تناول المساق الماضي جائزة (نوبل)، وزعمَ (ذو القُروح) أنَّها ليست بمجرد جائزة تُمنح لوجه العِلم والمعرفة والسَّلام. بل هي جائزة مسيَّسة مؤدلجة. وأنَّ العلاقة بين جائزة نوبل والصهيونيَّة العالميَّة لم يعد سِرَّا. وهذا يكشف عن مدَى نزاهة الجائزة وإنسانيَّتها وعقلانيَّتها أساسًا، وتلمُّسها نبض المؤهِّلات الحقيقيَّة للجائزة حيثما تفجَّرت.
وحتى في الحقول التي ظاهرها العِلم والمعرفة لا مناص للمرشَّح المحظوظ من أن يكون قد مَرَّ أوَّلًا على حائط المبكَى، ولو عن بُعد، وإلَّا فلا يحلمنَّ بنوبل، ولو في المنام! وعرَّج صاحبنا على تأسيس الجائزة عام 1901، بناءً على وصية مخترع الديناميت، وصانع المدافع، وغيرها من آلات القتل والشَّرِّ على هذا الكوكب، السويدي (ألفرد نوبل Alfred Nobel، -1896)، إرثًا عن والده المبدع من قبله في صناعة الموت، «ومَنْ يُشْبِهْ أَبَاهُ فَما ظَلَمْ»! ولم يتجلَّ المرض العُدواني في الصناعات فحسب، بل أيضًا في بعض آثار نوبل الأخرى، ومنها «عملٌ أدبيٌّ/ ديناميتي» خلَّفه تحت عنوان «العدو Nemesis». وتساءلَ: أنَّى لثمار هذا كلِّه أن تتمتَّع بالنُّبل المعرفي أو بالإنسانيَّة الخالصة؟!
ـ وإذن، لا عجبَ في ما تشهده الشخصيَّة المعاصرة من تشوُّهٍ، وامِّساخٍ، ونزوعٍ إجراميٍّ، وجنوحٍ إلى العنف والإرهاب.
ـ بل لا غرابة كذلك أن نشهد حديثًا تفنُّن الدُّول الغربيَّة نفسها في ارتكاب جرائم الإبادة الجماعيَّة للشُّعوب، أو التستُّر على مرتكبيها، وتجريم مستنكريها، وتأييد القائمين بها ودعمهم بالمال والسلاح، وتشريع جرائمهم بشتَّى ألوان الخطابات النفاقيَّة واللَّا أخلاقيَّة. لا غرابة، فتلك الدُّول خريجة تلك المدارس، التي تُعلِّم فنون الجريمة والانحطاط، كما رأينا في نماذج من أدبهم الحديث في المساقات السابقة.
ـ هذا علاوة على مدارس تراثهم، بأيديولوجيَّاته العتيقة، التي تجعل (الولايات المتحدة الأميركيَّة)- النموذج الأكبر اليوم- مستعدَّة لدعم الاحتلال الإسرائيلي لـ(فلسطين) أن تبيع بلاد العم سام بحذافيرها، تاريخًا واقتصادًا وجغرافيا.
ـ كيف لا؟ ومفردة «إبادة» مفردة دِينيَّة مقدَّسة، تَرِد في (الكتاب المقدَّس- العهد القديم)، أو ما يسمونه الـ«مِقرا»، بالمصطلح العِبري، عشرات الكرَّات، من ذلك على سبيل المثال، لا الحصر: «فَطَرَدَهُمْ بَنُو عِيسُو، وأَبَادُوهُمْ مِنْ قُدَّامِهِمْ، وسَكَنُوا مَكَانَهُمْ، كَما فَعَلَ إِسْرَائِيلُ بِأَرْضِ مِيرَاثِهِمِ، الَّتِي أَعْطَاهُمُ الرَّبُّ».
ـ «الَّتِي أَعْطَاهُمُ الرَّبُّ»؟ يا سلام على هذا الرَّبِّ الحنون، يمنح أراضي الشُّعوب لأبنائه وأحبَّائه!
ـ ليس هذا فحسب، بل مَن اعترضَ أو تمسَّكَ بأرضه أبادَه ذلك «الرَّبُّ العقاري» لعَيني أبنائه وأحبَّائه أيضًا! فتقرأ: «ويَدُ الرَّبِّ أَيْضًا كَانَتْ عَلَيْهِمْ لإِبَادَتِهِمْ مِنْ وَسَطِ المَحَلَّةِ حَتَّى فَنُوا». وتقرأ: «شَعْبٌ كَبِيرٌ وَكَثِيرٌ وطَوِيلٌ كَالْعَنَاقِيِّينَ، أَبَادَهُمُ الرَّبُّ مِنْ قُدَّامِهِمْ، فَطَرَدُوهُمْ وَسَكَنُوا مَكَانَهُمْ». وتقرأ «والعُوِّيُّونَ السَّاكِنُونَ فِي القُرَى إِلَى غَزَّةَ، أَبَادَهُمُ الكَفْتُورِيُّونَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ كَفْتُورَ وَسَكَنُوا مَكَانَهُمْ».(1) وفي موضع آخَر، تصويرٌ دراميٌّ لجهاد الرَّبِّ شخصيًّا دفاعًا عن حقوق أبنائه في احتلال ديار الشعوب: «إِنَّ كُلَّ مَنْ ذَهَبَ وَرَاءَ بَعْل فَغُور، أَبَادَهُ الرَّبُّ إِلاهُكُمْ مِنْ وَسَطِكُمْ». هذا في إصحاح واحدٍ فقط!
