسعيد، والإسماعيلية، والسويس، وجنوب سيناء، والأقصر، وأسوان، بدأت الدولة، منذ مطلع مايو الماضي، الترويج للمرحلة الثانية من منظومة التأمين الصحي الشامل، مقدمةً المرحلة الأولى باعتبارها تجربة ناجحة خالية من المشكلات. وأعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إطلاق المرحلة الثانية للتأمين في خمس محافظات جديدة هي: المنيا ومرسى مطروح ودمياط وشمال سيناء وكفر الشيخ، ويستفيد من تلك المرحلة نحو 12 مليون مواطن. مع انطلاق المرحلة الثانية، تحدث «مدى مصر» إلى مسؤولين في قطاع الصحة، وباحثين متخصصين، وأعضاء في البرلمان، إلى جانب منتفعين من المنظومة، لرصد أبرز الأزمات والتحديات التي واجهت المرحلة الأولى، ومدى انعكاسها على التوسع الجاري في تطبيق النظام. مواطنون أمام عربة تابعة للهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل للتوعية بالمنظومة الجديدة في محافظة السويس - المصدر: صفحة الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل تتعلق إحدى الشكاوى المتكررة في شهادات مختلف المرضى بعدم توفر عدد من أصناف الدواء. يقول محمد ياسر، من بورسعيد، لـ«مدى مصر»، إنه عانى من عدم توفر دواء «بيوديلايزر»، الذي يستخدم في حالات نوبات ضيق التنفس والانسداد الرئوي، ويؤدي غيابه إلى تفاقم أعراض الربو والكحة وضيق التنفس. بعد إبلاغه بعدم توفر الدواء الشهري، ظل غير متاح لنحو ستة أشهر كاملة. خلال هذه الفترة، اضطر إلى شرائه من الصيدليات الخارجية، إذ كان يستهلك عبوتين شهريًا بتكلفة تصل إلى 500 جنيه، في وقت يخصم منه التأمين أكثر من 400 جنيه شهريًا اشتراكًا في المنظومة. ويضيف أنه في بعض الأحيان لم يكن يجد الدواء ولا حتى بديله. يشرح ياسر أن دورة صرف الدواء تبدأ بالحجز عبر مركز الاتصال، ثم الانتظار في طابور طويل أمام عيادة طب الأسرة ليكتب الطبيب الدواء، ثم التوجه إلى الصيدلية، وبعدها إلى الخزينة لسداد الرسوم، وأخيرًا تسلُّم الدواء. المصدر: صفحة الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل على الفيسبوك. - المصدر: صفحة الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل على الفيسبوك. يضيف أن هذه الإجراءات تتكرر في كل مرة، وتستغرق ساعات طويلة، رغم أنه لا يذهب للكشف الطبي وإنما لصرف علاج يتناوله بانتظام. في بعض الأحيان، كما يقول، لا يجد مواعيد متاحة ويُطلب منه العودة بعد أسبوع، فيما يكون العلاج قد نفد. كما يحدث أحيانًا أن يكتب الطبيب ثلاثة أشرطة دواء، لكنه لا يتسلم سوى شريط واحد فقط، ما يضطره إلى تقليل الجرعة بسبب عدم توفر الكميات المطلوبة في المخزن. بحسب ياسر، فإن حالته الصحية كانت تتدهور لاضطراره إلى تقليل الجرعات بسبب نقص الدواء، حتى تقدم بشكوى إلى هيئة التأمين الصحي الشامل مطالبًا بتوفير العلاج، مضيفًا أن الدواء كان يُصرف له سابقًا من خلال المنظومة، قبل أن يتوقف توفره فجأة. الأزمة ذاتها يواجهها خالد، 45 عامًا، المدرس بالأزهر والمقيم في منطقة أبو الريش، أحد أحياء محافظة أسوان. رغم اقتطاع نحو 800 جنيه شهريًا من راتبه اشتراكًا في المنظومة، فإن ما يلمسه عمليًا لا يرقى، بحسب وصفه، لما يُروَّج عن نجاح المشروع. يعاني خالد من مرض السكري، ويحتاج إلى جرعات منتظمة من الأنسولين ومنظم السكر. إلا أن محاولاته للحصول على الأدوية الضرورية من مستشفى التأمين الصحي التابع له باءت بالفشل أكثر من مرة. «قالولي اشتري العلاج من بره، لما تقبض»، يقول خالد، الذي اضطر مؤخرًا إلى تغطية نفقات علاجه بالكامل من حسابه الخاص، مضيفًا: «اشتريت الأنسولين، وقطرة للعين، وكمان شوية فيتامينات، لأنهم ماكانوش متوفرين». يشير فرغلي في طلب الإحاطة الذي تقدم به إلى أزمة رفض التأمين الصحي الشامل، ممثلًا في هيئة التمويل، الموافقة على توفير أجهزة