مقالي السابق الذي نُشر الأسبوع الماضي بعنوان (أبشر.. الدلالة والمعنى)، لاقى ردود أفعال إيجابية امتدت عبر تواصل خاص من خلال الوسائط الرقمية من قبل العديد من فئات المجتمع على اختلاف مستوياتهم الثقافية وتبايناتهم الاجتماعية، الأمر الذي يؤكد مدى حضور ثقافتنا، وكذا مدى تداولها، وأنها ذات تأثير فاعل، وأن كل مفردة وإن كانت فصيحة أو عامية، إلا أنها تحمل دلالات عميقة تتجاوز ظاهر لفظها لتعزز مفهوم الوعي الجمعي من جانب، ومن جانب آخر تأخذ جانباً من التكثيف والتراكم لاتساع المعنى، والذي بدوره يبني معرفة ويمنح المتلقي قدرة فائقة على قراءة الواقع واستيعابه، ولهذا دلالة اللفظ تصل إلى العقل والقلب ويتسع معها أفق الوعي والمعنى في آن، وفي الوقت ذاته فإن المفردة والكلمات الثقافية تعيد تشكيل سياقات المجتمع حين يتم تداولها على نمط ثقافي وقيمي نبيل، الأمر الذي يجعل المجتمع يعيش الجانب الثقافي بشكل يومي في تلقيه وحتى في تعاطيه للكلمة الواحدة وفي اتجاهات مختلفة، وبالتالي تجعلنا لا نحيد عن مسار النمط الثقافي المتداول أو ننساق لتبعية ثقافية مغايرة عن النمط السائد، ودون أدنى شك إن من شأن هذا التوجه أن يعزز هويتنا الثقافية، ويجعل منها انتقالاً سلساً للأجيال المتعاقبة، وهذا ما جعل الشعر يتعايش مع هذا الاتجاه والشعراء بدورهم يتعاطون مع مختلف المكونات الثقافية، ويتداول كإبداع مفاهيمي لغاية ثقافية سائدة بين الناس، واستتباعاً لذلك تعاد صياغة المفردة بطريقة إبداعية جديدة وأصيلة من خلال صوغها في قصيدة مؤثرة بحالات وطرق مختلفة ومتعددة يقرع بها الشاعر ضمائر ووجدان المجتمع، لا سيما حين تأتي في سياق النخوة والفزعة لتجعل الطرف الآخر أقرب إلى التفاعل وأسرع إلى الانتماء مع تنامي العلاقات الحميمة بين كل الأطراف وتظهر نتائج إيجابية قوية ومؤثرة جراء قدرة الابتكار في صياغتها الثقافية الجديدة لتكون دارجة لمسار جديد له تأثيره المباشر، وبالتالي تكون صياغتها الجديدة مرجعية ثقافية دارجة ومتداولة على نطاق واسع وتسير مسار المثل، وفي معرض حديثنا عن الثقافة ندلل بهذا البيت الذي لا يكاد يكف الحديث عنه في كل الأوساط الاجتماعية حين قال الشاعر: تكفى ترى تكفى تهز الرجاجيل... ولولا صروف الوقت ما قلت تكفى وهنا يتجلى بوضوح أن مفردة (تكفى) لم تقتصر على سياقها العادي ولم تُختزل في المجال البسيط، بل إنها تجاوزت دلالتها بمعناها العامي لدلالة أعمق لتحفز إلى مجال أوسع نحو النخوة والفزعة وطلب العون والمساعدة لجوانب إنسانية أخرى بكل شيمها وقيمها، وهذا يدركه المتلقي بيقين مطلق، ويجعل التفاعل سريعاً في مواجهة الواقع وخلق الناصر والمعين والنماذج الموحدة للمواقف، والمفردة (تكفى) تشع هنا بالدلالة، وتبوح بما وراء ظاهرها، وتكشف عن اتساع المعنى الذي ينقله الخطاب بتراكم ذهني لفائض ضخم في المعاني النبيلة التي تقود إلى عوالم جديدة ليتكوّن نظام متداول، ومنغرس في وجدان المجتمع وكيانه، وهذا بحد ذاته مشروع ثقافي قائم والذي يتم من خلال تداول مثل هذه المصطلحات العامية والواسعة الانتشار في منطقة الخليج والدارجة يومياً بين كل فئات المجتمع، ويتحقق معها مشروعاً إبداعياً يعبر عن المشاعر والرؤى والأفكار ويتسع معه المعنى. جماع القول، إن ثقافتنا تلعب دوراً حيوياً في رفد اتساع المعنى بما تتركه من ضوء وامض في العقل، لتتكوّن دلالاتها المختلفة من خلال مسارات متنوعة لها تأثير عميق يتجسّد ضمن السياق العام التي تدخل فيه الكلمات لنقول بعض الكلام لندلل على كل الكلام.