الفصل بين المسارات أمرٌ ذو بال في العلاقات الإنسانية بمختلف مجالاتها، فالعلاقات الإنسانية لا تُبنى بالضرورة على التوافق والمحبة؛ إذ قد يشوبها بعض الشوائب، ويعتريها شيء من المؤثرات التي تؤثر في ديمومتها واستمرارها. والإنسان خُلِق وأُودِع في نفسه جملة من الحاجات الأساسية، والمشاعر والأحاسيس المشتركة، والأخلاق والخصائص الفطرية التي يقع فيها الافتراق بينهم، ويتجلى هذا الافتراق في الأخلاق والصفات عند الاحتكاك بين الناس في نواحي الحياة، فتغلب الطباعُ التطبُّعَ.
ولما كان من المستقرّ فطريًا وفلسفيًا واجتماعيًا أن الإنسان مدنيٌّ بطبعه، والناس في حاجة بعضهم البعض لتلبية حاجاتهم الأساسية، كانوا محتاجين إلى التعاون فيما بينهم لسد تلك الحاجات الفطرية كما أشار إلى ذلك الفارابي وغيره.
لذلك، فحاجةُ الناس إلى المشاركة والتعامل فيما بينهم لتلبية حاجاتهم الأساسية ضرورةٌ فطرية؛ إذ لا يُتصوَّر أن ينعزل الفرد أو يستقل بتلبية حاجاتهم الأساسية بنفسه، ويُشبع رغباته دون الاعتماد على غيره، وعلى هذا كانت الحاجةُ داعيةً إلى الحديث عن ضرورة امتلاك الإنسان مهارةَ الفصل بين المسارات في حياته. وأعني بذلك أن الإنسان في حياته وعلاقاته المتنوعة في المجالات الحياتية المختلفة، الخاصة منها والعامة، لا يمكن أن يسير وفق الحدِّيّة أو التطرّف في التعامل؛ فالعلاقات لا تكون إما موافقةً تامة وإما اختلافًا وكراهيةً تامة، بل هناك فصلٌ بين مسارات المحبة والكراهية في العلاقات الإنسانية. والاختلاف بين الناس في بعض الجوانب الحياتية لا يلغي التعاون والتوافق بينهم في الجوانب الأخرى؛ وبعبارة أدقّ لا ينسحب أثرُ الاختلاف بين الناس في بعض الجوانب الحياتية أو المهنية ليُحوّل العَلاقة إلى رفضٍ تام أو قطيعة.
ومن المقرَّر أن النفس الإنسانية مفطورة على محبة الكمال وكراهية النقص، لذا فالمستشعرات والاستعدادات الفطرية في النفس الإنسانية للخير والشر، والحسن والقبح، موجودة، إلا أن الناس متفاوتون في التطبيق العملي البشري للأخلاق. فقد يقع بعضهم في الشر والقبح الأخلاقي، وتصدر عنه الأفعال المذمومة، وهذا إنما يعود إلى العوامل الداخلية في نفسه وخارجها الذي اجتالته وأخرجت قوة الشر الكامنة في نفسه إلى الفعل والعمل كما أشار إلى ذلك ابن القيم. لكن ذلك لا يعني خلوَّه من الخير أو من الحسن في جوانب أخرى؛ لذلك فمن المهم في العلاقات الإنسانية أن ينظر المرء لغيره بهذا المنظور ويعامله بمقتضاه؛ فليس هناك كمال في البشر، وكل الناس فيهم من النقائض والقبائح ما يتفاوتون فيه، ويبقى أن ينظر الإنسان إلى الجوانب الخيرّة والحسنة في الآخر المشارك له في الحياة أو المهنة؛ بما يجعل النفس الإنسانية تنساق إلى التعامل الإيجابي مع الآخرين، بعيدًا عن الانعزال والفردية، أو طلب المثالية في العلاقات الإنسانية بالناس وتوقّعِها.
- الفصل في المسارات في الثقافة الإسلامية:
عندما نتأمل في الثقافة الإسلامية نجد أنها تُؤسِّس لقيام العلاقات الإنسانية وفق هذ المنظور، وتدعم هذه الواقعية في التعامل البشري، سواء في العَلاقة مع المخالف في الدين، أو في الأخلاق، أو الطباع، فكراهيةُ الإنسان لشيءٍ في غيره، وإن كانت لسببٍ سائغ، لا تعني أن يمتد ذلك إلى العَلاقة الإنسانية فيؤدي إلى قطعها أو عدم نشوؤها ابتداءً. وهذا الأمر دلت عليه النصوص الشرعية، ومن تلك النصوص الـمُجلِّية لهذا الأمر والـمُثبِتة له ما يأتي:
1 - في جانب العلاقات الاجتماعية يوجّه الإسلامُ الإنسان إلى أن تقوم علاقته على هذا المبدأ، بحيث يفصل في تعامله بين المشاعر القلبية وبين مقتضيات التعامل والعلاقة الإنسانية، ويتضح ذلك في قوله تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}. فالتوجيه الرباني يبين أن الاختلاف في المعتقد بين المرء ووالديه لا يمنع من قيام العلاقة بينهما، ولا من المحافظة على الصِّلة، بل يجب على الإنسان أن يفصل في علاقته بين الأمرين.