قياس السكر الحديثة «فري ستايل» للأطفال حديثي الولادة وصغار السن. يقول فرغلي إن الأطفال غير القادرين على التعبير أو إدراك أعراض ارتفاع مستوى السكر يتعرضون لمخاطر صحية شديدة، رغم حصول بعض الحالات على أحكام قضائية لم يتم تنفيذها. ويشير إلى أن تكلفة هذه الأجهزة لا تتجاوز بضعة آلاف الجنيهات شهريًا، فيما قد يؤدي إهمالها إلى دخول الأطفال العناية المركزة، ما يرفع تكلفة علاجهم على الدولة لاحقًا. ويضيف أن النظام السابق كان يوفر مضخات الإنسولين وفق القواعد الطبية، في حين يرفض النظام الحالي توفيرها إلا بأحكام قضائية أو للحالات التي كانت تستخدمها قبل تطبيق النظام في المحافظات. ويتابع أن بعض المرضى حصلوا بالفعل على أحكام قضائية نُفذت، إلا أن هيئة التمويل لا تزال ترفض الاستجابة لحالات أخرى رغم وجود تقارير طبية تؤكد خطورة وضعها الصحي. في مواجهة هذا، رفع عدد من المتضررين دعاوى ضد الهيئة. أحدهم أحمد إبراهيم، والد الطفلة عائشة، الذي أقام دعوى أمام محكمة القضاء الإداري في بورسعيد ضد هيئة التأمين الصحي الشامل مطالبًا بإلزام الهيئة بصرف العلاج بالإنزيم التعويضي (Naglazyme)، بعد امتناع الهيئة عن توفيره رغم إصابة طفلته بمرض (MPS النوع السادس) وثبوت احتياجها إليه وفق تقارير طبية صادرة عن مستشفى الأطفال الجامعي بجامعة المنصورة وهيئة الرعاية الصحية. اعتبرت هيئة مفوضي الدولة، في تقريرها حول القضية والذي حصل «مدى مصر» على نسخة منه، أن حقيقة النزاع تنصرف إلى الطعن على قرار إداري سلبي بالامتناع عن توفير العلاج، وقررت تمهيدًا للفصل في الدعوى ندب مصلحة الطب الشرعي لفحص الحالة وبيان مدى الحاجة الفعلية للعلاج والجرعة المناسبة. واستند التقرير إلى المادة (18) من الدستور وقانون التأمين الصحي الشامل رقم 2 لسنة 2018، اللذين يكفلان الحق في الرعاية الصحية ويلزمان الهيئة بتمويل ومتابعة علاج المؤمن عليهم، فضلًا عن أحكام مستقرة للمحكمة الإدارية العليا تقضي بأن امتناع الإدارة عن اتخاذ قرار يفرضه القانون يُعد قرارًا سلبيًا يجوز الطعن عليه. وخلص التقرير إلى أن امتناع الهيئة عن صرف العلاج، إذا ثبتت الحاجة الطبية إليه، لا يبرره عدم إدراجه ضمن بروتوكولات الصرف، لأن الالتزام الدستوري والقانوني بحماية الحق في الصحة والحياة يعلو على القيود الإدارية. وانتهى إلى ندب الطب الشرعي، مع إبداء الرأي احتياطيًا بقبول الدعوى وإلغاء القرار السلبي وما يترتب عليه من آثار، وإلزام الجهة الإدارية بالمصروفات. أحمد إبراهيم الدسوقي، من بورسعيد، رفع هو الآخر دعوى ضد هيئة التأمين الصحي الشامل، للمطالبة باستمرار توفير علاج نجلته مريم، ذات السنوات التسع، والتي تعاني منذ عامين ونصف مرضًا مناعيًا يتمثل في التهاب الجلد والعضلات المناعي، وستقضي المحكمة في الدعوى في 28 أغسطس. يقول الدسوقي إن نجلته تحتاج إلى حقن (IVIGI.G) و(XELIJANZ)، موضحًا أن تكلفة الحقن بلغت 18 ألف جنيه في عام 2019. ويضيف أنه كان يحصل على العلاج من خلال نظام التأمين الصحي القديم بصورة طبيعية، إلا أن العلاج توقف بعد تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل. ويوضح أنه سدد اشتراكات التأمين بأثر رجعي، رغم أن تطبيق المنظومة بدأ في عام 2021، وكان يتوقع أن يبدأ الخصم من تاريخ التطبيق. لكنه أُبلغ بأن الخصم سيكون عن عامين بأثر رجعي، رغم أن المنظومة، بحسب قوله، لم تكن مطبقة في ذلك الوقت، مستدلًا بأنه كان لا يزال يحصل على العلاج عبر نظام التأمين الصحي القديم خلال تلك المدة. ويشير الدسوقي إلى أن العلاج حاليًا يُصرف شهريًا، لكن كثيرًا ما يُبلَّغ بعدم توفر الدواء أو بعدم وجود جهة يمكنه الحصول عليه منها، مضيفًا أن تأخر وصول الحقن بشكل متكرر أدى إلى تدهور حالة ابنته، إذ غطت الجروح جسدها، وتفقد القدرة على