ثـلاثـة قـرون من الأمـن بلغـة المستقبل

رعى صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية، أمس، حفل افتتاح مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ 2026»، الذي تنظمه وزارة الداخلية في قصر الثقافة بحي السفارات بمدينة الرياض، تحت عنوان «تاريخنا ومستقبلنا.. أمن ونماء». وألقى المشرف العام على المؤتمر أحمد بن محمد الطويان كلمة، رفع فيها الشكر لسمو وزير الداخلية على رعايته المؤتمر، مؤكدًا أن «حوار الأمن والتاريخ» يمثل منصة وطنية تجمع الخبراء والمختصين من داخل المملكة وخارجها لاستقراء تاريخ المملكة في مساري الأمن والتنمية، وإنتاج محتوى معرفي موثّق يعزز الوعي بمسيرتها التاريخية، ويرسخ الهوية الوطنية وقيم المواطنة والانتماء، وينقل للأجيال القصة السعودية الملهمة من كل جوانبها. وأوضح أن المؤتمر يستعرض مسيرة الأمن في المملكة منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى حتى الوقت الحاضر، باعتباره نهجًا راسخًا ودوره في بناء مؤسسات الدولة وترسيخ الاستقرار ودعم التنمية والازدهار، إلى جانب مناقشة موضوعات الوعي الوطني والأمن الثقافي، وإسهام الأمن في دعم الاستثمار وصناعة الفرص وتحسين جودة الحياة. عقب ذلك ألقى المؤرخ الدكتور بشار عواد معروف كلمة نيابة عن ضيوف المؤتمر، أشاد فيها بما تشهده المملكة من نهضة شاملة في ظل ما تنعم به من أمن واستقرار، مستذكرًا زيارته الأولى للمملكة حاجًا عام 1373هـ، وما لمسه خلال زياراته المتعاقبة من تطور متسارع في مختلف المجالات. وأكد أن الأمن ركيزة أساسية في بناء الحضارات وازدهار المجتمعات، مشيدًا بما أولته قيادة المملكة من عناية بترسيخ دعائمه، وما تحقق بفضل ذلك من استقرار وطمأنينة للمواطنين والمقيمين، سائلًا الله أن يديم على المملكة أمنها ورخاءها. ثم شاهد سموه والحضور فيلمًا تعريفيًا عن موضوع المؤتمر، استعرض أهدافه الشاملة وبرنامجه العلمي، وما يتضمنه من جلسات حوارية ولقاءات تفاعلية وتجارب معرفية وبصرية توثق مسيرة الأمن عبر تاريخ الدولة السعودية، وتبرز أثره في ترسيخ الاستقرار ودعم مسيرة البناء والتنمية. وكان سمو وزير الداخلية قد تجوّل في المعرض المصاحب للمؤتمر، واطّلع على أجنحة الجهات المشاركة وما تقدمه من محتوى معرفي وتاريخي وتجارب تفاعلية تستعرض نحو ثلاثة قرون من مسيرة الأمن في الدولة السعودية، واستمع إلى شرح عن أبرز محتويات المعرض وفعالياته المصاحبة. حضر الحفل عدد من أصحاب السمو والمعالي وكبار المسؤولين، ونخبة من الخبراء والباحثين والأكاديميين والمهتمين بالمجالين الأمني والتاريخي من داخل المملكة وخارجها. ويأتي مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ 2026» امتدادًا لمنتدى «حوار الأمن والتاريخ» الذي نظمته وزارة الداخلية عام 2025م، بشراكة مع دارة الملك عبدالعزيز في المحتوى العلمي والتاريخي، وشراكات مع وزارة الدفاع ووزارة الحرس الوطني ورئاسة أمن الدولة، وأكثر من 40 جهة أكاديمية وإعلامية وثقافية. وتستمر أعمال المؤتمر حتى 8 سبتمبر 2026م، ويتضمن برنامجه المتنوع أكثر من 65 جلسة حوارية ولقاءً تفاعليًا، بمشاركة أكثر من 160 متحدثًا من أصحاب السمو والمعالي والقيادات والمسؤولين والخبراء والباحثين والأكاديميين، إلى جانب المعرض المصاحب والتجارب المعرفية والثقافية والفعاليات العديدة. استقرار ونماء ويفتح المؤتمر على مدى ثلاثة أيام نافذة واسعة على