ثقافة الألم – أ.د.عثمان بن صالح العامر

ليس الألم مجرد إحساس عابر يطرق أبواب الجسد أو النفس، بل هو تجربة إنسانية عميقة، وثقافة تتشكل من خلالها نظرتنا إلى الحياة، ومواقفنا من الابتلاء، وقدرتنا على التكيف مع الخسارات والتحولات، فكما أن للفرح ثقافته، وللحزن لغته، فإن للألم فلسفته التي تكشف معادن الناس، وتعيد ترتيب أولوياتهم، وتضعهم أمام حقائق ربما حجبتها عنهم أيام الرخاء.

والألم في حياة الإنسان ليس حالة استثنائية، وإنما هو جزء من طبيعة الوجود البشري؛ فلا حياة تخلو من مرض، أو فراق، أو إخفاق، أو خيبة أمل، وقد قرر القرآن الكريم هذه الحقيقة في قوله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ). والكبد هنا معاناة الحياة ومكابدتها، بما تحمله من مشقة ومواجهة مستمرة لتقلبات الأيام وصروف القدر، غير أن السؤال الأهم ليس: لماذا نتألم؟ بل: كيف نتعامل مع الألم؟ هل نسمح له بأن يهزمنا، أم نحوله إلى تجربة تمنحنا مزيداً من الوعي والنضج؟.

إن ثقافة الألم تختلف من إنسان إلى آخر، ومن مجتمع إلى مجتمع، فهناك من ينظر إليه بوصفه عقوبة تستوجب الشكوى والاستسلام، وهناك من يراه ابتلاءً يستدعي الصبر والمراجعة، وثمة من يتعامل معه باعتباره خبرة إنسانية يمكن أن تولد منها الحكمة، وتتسع بها مساحة التعاطف مع الآخرين، ولعل أخطر ما في الألم ليس شدته، وإنما المعنى الذي نمنحه إياه؛ فقد يتعرض شخصان للمصيبة نفسها، فيخرج أحدهما أكثر صلابة واتزاناً، بينما يخرج الآخر مثقلاً بالمرارة والانكسار، وليس ذلك لأن الأول لا يشعر بالألم، بل لأن قدرته على فهم التجربة والتعامل معها تختلف عن قدرة الثاني، فضلاً عن اختلاف الظروف والدعم النفسي والاجتماعي المتاح لكل منهما، وإذا كان الألم قد يصنع من بعض الناس شخصيات أكثر نضجاً، فإن تمجيده على إطلاقه خطأ ثقافي وتربوي؛ فليست كل معاناة مدرسة، ولا كل جرح يصنع حكمة، ولا ينبغي أن نجعل تحمل الأذى فضيلة حين يكون بالإمكان دفعه أو علاجه، فالألم الجسدي يستدعي العلاج، والوجع النفسي يحتاج إلى الفهم والمساندة، والمرض الاجتماعي يقتضي معالجة أسبابه، لا مطالبة المتضررين بالصمت باسم الصبر. ومن المفارقات أن مجتمعاتنا تُحسن أحياناً الاحتفاء بمن يتحمل الألم، لكنها لا تمنح الاهتمام نفسه لمن يسعى إلى تخفيفه، فنمدح الصابر على الظلم أكثر مما نطالب برفع الظلم عنه، ونشيد بمن يكابد الفقر أكثر مما نبحث عن أسبابه، ونصف كتمان الوجع بالقوة، مع أن الاعتراف بالألم وطلب المساعدة قد يكونان من مظاهر الشجاعة والنضج، ونخجل ونستحي أن نطرق باب الطب النفسي فهو علاج المجانين!، وهنا تتجلى الحاجة إلى بناء ثقافة متوازنة للألم؛ ثقافة لا تربي الإنسان على الهشاشة أمام أول عثرة، ولا تدفعه إلى القسوة على نفسه والآخرين، وإنما تعلمه أن الصبر لا يناقض العلاج، وأن الرضا لا يلغي السعي إلى التغيير، وأن الشكوى ليست دائماً ضعفاً، كما أن الصمت ليس دائماً قوة.

ليست قيمة الألم فيما يتركه في أجسادنا من أوجاع، ولا في نفوسنا من ندوب، وإنما فيما نتعلمه من تجاربه، وما نكتسبه من قدرة على فهم أنفسنا والآخرين. فأن نتألم أمر قد لا نملك دفعه، أما أن نحول ألمنا إلى قسوة أو رحمة، وإلى يأس أو أمل، فذلك ميدان واسع لاختياراتنا، وإن لم تكن جميع الظروف بأيدينا.

إن المجتمع الناضج ليس المجتمع الذي يكثر فيه الصابرون على الألم فحسب، بل الذي تقل فيه أسباب الألم الممكن منعها، وتكثر فيه الأيدي التي تخففه. ولهذا جاءت نصوص الشريعة محفزة كل سلوك يكون من وكده السعي للمشاركة في رفع المعاناة عن كل مكلوم ويتيم ومحتاج وأرملة وغريب و... دمتم بخير وإلى لقاء والسلام.