ـ إنها ثقافة «الإبادة» الجماعيَّة الراسخة، إذن، وثقافة «الإحلال»، و«الاحتلال»، المنسوبة إلى (الرَّبِّ)، منذ ما قبل كتابة التاريخ!
ـ وهي الثقافة الراسخة بعدئذٍ، وقد تحوَّلت من نتاجٍ اجتماعيٍّ ودِينيٍّ، إلى نتاجٍ أدبيٍّ، ونتاجٍ تعليميٍّ، ونتاجٍ إعلاميٍّ معولم، يُمجِّد رموز الإبادة، ويمنحهم الجوائز، ويفتح لهم أبواب الخلود، ويروِّج لهم بوصفهم قادة فِكر، وروَّاد أدب، ونجوم إبداع، ونماذج مدرسيَّة للأجيال الناشئة، وإنْ كانوا بالأحرى مرضَى نفسيِّين، مختلِّين ذهنيًّا وإنسانيًّا، أكثر من أيَّة صفةٍ أخرى شكليَّة يمكن أن تُلصَق بهم أو يُلصَقوا بها.
ـ إنْ معظمهم إلَّا أيتامٌ مغسولو الأدمغة، اقتاتوا على موائد أولئك اللِّئام. مع عُقَد نقصٍ إضافيَّة لا تخفَى، تجعلهم يَعُدُّون كلَّ غربيٍّ آيةً من آيات التحضُّر والإبداع، ونموذجًا للتأسِّي والاتِّباع، ومدرسةً لكلِّ حُرٍّ ومجدِّد، وإنْ كان غايةً في التخلُّف والرداءة والتوحُّش. والعَرَبيُّ منَّا يتربَّى على هذا الاعتقاد منذ نعومة أظفاره؛ ليكبر تابعًا منقادًا.
ـ والغربي، إلى ذلك، معصوم من السَّفَه والعَتَه، وهو فوق النقد والنقاش دائمًا.
ـ نعم. أمَّا إنْ بدا قبيحًا، فما ذلك إلَّا لأنَّ الشَّرقيَّ المسكين- لتخلُّفه- لم يرقَ إلى المستوى الذي يُدرِك من خلاله عُمق القُبح الجميل المستورد، ومغازيه النيِّرة، ومآربه العظيمة!
ـ أجل، لقد آن الأوان لنقدٍ ثقافيٍّ اجتماعيٍّ شاملٍ جادٍّ، فأين هو؟
ـ بين ضفَّتي النقد الثقافي والنقد الأدبي أمواجٌ عاتية، الناس منها في أمرٍ مريج. ذلك أن بعض النقد الثقافي- كما ينعت نفسه- لم يعُد يميِّز بين القصيدة والجريدة، ولا بين الرواية، بوصفها جنسًا أدبيًّا، والرواية التاريخيَّة. فتراه يَنصُب المشانق للشعراء، والخوازيق لكُتَّاب الرواية! تارةً بوصفه (داريوس)، وتارةً بوصفه (دراكولا)! أو في أحسن أحواله بوصفه (الشيخ أفلاطون)، جاءنا منظِّرًا لطرد الأدباء من جمهوريَّته الفاضحة!
ـ لكنَّك واجدٌ في المقابل أنَّ بعض ما يُسمَّى أدبًا، لا أدب فيه، على الحقيقة، لا بالمعنى الفنِّي ولا بالمعنى الأخلاقي، حتَّى وَفق المقاييس الغربيَّة!
ـ بل قُلْ: بعضه بمثابة منشورات تحريضيَّة، أو رسائل أيديولوجيَّة مبطَّنة، يتَّخذ النصَّ عَصًا يتوكَّأ عليها، ويَهُشُّ بها على قطعان الجماهير، وله فيها مآربُ أُخرى!
ـ تتَّفق معي، إذن، على الضرورة إلى نقدٍ ثقافيٍّ اجتماعيٍّ لا يُبقي ولا يَذَر؟
ـ شريطة أن يكون- في مجال الأدب- نقدًا أدبيًّا قبل كلِّ شيء، كي يقوم بين بحرَي النقدَين (الأدبي والثقافي) برزخٌ لا يبغيان. أعني بحيث لا يُصيب الناقد الحَوَل النقدي، فإذا هي تختلط أمامه أوراق القضيَّة؛ فيعاقب البريء بجريرة المذنب! وإلَّا كيف يُجهد ناقدٌ نفسه في التنقيب عن الأنساق المُضِرَّة بثقافة المجتمع المضمرة في النصوص الشِّعريَّة التاريخيَّة المجازيَّة الملبِسة والنخبويَّة جدًّا، ولا يرى الوصفات الجاهزة المكشوفة اليوم، والصريحة، والمباشرة، والمشروحة، مع مختلف الوسائل الإيضاحيَّة؟ وهي وصفات منشورة جدًّا، ومقروءة جدًّا، في الرواية العَرَبيَّة ورقيًّا وإلكترونيًّا. أيهما أكثر خطورةً هنا وتأثيرًا على الثقافة والأخلاق والمجتمع؟ إلَّا إنْ كانت تلك الأنساق المَلُوْمَة في إفساد السَّويَّة الثقافيَّة منظورًا إليها من وجهة نظرٍ خاصَّة، بحيث يُظهَر بعضها ويُغطَّى آخَر، ويُمتدَح ما وافق المزاج- لأنَّه وافق المزاج- ويُعاب غيره. وعندئذٍ يكون النقد نفسه قد تأدلج، ولم يعُد نقدًا، ولا عِلمًا، ولا يرى إلَّا ما يريد، وتصبح الثقافة تلك مرادفة للسخافة والسفاهة!