تاريخ الأمن السعودي، مستحضرًا رحلة امتدت لأكثر من ثلاثة قرون، وقراءة التحولات التي صنعت دولة جعلت من الأمن أساسًا للاستقرار، ومن الاستقرار طريقًا للنماء. ولا يقف «حوار الأمن والتاريخ 2026» عند استعادة أحداث التاريخ وسرد وقائعه، بل يتجه إلى قراءة التجربة السعودية في بناء الأمن والدولة والمجتمع، والبحث في العلاقة التي ربطت، عبر مراحل تاريخية متعاقبة، بين رسوخ الأمن واتساع دائرة التنمية. الأمن بوصفه قصة وطن وتتحول صفحات من التاريخ السعودي خلال أيام المؤتمر إلى حوار حي يجمع مؤرخين وباحثين ومسؤولين وخبراء ومختصين، يناقشون تجربة المملكة وتحولاتها من زوايا الأمن والسياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة والهوية الوطنية والوعي والعلاقات الدولية وبناء المؤسسات. ويمنح هذا التنوع المؤتمر بعدًا يتجاوز التأريخ للأحداث إلى قراءة أثرها في تشكيل الأمن وبناء الدولة وتطور مؤسساتها وأدواتها، وصولًا إلى منظومة حديثة تستثمر التقنية والمعرفة وتستشرف تحديات المستقبل. ويتوزع برنامج المؤتمر على مسارين متوازيين هما «منصة الحوار» و»مسرح الأمن والتاريخ»، حيث تتقاطع الجلسات الحوارية والكلمات والحوارات الخاصة واللقاءات التفاعلية في مساحة تجمع بين المعلومة التاريخية والرؤية المعاصرة. ويعود البرنامج بالمشاركين إلى جذور المكان وبدايات الأمن في الدولة السعودية، ويمتد إلى شخصية الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - رحمه الله - وحضوره في الذاكرة العالمية، ويفتح ملفات الأمن والاستثمار والعدالة والمواطنة والهوية، إلى جانب رعاية الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة، والإرث التاريخي العسكري، والثقافة العسكرية والأمنية، ومصادر التاريخ السعودي. 300 عام في "مسار الأمن" ولا تبقى الحكاية داخل قاعات الحوار، إذ يصاحب المؤتمر عدد من التجارب المعرفية والبصرية التي تنقل الزائر من الاستماع إلى معايشة التاريخ. ويبرز بينها «مسار الأمن»، الذي يقدم تجربة تفاعلية تختصر أكثر من 300 عام من مسيرة الأمن في الدولة السعودية، بدءًا من مرحلة التأسيس، ومرورًا ببناء مؤسسات الدولة وتطور الأجهزة الأمنية، وصولًا إلى المنظومة الأمنية الحديثة وما توظفه اليوم من تقنيات معاصرة. وتتكامل هذه التجربة مع المعرض والمشاركات المصاحبة، لتضع أمام الزائر صورة تجمع الماضي بالحاضر، وتكشف كيف انتقلت منظومة الأمن عبر مراحلها المختلفة من متطلبات حماية المكان والإنسان إلى مفهوم شامل يرتبط بجودة الحياة والتنمية والاستقرار. "تاريخ المكان".. أولى الحكايات وفي أولى جلسات منصة الحوار، استعادت جلسة «تاريخ المكان: قصة الجذور والمنشأ» قصة المكان في الجزيرة العربية، وما تختزنه جغرافيتها من شواهد على تعاقب الإنسان والحضارات، متتبعة العلاقة بين البيئة والأمن والاستقرار ونشوء المجتمعات، وصولًا إلى التحولات الحديثة التي تشهدها المملكة في حماية الطبيعة وتنمية المكان. وشارك في الجلسة الباحث في الآثار والجغرافيا تركي بن إبراهيم القهيدان، والرئيس التنفيذي لجمعية المتاحف الأستاذة الدكتورة حصة بنت تركي الهذال، والكاتب والباحث والمصور المتخصص في تاريخ الطبيعة والدراسات الصحراوية والحياة الفطرية العميد محمد بن سليمان اليوسفي، والباحث في علم النسب العربي والأنثروبولوجيا السعودية بجامعة دمشق الدكتور إسماعيل محمد السلامات، فيما أدارها المدون المهتم