المشي عند انقطاع العلاج. لكن الأزمات لا تقتصر على نقص الأدوية والأجهزة، وإنما تمتد إلى صعوبات حجز المواعيد. في مايو الماضي، لجأ خالد إلى وحدة الأسنان التابعة للتأمين الصحي وهو يعاني من ألم حاد في ضرسه. انتظر ساعات طويلة للكشف، قبل أن يُطلب منه العودة بعد شهرين، لأن الوحدة «مافيهاش أجهزة متخصصة». لم يكن أمامه خيار سوى التوجه إلى القطاع الخاص، حيث دفع 1400 جنيه مقابل العلاج. ما حدث مع خالد لا يبدو حالة فردية، بل هو جزء من نمط متكرر يشهده المرضى داخل المنظومة، في المحافظات التي خضعت لنظام التأمين الصحي الشامل في المرحلة الأولى. يقول خالد «كل اللي بنسمعه أن المنظومة ناجحة، لكن اللي بنشوفه حاجة تانية خالص»، مضيفًا أن التكدس للحصول على المواعيد، وقلة اهتمام الأطباء، ونقص الأدوية والمستلزمات الأساسية، كلها مؤشرات تدل على أن الخدمة لا تزال بعيدة عن الحد الأدنى المطلوب. بحسب مصطفى، أحد مواطني محافظة بورسعيد، فإنه حاول حجز موعد لعلاج ضرسه، لكن كلما اتصل هاتفيًا يُقال له إنه لا توجد مواعيد متاحة، ليضطر للانتظار فترات طويلة حتى يحصل على موعد. ويقول مصطفى: «أنا أعرف ناس بتحجز كل أسبوع علشان لو تعب، وده حاجة غريبة. أنا بقالي تلات أسابيع، كل ما أروح يتقالي السيستم واقع»، مضيفًا أنه طلب من الأطباء كتابة علاج له بدلًا من الحجز، لكن الرد كان: «أعمل إيه؟ السيستم واقع». إلى جانب هذه الصعوبات، يواجه عدد من المواطنين أزمة من نوع آخر، تتعلق بتراكم مديونيات اشتراكاتهم في التأمين. إذ قال خمسة من المرضى الذين تحدث إليهم «مدى مصر» إنهم لا يستطيعون الحصول على أدويتهم من التأمين الصحي بسبب تراكم هذه المديونيات، ما حال دون صرف العلاج. ما يجمع هؤلاء هو أن طبيعة أعمالهم تضع مسؤولية دفع الاشتراكات عليهم، وليس على مؤسسات أو أصحاب عمل يجعلون خصم هذه الاشتراكات أمرًا تلقائيًا. أحدهم محمد، 45 عامًا، من الأقصر، والذي يعمل في سوبر ماركت، ويعول ولدًا وبنتًا. استخرج محمد كارت التأمين الصحي الشامل في 2021، لكنه لم يستخدمه يومًا، ولم يدخل به إلى أي مستشفى. يعاني من مرض الروماتويد منذ ستة أشهر. حين اشتد عليه الألم، قرّر أخيرًا التوجه لمستشفى الأقصر الدولي التابع لمنظومة التأمين للحصول على حقنة العلاج البيولوجي التي تُستخدم في علاج التهابات المفاصل، وتبلغ تكلفتها 15 ألف جنيه خارج التأمين، لكنه فوجئ أنه مديون للتأمين بمبلغ 35 ألفًا. ويقول محمد لـ«مدى مصر»: «اتفاجئت إن عليّا 35 ألف جنيه، ومش عارف دول بتوع إيه. أنا مكشفتش ولا مرة. أنا فعلت الكارت وركنته، وافتكرت إنهم بيكشفوا بره، وفجأة بقيت مديون للنظام الصحي اللي المفروض يعالجني». حين لجأ محمد إلى «حياة كريمة» طلبًا للمساعدة، كان الرد: «عليك استخراج برنت تأمين». لكن استخراج «البرنت» من التأمينات الاجتماعية يتطلب أولًا تسديد الديون المستحقة على كارت التأمين الصحي الشامل. الرحلة داخل منظومة التأمين الشامل، كما يرويها محمد، معقدة ومرهقة. يوضح: «لازم تحجز الأول في الوحدة الصحية التابعة ليك، وهي بالنسبة لي وحدة البغدادي، على بُعد خمسة كيلومترات من البيت. بعد كده يحددوا لك موعد في مستشفى الأقصر الدولي أو الكرنك. طبعًا، الطابور بيكون زحمة لأن عيادة العظام شغالة يوم واحد في الأسبوع. وبعد الكشف، يطلبوا منك تيجي يوم ثالث عشان تتابع أو تستلم العلاج». ويضيف: «أنا دلوقتي عايش على المسكنات، والألم شديد لا يُحتمل. حتى وأنا في الشغل في السوبر ماركت، في منتجات مش قادر أشيلها بإيديا. العلاج البيولوجي هو الحل، لكن لازم ما يكونش عليك مديونية عشان تقدر تحجز أو تاخد الخدمة». يقول رئيس مجلس إدارة مركز الحق في الدواء، محمود فؤاد، إن هناك بروتوكولًا بين وزارة التضامن الاجتماعي والهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل لتمويل غير القادرين، لكن المشكلة تكمن في أن حجم التمويل المخصص للعلاج غير محدد. ويضيف أنه ليس واضحًا ما إذا كان التمويل يقتصر على الكشف فقط، أم يمتد لتغطية العلاج، مشيرًا إلى أن البروتوكول لا يبين إلى أي مدى يصل هذا التمويل. ويرى فؤاد أنه ليس من المنطقي ألا توضح وزارة التضامن الاجتماعي ما إذا كانت ستوفر الخدمة العلاجية بالكامل للفئات غير القادرة أم لا، لافتًا إلى أن أعضاء في مجلس النواب تساءلوا أيضًا عن حدود تمويل علاج غير القادرين. ويوضح أنه يُطلب من المريض في هذه الحالة استخراج «شهادة فقر» من وزارة التضامن الاجتماعي، ثم المرور بإجراءات روتينية والتنقل بين عدة مكاتب، قبل أن يُبلَّغ بما إذا كان يستحق الخدمة أم لا. ويضيف أن اقتطاع اشتراكات مرتفعة بهذا الشكل داخل منظومة التأمين الصحي الشامل أمر غير منطقي، قائلًا: «لا يمكن أن نقول للمريض إنه لا يوجد دواء، في الوقت الذي يكون فيه الاشتراك إلزاميًا ويُجبر على سداده»، مشددًا: «عندما أستخدم الخدمة، من المفترض أن أجدها متاحة، ولا يصح أن أحصل عليها بشكل ناقص»، خاصة أن فلسفة القانون تقوم على الإلزام، إذ يفرض الاشتراك على المواطنين ويُحصَّل منهم، ثم يفاجأ المريض بعد ذلك بإبلاغه بأن موعد الكشف بعد شهر أو أسبوعين، أو بعدم توافر العلاج. يقول أحمد يحيى، من الأقصر، ويعمل محاسبًا دون عقد، إنه مدين للتأمين الصحي الشامل بنحو 18 ألف جنيه، مضيفًا أن استكمال الإجراءات يتطلب استخراج «برنت» من التأمينات، لكنه مدين للتأمينات أيضًا، فيما تبلغ المديونية المستحقة عليه نحو 40 ألف جنيه. ويشير إلى أنه يرافق والدته كثيرًا للحصول على العلاج، لكنه يجد الأدوية في أحيان كثيرة ناقصة أو غير متوفرة، ما يضطره إلى شرائها من الخارج. يتساءل يحيى عن جدوى سداد نحو 500 جنيه شهريًا، في ظل استمرار نقص الأدوية وعدم توفرها، على حد وصفه، «في مقابل لا شيء ودون أي خدمة»، مضيفًا أنهم لا يستفيدون من التأمين الصحي. ويشير يحيى -الذي يتلقى العلاج في مستشفى الأقصر الدولي- إلى أن والدته تعاني من عدم توفر دواء «ديماترو 60»، فيما تقترب تكلفة العبوتين اللتين تحتاجهما شهريًا من قيمة المبلغ الذي يُخصم للتأمين الصحي، مضيفًا: «أنا بدفع في التأمين ومش بلاقي علاج، وبشتري على حسابي العلاج من بره». ويشدد أن من حقه الحصول على العلاج طالما يدفع الاشتراك بصورة شهرية. بدأت بالفعل مطاردة المواطنين منذ العام الماضي، إذ يُفاجأ مَن يحتاج إلى العلاج بأنه مُطالب بسداد «مديونيات» تصل مثلًا إلى 20 ألف جنيه، تمثل اشتراكات السنوات الماضية. هذا التأمين الصحي هو في حقيقته تأمين تجاري من النوع المتدني، بحسب منسق لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، محمد حسن خليل. بحسب مسؤول سابق في التأمين الصحي، فإنه في الوقت الذي يُلزم فيه القانون الجديد المواطنين بالاشتراك في منظومة التأمين الصحي الشامل، تظل آلية التطبيق موضع سؤال. فالمواطن الذي لم يستخدم الخدمة منذ سنوات، حين يلجأ للعلاج، يُطلب منه سداد مبالغ متراكمة مقابل «ديون تأمينية» لم يكن على علم بتراكمها، ويهدد حين يصبح العلاج ضرورة، يقول المسؤول. وفي هذا السياق، يقول المتحدث باسم وزارة الصحة، حسام عبد الغفار، لـ«مدى مصر» إن من أسباب ارتفاع المديونية أن بعض المواطنين كان من المفترض أن يسجلوا في المنظومة، لكنهم لم يفعلوا ولم يهتموا، فبدأت تتراكم عليهم مديونيات. وبعد سنوات، يقرر أحدهم العلاج ضمن منظومة التأمين الصحي الشامل. ويضيف عبد الغفار: «أنه تقديرًا لظروف المواطن، أتحنا إمكانية التقسيط، ولم نوقف العلاج حتى لو كان عليه مقابل مادي. ومع ذلك، لم يحدث إقبال كبير. المريض حين يتعب يذهب لتلقي العلاج، رغم أن إمكانية تقسيط المبلغ قد تمتد لسنوات، ولو