2 - من النصوص القرآنية المؤسِّسة لثقافة الفصل بين المسارات في العلاقات، قوله تعالى: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}. ففي هذا النص القرآني إرشادٌ إلى أنه ينبغي للإنسان أن يفصل بين المحبة والكراهية في العلاقات الاجتماعية؛ فمتى كره الآخرَ لصفةٍ خُلقيةٍ أو طبعٍ سيءٍ فيه، فلا يجعل ذلك موجبًا لقطع العلاقة أو بتر الصِّلة، بل عليه أن ينظر إلى الجوانب الإيجابية الأخرى في ذلك الشخص، فيفصل بين جانب الكراهية لتلك الطباع وبين ما يجمعهما من روابط تقتضي بقاء التواصل وحفظ العلاقة، وألا يجعل شعور النفور هي المسيطرة على تعامله وشعوره. وهذا المبدأ لا يقتصر على العلاقة الاجتماعية فحسب، بل يمتد إلى سائر العلاقات للإنسان المهنية وغيرها؛ فيفصل الإنسان بين كراهيته لبعض أخلاقيات الأشخاص أو طباعهم، وبين جودة اتصالهم به، وحسن تعامله، ورعاية مقتضيات العلاقة المشتركة.
3 - وفي السنة النبوية نجدُ توجيهًا واضحًا بضرورة الفصل بين المسارات في العلاقات الإنسانية والاجتماعية والأسرية. يقول عليه الصلاة والسلام: (لا يَفْرَك مؤمن مؤمنة إن كره منها خُلُقاً رضي منها آخر). فهذا النص النبوي يرسّخ مبدأ الفصل بين المسارات في العلاقات؛ حفاظًا على ديمومتها، وبقاء قوتها واتصالها، وإزالة لما يعتري النفس من كدر وقلق وعدم ارتياح تجاه الآخر المشارك له في العلاقة الإنسانية أو الاجتماعية أو الأسرية. ومتى أحسن الإنسان مهارةَ الفصل بين مسارات المحبة والكراهية، فأغضى عن المساوئ، ونظر إلى المحاسن، أثمر ذلك جودةً في حياته، ودوامًا للراحة والاتصال. فكثير من المشاعر السلبية في الحياة الأسرية والاجتماعية والمهنية تنشأ من عدم الأخذ بثقافة الفصل بين المسارات.
- أثر ثقافة الفصل بين المسارات على العلاقات:
لا شك أن ثقافة الفصل بين المسارات في العلاقات لها ثمرات حسنة على الروابط الإنسانية والاجتماعية والمهنية وغيرها، ولها أثرٌ أيضا في تحقيق جودة الحياة، فهي تمنح النفس توازناً في المعاملة مع الآخرين، وحكمةً في اتخاذ القرارات المتعلقة بالعلاقات، وهدوءًا وطمأنينة، فلا تنزعج ولا تتكدّر لوجود ما تكرهه في الآخر من خِلْقة أو خُلُق أو طباع أو سلوك أو شخصية ونحو ذلك، بل تكون لدى المرء لياقةٌ نفسية وذاتية في التعامل مع هذه الاختلافات، فلا يجعلها تطغى على الجوانب الأخرى، ويركّز على الجوانب الإيجابية في الشخص الآخر بما يسهم في استمرار العلاقة.
إن كثيراً من الإخفاقات في العلاقات الإنسانية والاجتماعية والمهنية، وكثرة المسارعة في اتخاذ قرار الابتعاد عن الآخر في الغالب تكون نتيجة خيار خاطئ، ولهذا أكّد الإسلام على هذه الواقعية في التعامل مع الآخرين وبناء العلاقات معهم، وذلك من خلال الفصل بين مسارات المحبة والكراهية.
إن الفصل بين المسارات في العلاقات يمدّ الإنسان بالمرونة والقابلية للتعامل مع الآخرين بمختلف أطيافهم وشخصياتهم وطباعهم، ويجعله متوازنًا في التعامل معهم بعيدا عن طلب الكمال والمثالية، وبهذا تستمر العلاقات، ويتحقق التعاون، وتُجنى ثمرات التوازن الداخلي في النفس الإنسانية.