بتاريخ الحضارات سلطان الموسى. أرض تخبئ تاريخها واستهل القهيدان حديثه بتصحيح الصورة النمطية التي تختزل تاريخ الجزيرة العربية في البيئة الصحراوية القاحلة، مشيرًا إلى ما تكشفه الدراسات الجغرافية والجيولوجية من تحولات بيئية مرت بها المنطقة منذ آلاف السنين، ووجود مجاري مائية قديمة تركت آثارها في جغرافية الجزيرة. وتناول وادي الرمة وما يرتبط به من امتدادات جغرافية قديمة، لافتًا إلى أن تحرك الرمال والتحولات الطبيعية على مدى آلاف السنين أسهما في تغيير ملامح المجاري المائية وتقسيمها إلى أودية معروفة اليوم. واستعرض خلاصة أكثر من أربعة عقود من جولاته الميدانية في الجزيرة العربية، مؤكدًا أن المكان ما زال يحتفظ بشواهد أثرية تحتاج إلى المزيد من البحث والدراسة، وفي مقدمتها الدوائر والمنشآت الحجرية المنتشرة في مناطق متعددة من المملكة. وأشار إلى أن التقنيات الحديثة والتصوير الجوي والطائرات المسيّرة أتاحت رؤية هذه المنشآت من زوايا أكثر وضوحًا، وكشفت دقة أشكالها الهندسية وامتداداتها، مبينًا أن بعض ما عاينه ميدانيًا منها يرتبط بالمدافن والممارسات الجنائزية القديمة، بما يعكس عمق الوجود البشري في الجزيرة العربية. المكان يصنع الإنسان وانتقل الحوار إلى قراءة المكان من منظور أنثروبولوجي، إذ تناول الدكتور إسماعيل السلامات أثر البيئة والظروف الاجتماعية والسياسية في تكوين الإنسان والمجتمع، مستحضرًا نشأة الدرعية والدولة السعودية الأولى. وتحدث عن التحولات التي مرت بها نجد وما شهدته بعض الفترات من ضعف اقتصادي واضطراب أمني وقطع للطرق، مؤكدًا أن الحاجة إلى الأمن والاستقرار كانت من العوامل الأساسية في بناء الدولة وترسيخ مؤسساتها. وأوضح أن الإمام محمد بن سعود أدرك منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى أهمية الحكم المنظم والأمن والقضاء والعدل والتعاون بين مؤسسات الدولة، وانطلق من الدرعية لبناء كيان سياسي قادر على حماية المجتمع وتحقيق الاستقرار. ولفت إلى أن الحوار لم يكن مفهومًا مستحدثًا في التجربة السعودية، مستشهدًا بالمجالس الاستشارية التي كانت تجمع رؤساء الأقاليم وشيوخ القبائل والعلماء والقضاة والقادة لمناقشة الشؤون الداخلية والخارجية، معتبرًا أن هذه الممارسة تمثل أحد الجذور التاريخية لثقافة الحوار في الدولة السعودية. طريق التجارة.. الأمن يصنع الازدهار وقدمت الأستاذة الدكتورة حصة الهذال قراءة لعلاقة الإنسان ببيئته، مؤكدة أن صعوبة الظروف الطبيعية وشح الموارد لم يمنعا سكان الجزيرة العربية من تطويع المكان وتحويله إلى بيئة للاستقرار والنمو. وأوضحت أن الإنسان استطاع أولًا إيجاد مواضع مناسبة للاستقرار، ثم تنميتها وحمايتها، وهو ما أسهم في ازدهار أحد أهم الطرق التجارية القديمة التي امتدت عبر الجزيرة العربية، مشيرة إلى أن جزءًا كبيرًا من هذا الطريق مر عبر أراضي المملكة الحالية. من حماية الطريق إلى حماية الطبيعة وتناول العميد محمد اليوسفي تطور مفهوم حماية البيئة والمحميات في المملكة، مؤكدًا أن البيئة الصحراوية ليست بيئة فقيرة، وإنما تمتلك تنوعًا نباتيًا وحيوانيًا يتلاءم مع طبيعتها وخصائصها. وأوضح أن التوسع العمراني والسكاني وتراجع أعداد بعض الأنواع الفطرية أسهما في بروز الحاجة إلى حماية المكونات الطبيعية، لتبدأ مرحلة مؤسسية مع إنشاء الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها عام 1986، ثم إنشاء عدد من