دفع المواطن قسطًا واحدًا فقط لكان ذلك كافيًا للدلالة على الجدية. ومع كل ذلك، يبقى من الضروري وجود آلية لنظام مستدام». يقول محمد سنان، من قنا، إن أزمات التأمين الصحي الشامل دفعت كثيرين إلى البحث عن وسائل للهروب من المنظومة، بسبب اضطرارهم إلى سداد الاشتراكات دون الحصول على الأدوية أو الخدمات التي يتوقعونها. ويضيف أن لديه أقارب وأصدقاء من الأقصر غيّروا محل إقامتهم المثبت في بطاقة الرقم القومي، وبدأوا في تحرير عقود إيجار جديدة لتغيير محال الإقامة صوريًا إلى محافظات لم يصل إليها التأمين الصحي الجديد بعد. ويرى أن السبب في ذلك هو أن المواطنين يسددون اشتراكات شهرية، دون تحسن بالخدمة مقارنة بالتأمين الصحي القديم، مضيفًا: «مفيش حاجة استفدناها في المنظومة الجديدة غير الخصم». يقول مصطفى، 40 عامًا، أب لطفلين من الإسماعيلية، إنه رغم حيازته «كارنيه خدمات متكاملة»، والذي تصدره وزارة التضامن لذوي الإعاقة، عليه مديونيات كثيرة. نتيجة لذلك، فكّر في تغيير عنوان بطاقته إلى الشرقية مثلًا للخروج من المنظومة، لكنه اكتشف أن الأمر يتطلب عقد إيجار موثقًا وإجراءات معقدة، مضيفًا: «لقيت الخطوات صعبة ومش نافع». توجه مصطفى إلى مستشفى السلام طالبًا استثناءه من دفع اشتراك التأمين الصحي الشهري البالغ 250 جنيهًا، موضحًا أنه يعاني من ضمور عضلات ولا يستطيع العمل. ويضيف: «رحت علشان أطلع كارنيه التأمين، قالولي عليك 11 ألف جنيه مديونيات. سألتهم: دي بتاعة إيه؟ قالوا أي حد بدأ في المحافظة التأمين بيعدي عليه، طالما بطاقتك مكتوب فيها إسماعيلية أنت كده داخل في المنظومة إجباري. رحت أو ما رحتش، فلوس بتتعد عليك». ويقول إن الموظفين أخبروه أن النظام يعتمد على بيانات السجل المدني، بحيث يُدرج تلقائيًا كل مَن يحمل عنوانًا في الإسماعيلية ضمن المنظومة، ويتحمل الاشتراكات المقررة. ويتساءل: «ليه محدش بينبهنا إن لازم ندفع علشان ما يبقاش عليك مديونيات؟» يضيف أنه عندما أوضح لهم أنه لم يكن يعمل، كان الرد أن الحد الأدنى للاشتراك 250 جنيهًا شهريًا حتى لغير العاملين. وعندما أبرز «كارنيه الخدمات المتكاملة» وأوضح أنه يعاني من ضمور عضلات وأعصاب، قيل له: «لا، مش بنعترف بيه». «إزاي التأمين الصحي مش معترف بالإعاقة؟ لازم يكون معاك تكافل وكرامة، وأنا بحاول أدخل ومش عارف». ــــــ قبل البدء في تطبيق نظام التأمين الصحي الشامل الجديد في 2019، مر التأمين الصحي بمسارات مختلفة عبر العقود الماضية. كان عام 1964 نقطة تحول مهمة في مسار التأمين الصحي في مصر، بصدور قانون رقم 75، الذي قضى بتطبيق التأمين الصحي على موظفي الحكومة والهيئات العامة ووحدات الإدارة المحلية، مقابل اشتراك قدره 3% من أجور العاملين شهريًا يسدده صاحب العمل (الحكومة)، بالإضافة إلى 1% من الأجر الشهري يسدده العامل أو الموظف. وبناءً على هذا القانون، صدر قرار رئيس الجمهورية بإنشاء الهيئة العامة للتأمين الصحي لتنفيذ ما جاء به. وفي العام ذاته، صدر قانون رقم 63 لينص على تطبيق التأمين الصحي على العاملين بالقطاعين العام والخاص الخاضعين لقانون التأمين الاجتماعي، مقابل اشتراك 4% من الأجور الشهرية يسددها صاحب العمل، بالإضافة إلى 1% من الأجر الشهري يسدده العامل. وفي عام 1975، جاءت نقطة تحول أخرى، حيث صدر قانونان لا يزال العمل بهما ساريًا حتى الآن: الأول هو قانون رقم 32 لسنة 1975 بشأن العلاج التأميني للعاملين بالحكومة ووحدات الإدارة المحلية والهيئات والمؤسسات العامة الذين يصدر بتحديدهم على مراحل قرار من وزير الصحة والسكان. خفض هذا القانون الأعباء المالية الملقاة على صاحب العمل من 3% من الأجور الشهرية إلى 1.5%، كما خفض الأعباء على العاملين من 1% إلى 0.5% من الأجر الأساسي. في مقابل هذا التخفيض، أضاف القانون بعض المساهمات المالية