ليس الألم مجرد إحساس عابر يطرق أبواب الجسد أو النفس، بل هو تجربة إنسانية عميقة، وثقافة تتشكل من خلالها نظرتنا إلى الحياة، ومواقفنا من الابتلاء، وقدرتنا على التكيف مع الخسارات والتحولات، فكما أن للفرح ثقافته، وللحزن لغته، فإن للألم فلسفته التي تكشف معادن الناس، وتعيد ترتيب أولوياتهم، وتضعهم أمام حقائق ربما حجبتها عنهم أيام الرخاء.

والألم في حياة الإنسان ليس حالة استثنائية، وإنما هو جزء من طبيعة الوجود البشري؛ فلا حياة تخلو من مرض، أو فراق، أو إخفاق، أو خيبة أمل، وقد قرر القرآن الكريم هذه الحقيقة في قوله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ). والكبد هنا معاناة الحياة ومكابدتها، بما تحمله من مشقة ومواجهة مستمرة لتقلبات الأيام وصروف القدر، غير أن السؤال الأهم ليس: لماذا نتألم؟ بل: كيف نتعامل مع الألم؟ هل نسمح له بأن يهزمنا، أم نحوله إلى تجربة تمنحنا مزيداً من الوعي والنضج؟.

إن ثقافة الألم تختلف من إنسان إلى آخر، ومن مجتمع إلى مجتمع، فهناك من ينظر إليه بوصفه عقوبة تستوجب الشكوى والاستسلام، وهناك من يراه ابتلاءً يستدعي الصبر والمراجعة، وثمة من يتعامل معه باعتباره خبرة إنسانية يمكن أن تولد منها الحكمة، وتتسع بها مساحة التعاطف مع الآخرين، ولعل أخطر ما في الألم ليس شدته، وإنما المعنى الذي نمنحه إياه؛ فقد يتعرض شخصان للمصيبة نفسها، فيخرج أحدهما أكثر صلابة واتزاناً، بينما يخرج الآخر مثقلاً بالمرارة والانكسار، وليس ذلك لأن الأول لا يشعر بالألم، بل لأن قدرته على فهم التجربة والتعامل معها تختلف عن قدرة الثاني، فضلاً عن اختلاف الظروف والدعم النفسي والاجتماعي المتاح لكل منهما، وإذا كان الألم قد يصنع من بعض الناس شخصيات أكثر نضجاً، فإن تمجيده على إطلاقه خطأ ثقافي وتربوي؛ فليست كل معاناة مدرسة، ولا كل جرح يصنع حكمة، ولا ينبغي أن نجعل تحمل الأذى فضيلة حين يكون بالإمكان دفعه أو علاجه، فالألم الجسدي يستدعي العلاج، والوجع النفسي يحتاج إلى الفهم والمساندة، والمرض الاجتماعي يقتضي معالجة أسبابه، لا مطالبة المتضررين بالصمت باسم الصبر. ومن المفارقات أن مجتمعاتنا تُحسن أحياناً الاحتفاء بمن يتحمل الألم، لكنها لا تمنح الاهتمام نفسه لمن يسعى إلى تخفيفه، فنمدح الصابر على الظلم أكثر مما نطالب برفع الظلم عنه، ونشيد بمن يكابد الفقر أكثر مما نبحث عن أسبابه، ونصف كتمان الوجع بالقوة، مع أن الاعتراف بالألم وطلب المساعدة قد يكونان من مظاهر الشجاعة والنضج، ونخجل ونستحي أن نطرق باب الطب النفسي فهو علاج المجانين!، وهنا تتجلى الحاجة إلى بناء ثقافة متوازنة للألم؛ ثقافة لا تربي الإنسان على الهشاشة أمام أول عثرة، ولا تدفعه إلى القسوة على نفسه والآخرين، وإنما تعلمه أن الصبر لا يناقض العلاج، وأن الرضا لا يلغي السعي إلى التغيير، وأن الشكوى ليست دائماً ضعفاً، كما أن الصمت ليس دائماً قوة.

ليست قيمة الألم فيما يتركه في أجسادنا من أوجاع، ولا في نفوسنا من ندوب، وإنما فيما نتعلمه من تجاربه، وما نكتسبه من قدرة على فهم أنفسنا والآخرين. فأن نتألم أمر قد لا نملك دفعه، أما أن نحول ألمنا إلى قسوة أو رحمة، وإلى يأس أو أمل، فذلك ميدان واسع لاختياراتنا، وإن لم تكن جميع الظروف بأيدينا.

إن المجتمع الناضج ليس المجتمع الذي يكثر فيه الصابرون على الألم فحسب، بل الذي تقل فيه أسباب الألم الممكن منعها، وتكثر فيه الأيدي التي تخففه. ولهذا جاءت نصوص الشريعة محفزة كل سلوك يكون من وكده السعي للمشاركة في رفع المعاناة عن كل مكلوم ويتيم ومحتاج وأرملة وغريب و... دمتم بخير وإلى لقاء والسلام.