المحميات في مناطق المملكة. وأشار إلى أن المساحات المحمية ظلت لسنوات تمثل نحو 4.25% من مساحة المملكة، قبل أن تشهد المملكة تحولًا واسعًا مع إنشاء مجلس المحميات الملكية عام 2018، وما أعقب ذلك من توسع في حماية النظم البيئية. وقال إن المساحات المحمية وصلت حاليًا، وفق ما عرضه في الجلسة، إلى نحو 18 إلى 19% من مساحة المملكة، فيما تستهدف رؤية السعودية 2030 الوصول بها إلى 30%. ولفت إلى أن نتائج هذه السياسات أصبحت ملموسة في عدد من المناطق من خلال كثافة الغطاء النباتي وعودة مظاهر طبيعية افتقدتها بعض البيئات لسنوات، فضلًا عن الآثار المنتظرة على السياحة البيئية والاستثمار والاقتصاد المحلي وحماية الحياة الفطرية. طرق الحج.. حين يصبح الأمن شاهدًا على التاريخ وعاد القهيدان بالحوار إلى واحد من أكثر المحاور اتصالًا بعنوان المؤتمر، متناولًا تاريخ الأمن على طرق الحج وما شهدته تلك الطرق عبر قرون من حالات استقرار واضطراب. واستند إلى نقوش عثر عليها خلال جولاته الميدانية، وإلى نصوص تاريخية وشعرية، في تتبع المخاطر التي واجهتها القوافل والحجاج في مراحل مختلفة، مشيرًا إلى أن النقوش ليست مجرد كلمات محفورة على الصخر، بل يمكن قراءتها بوصفها شاهدًا على أحوال الإنسان والبيئة والأمن في زمنها. واستعرض أحداثًا شهدها مطلع القرن الرابع الهجري، وما تعرضت له بعض قوافل الحج من اعتداءات، ثم خطر القرامطة وما ترتب عليه من اضطراب شديد امتد إلى مكة المكرمة، وصولًا إلى أحداث عام 317هـ واقتلاع الحجر الأسود وبقائه بعيدًا عن موضعه لسنوات. ورأى أن مثل هذه الأحداث تكشف بوضوح أثر اختلال الأمن في حركة الناس والحج والعمران وتدوين التاريخ، مشيرًا إلى أن فترات الاضطراب قد تفسر جانبًا من قلة الشواهد والمعلومات عن بعض الحقب التاريخية. الأمن المائي والغذائي ولم يقصر القهيدان مفهوم الأمن على حماية الطرق والقوافل، بل وسعه ليشمل الماء والغذاء، مستعرضًا ما أورده الرحالة ابن جبير عن الصعوبات التي واجهها الحجاج في الحصول على المياه وما صاحبها من تدافع، إضافة إلى ما سجله المؤرخ ابن عيسى عن سنوات الجوع والقحط وشدة معاناة الناس. وحملت هذه الشواهد التاريخية رسالة تجاوزت سرد الحوادث إلى إبراز قيمة ما يعيشه الإنسان اليوم من أمن واستقرار وتوافر للخدمات والموارد، وكيف شكّل الأمن بمفهومه الشامل على امتداد التاريخ شرطًا لبقاء المجتمعات ونموها. قصة واحدة.. المكان والإنسان والأمن وكشفت أولى جلسات المؤتمر أن قراءة تاريخ الجزيرة العربية لا تكتمل بالنظر إلى الأرض بمعزل عن الإنسان؛ فالجغرافيا صنعت طرقًا، والطرق أنشأت مستوطنات، والاستقرار حول المستوطنات صنع مدنًا وممالك، فيما ظل الأمن العنصر الذي يحفظ حركة الإنسان ويمنح المكان قدرته على النمو والاستمرار. وبين دوائر حجرية صمدت آلاف السنين، وطرق تجارة عبرتها القوافل، ودروب حج سجلت مراحل من الأمن والاضطراب، ومحميات تستعيد اليوم غطاءها النباتي وحياتها الفطرية، قدمت الجلسة قراءة لتاريخ المكان باعتباره ذاكرة حية تفسر جانبًا من قصة المملكة؛ جذورها في الأرض، والإنسان في قلبها، والأمن ركيزة لاستقرارها ونمائها. وهكذا يبدأ «حوار الأمن والتاريخ 2026» من المكان والإنسان، قبل أن تمتد جلساته إلى محطات أخرى من التجربة السعودية، في حوار لا يستدعي ثلاثة قرون من التاريخ لمجرد روايتها، بل يقرأها لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.