يدفعها المؤمن عليه عند الحصول على الخدمة. أما القانون الثاني، فهو قانون رقم 79 لسنة 1975، وتراوحت نسبة الاشتراك فيه بين 1-3%. أحد أبرز مظاهر التناقض ظهرت حين خرج قانونان متتاليان يحددان نسب الاقتطاع. هذا التراجع، كما يشير الباحثان في مجال الصحة علاء غنام وأحمد عزب لـ«مدى مصر»، لم يكن انعكاسًا لرؤية واضحة بقدر ما كان محاولة للتعامل مع الأزمات المالية المتلاحقة لتمويل التأمين الصحي. بعدها، مرت المنظومة الصحية المصرية منذ بداية سنوات الانفتاح الاقتصادي بالعديد من المشكلات، منها التصاعد المستمر في الإنفاق الذاتي من جيوب المواطنين للحصول على الخدمات الصحية والدواء، مع التراجع المستمر للإنفاق العام على الصحة، ما أدى إلى خروج قطاع كبير من المواطنين خارج نطاق النظام الصحي العام، خاصة الشرائح الأفقر والمهمشة والبعيدة عن أطر العمل الرسمي، بحسب بحث منشور للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية. في عام 2017، قدّمت وزارة الصحة مشروع قانون التأمين الصحي الشامل إلى البرلمان، والذي جرى تمريره وتوقيعه من الرئيس عبد الفتاح السيسي في 2018 لتسري أحكامه على جميع المواطنين داخل مصر، وبشكل اختياري على المصريين العاملين في الخارج. يهدف القانون إلى ضم جميع المصريين، على أن يُراعى مبدأ التكافل، من خلال إلزام الأعلى دخلًا بتحمل اشتراكات أعلى. يستهدف مشروع القانون الانتهاء من تنفيذ ست مراحل جغرافية خلال 13 سنة. شملت المرحلة الأولى محافظات بورسعيد والإسماعيلية والسويس وجنوب سيناء والأقصر وأسوان، فيما تضم المرحلة الثانية مطروح والمنيا ودمياط وكفر الشيخ وشمال سيناء، وتشمل المراحل الأربع اللاحقة باقي المحافظات. تمول منظومة التأمين الصحي الشامل منظومة الاشتراكات المباشرة من المواطنين، تُقتطع من دخلهم كضريبة. على سبيل المثال: في القانون القديم، كان يُخصم من المواطن 1% من مرتبه للتأمين عليه، أما الآن، فما زالت النسبة 1% من العامل، لكن أضيف إليها 3% على زوجته، و1% عن كل طفل. ويدفع أصحاب الأراضي والأعمال والمهن الحرة 5% من الأجر التأميني أو الأجر وفقًا للإقرار الضريبي، أيهما أكبر. يتطلب استفادة الفرد من نظام التأمين الصحي الشامل أن يكون مشتركًا في النظام ويسدد اشتراكاته بانتظام. وفي حالة عدم الالتزام بالاشتراك أو التأخر في السداد، تُربط استفادته من خدمات التأمين الصحي بتسديد المستحقات المتأخرة بشكل فوري أو عن طريق التسديد بالتقسيط، باستثناء الحالات الطارئة. عند بدء تطبيق المنظومة، أعلن وزير الصحة آنذاك، أحمد عماد، ومعه رئيس هيئة التأمين الصحي وقتها، علي حجازي، الجاهزية الكاملة. لكن حين بدأ التنفيذ في 2019 بمحافظة بورسعيد، اكتُشف وجود نقص في البنية التحتية والقوى البشرية، خاصة مع نقص أطباء الأسرّة في المرحلة الأولى. كان يتطلب التطبيق خطة مسبقة، بحسب عضو لجنة إعداد مشروع قانون التأمين الصحي الشامل، علاء غنّام، الذي أوضح أن التنفيذ بدأ قبل إعداد هذه الخطة فقط لإعلان «الإنجاز»، بحسب رأيه. يقول فؤاد إن رئيس هيئة التأمين الصحي السابق، علي حجازي، قدّم خلال مناقشات مشروع قانون التأمين الصحي الشامل أرقامًا «غير دقيقة» في مجلس النواب بشأن أعداد المرضى والمستشفيات في مدن المرحلة الأولى من التطبيق، فيما اعترض على تلك البيانات رئيس لجنة الشؤون الصحية بمجلس النواب، محمد العماري، في حينه، قائلًا إن الأرقام الواردة إليه من وزارة الصحة لا تتطابق مع ما عرضه حجازي، معتبرًا أن هذه الأرقام تحتاج إلى تدقيق، لا سيما ما يتعلق بأعداد المرضى والمستشفيات في المحافظات التي شهدت تطبيق المرحلة الأولى من منظومة التأمين الصحي الشامل. وتسبب هذا في إقالة كلا المسؤولين بعد أن اتضح أن البيانات التي قدماها لم تكن دقيقة، بحسب غنام. يرى غنام أن المرحلة الثانية من تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل ستكشف شكل التطبيق الفعلي للنظام، مشيرًا إلى أن المرحلة الأولى استغرقت نحو ست سنوات. ويقول إنه إذا استمر التنفيذ بالمعدل نفسه، فإن استكمال التطبيق الكامل قد يستغرق فترة طويلة، لافتًا إلى أن المرحلة الأولى شهدت تعثرات في التنفيذ بسبب بدء التطبيق دون خطة واضحة، وفي ظل ضغوط وأسباب سياسية. ويضيف أن تطبيق المنظومة كان يفترض ألا يبدأ قبل وضوح الخطة والبنية التحتية وتوفر الموارد اللازمة، خاصة أن هذه الموارد تُجمع من المواطنين. يقول مسؤول سابق بهيئة التأمين الصحي وعضو لجنة إعداد القانون لـ«مدى مصر»، بعدما طلب عدم ذكر اسمه، إنه كان لديه اعتراض على وجود نظام تأمين صحي جديد. «كنت أرى أن النظام القديم يحتاج إلى تطوير، ومنها مصادر التمويل، ولكن ما حدث أنهم قرروا إنشاء نظام جديد بالكامل، وذلك شيء صعب للغاية بالفعل. كان يجب أن تكون هناك تعديلات في النظام القديم، وكان إصلاح تلك العيوب سيكون أقل بكثير من التكاليف، بجانب تقديم خدمة طبية جيدة للغاية للمواطن». يضيف أن «مشكلة التأمين الصحي القديم كانت مصادر التمويل. على سبيل المثال، كان التمويل في حدود خمسة مليارات جنيه في عام 2014، وكان يشمل أكثر من 50 مليون مواطن، وكان كل مواطن يدفع في العام مئة جنيه، وذلك رقم صغير للغاية، والدولة لا تمول التأمين الصحي، لأنه يُمول عن طريق الاشتراكات، وبالتالي لما يكون المتوسط مئة جنيه في السنة، أكيد هيكون هناك نقص في الخدمات»، بحسب المسؤول السابق. يوضح خليل أن الدولة تراجعت عن دورها في تمويل العلاج تدريجيًا، واصفًا أن ما يُفرض الآن على المواطنين بأنه ليس نظام تأمين اجتماعي بالمعنى المعروف، وإنما أقرب إلى تأمين تجاري إجباري، يتعامل مع الصحة كخدمة مدفوعة، لا كحق تضمنه الدولة. وبهذا، تصبح استفادة المواطن من المنظومة مرتبطة بقدرته على الدفع، لا بانتمائه لمجتمع تضامني يفترض أن يوفر الحماية للجميع، خصوصًا للفئات الأفقر والأكثر هشاشة. ويضيف أنه حتى الآن لا تتوافر معلومات واضحة حول ميزانية التأمين الصحي الشامل، رغم أن القانون ينص على عرضها على البرلمان ونشرها بصورة معلنة، بما يسمح بمعرفة حجم الفائض المالي وأوجه استخدامه. بحسب غنام، استمرت تجربة التأمين الصحي القديم لأكثر من 40 عامًا، لكنها اتسمت بمحدودية التغطية وضعف الاشتراكات وتدني جودة الخدمات. كما افتقدت الحوكمة، لأن الجهة نفسها كانت تقدم الخدمة وتراقب أداءها في الوقت ذاته، وهو ما يعد من العيوب الجوهرية في النظام. ويضيف أن النظام القديم لم يكن يحظى برضا المواطنين، إذ كان كثيرون يمتلكون تغطية تأمينية لكنهم لا يستخدمونها بسبب سوء الخدمة، فيما كانوا يتحملون تكلفة الأدوية بأسعار السوق. ويؤكد غنام أن التأمين الصحي الشامل يمثل فكرة صحيحة من حيث المبدأ، إلا أن التطبيق شابه عدد من الأخطاء، من بينها غياب خطة مركزية واضحة للتنفيذ. ويتمنى عدم تكرار المشكلات التي شهدتها بورسعيد، مع بدء المرحلة الثانية في محافظة المنيا، باعتبارها أولى محافظات المرحلة الجديدة، موضحًا أن تكرار الأخطاء في المنيا ستكون له تداعيات أكبر بسبب حجم السكان. ويشير إلى أن المنيا من المحافظات الفقيرة، ما يعني أن الخزانة العامة ستتحمل تكلفة أكبر لتغطية غير القادرين، كما أنها محافظة يغلب عليها الطابع الريفي، وهو ما يتطلب جاهزية وحدات الرعاية الأولية وتوافر أطباء الأسرة. يرى المسؤول السابق بهيئة التأمين أن فكرة أن يُطلب من المريض الحضور «آخر الشهر» لحجز موعد «كلام فارغ»، على حد تعبيره. «مينفعش. أقصى حاجة أسبوع. ولما يتقال لمريض تعالى آخر الشهر، يبقى ماعندكش الأطباء الكافيين، ولو في نقص أطباء، تبقى فيه مشكلة كبيرة». يشير المصدر إلى أن التأمين الصحي الشامل يحصل على أموال من جميع المواطنين، حتى ممن لم يدخلوا بعد تحت مظلته، من خلال ضرائب مثل تلك المفروضة على السجائر أو على كروت الطرق. «يعني بتجمع من الشعب كله، وبعد كده ما تقدمش خدمة، تبقى كارثة. أومال لما الـ100 مليون لما يدخلوا، هيكون النظام عامل إزاي؟». ويتابع: «قبل إقرار القانون في 2018، كنت قابلت رئيس لجنة الصحة في مجلس النواب، وكان عندي اعتراضات واضحة. كان المفترض الأولوية للفئات اللي تستحق: المرأة المعيلة، والعمالة غير المنتظمة. عندك 20 مليون يحتاجون إلى خدمة حقيقية وتحسين في مصادر الاشتراكات والميزانية». بحسب وزير الصحة والسكان في مايو الماضي، فإن هناك تعديلات تشريعية مقترحة على قانون نظام التأمين الصحي الشامل رقم 2 لسنة 2018، تهدف إلى إعادة حوكمة المنظومة والتنسيق بين الهيئات الثلاث للنظام، وكذا تعزيز موارد النظام، فضلًا عن إجراء التعديلات التي أسفر الواقع العملي لتطبيق القانون رقم 2 لسنة 2018 عن ضرورة تعديلها. وبحسب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل، إيهاب أبو عيش، فإن إجمالي عدد المستفيدين من منظومة التأمين الصحي الشامل بلغ نحو 5.4 مليون مستفيد في ست محافظات حتى الآن، فيما وصل متوسط نسبة التسجيل إلى 83.6% من إجمالي السكان المستهدفين داخل المحافظات المطبق بها النظام. فيما أضاف أن إجمالي غير القادرين المسجلين بالمنظومة يمثل نحو 16% من إجمالي المسجلين، بما يعكس الدور الاجتماعي والإنساني الذي تضطلع به المنظومة في توفير الرعاية الصحية الشاملة للفئات الأولى بالرعاية. وأشار نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة إلى أن نسبة مقدمي الخدمة من القطاع الخاص المتعاقدين مع المنظومة بلغت 35% من إجمالي مقدمي الخدمة، بالإضافة إلى 16% من جهات أخرى. وكان وزير الصحة، خالد عبد الغفار، أعلن منتصف الشهر الماضي، أن نحو 82% من المنتفعين بخدمات التأمين الصحي الشامل راضون عن الخدمة، مؤكدًا أن تلك المعدلات تتماشى مع المعدلات العالمية، فيما لفت بيان، صادر عن مجلس الوزراء في يوليو 2025، إلى أن المنظومة سجلت نحو 2.4 مليون مواطن حتى الآن بالأقصر وأسوان، كما قدمت 27 مليون خدمة طبية وعلاجية عبر 171 منشأة طبية، بتكلفة تشغيل تجاوزت 27.5 مليار جنيه، بجانب تقديم أكثر من 17 مليون خدمة عبر 155 وحدة، وإجراء 1.3 مليون فحص شامل. وأضاف البيان أن الهيئة أجرت 400 ألف تدخل جراحي بنسب نجاح عالمية، «منها عمليات فائقة الدقة وتتم لأول مرة تحت مظلة التأمين الصحي الشامل»، مشيرًا إلى أن المواطن «لا يتحمل أكثر من 450 جنيهًا من تكلفتها مهما بلغت». بحسب فؤاد، فإن المسؤولين في التأمين الصحي الشامل يعتبرون أن التسجيل على الإنترنت والحصول على رقم الخدمة «خدمة» في حد ذاته، وهذا، بحسب وصفه، نوع من التسويق: «يعني أنا لو رايح للأخصائي، يقول لي روح للاستشاري، تعتبر دي خدمة، ودي حاجة مجرد دعائية». ويضيف: «المهم عندنا هو إننا نتعالج، وناخد العلاج كامل، ولا لأ». ويقول إن الباعة الجائلين يشتكون من عدم قدرتهم على الحصول على الخدمة الصحية الخاصة بهم، لأن وزارة التضامن الاجتماعي حين ضمنتهم وضمنت كفالتهم في التمويل، لم تكن بنسبة 100%. وفي الوقت نفسه، يشير إلى أن هناك دعاية كبيرة للتأمين الصحي، «المسؤولين بيطلعوا أرقام: مرة 35 مليون خدمة في إسماعيلية، ومرة 35 مليون خدمة في أسوان». ويؤكد: «أيوة، التأمين الصحي الشامل أهم شيء فيه هو الرعاية الصحية والدواء، وده أهم شيء علشان الناس تتعالج». ويختتم بقوله: «الأمر العجيب إنهم بيخططوا لتطبيقه في إسكندرية، وإحنا منعرفش هيتطبق إزاي، وأنت ما قدمتش كشف حساب للبرلمان للتطبيق في المرحلة الأولى».The post ثقوب في منظومة «التأمين الصحي».. كشف حساب المرحلة الأولى first appeared on Mada Masr.