في «ثريا حبي»، يعود المخرج نيكولا خوري مع ثريا بغدادي إلى أرشيف زوجها الراحل مارون بغدادي، أحد أبرز مجدّدي السينما اللبنانية، الذي جعل من الحرب وتحولاتها الإنسانية مادةً لسينما تجمع بين الواقعية والتخييل. عبر الرسائل والذكريات، تستعيد ثريا علاقتها به، بكل ما حملته من حب وعتب وغياب، في رحلة لمصالحة الذات مع الماضي
بدأ فيلم «ثريا حبي» (80 دقيقة) من فضول المخرج نيكولا خوري تجاه ثريا بغدادي، المرأة التي عرفها من خلال علاقتها بالمخرج الراحل مارون بغدادي (1950 ــ 1993)، قبل أن تدفعه رغبته في اكتشافها إلى ما هو أبعد من صورتها بوصفها زوجته. على مدى أربع سنوات، و150 ساعة من التسجيلات والأحاديث الطويلة، فتحت ثريا أبواب ذاكرتها، مستعينة بما تركه مارون من كتابات ورسائل وتسجيلات، لتتشكل تدريجياً حكاية عن الحب والغياب والذاكرة. هكذا أبصر الفيلم النور، وعُرض للمرة الأولى في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، ضمن الدورة الـ46 من «مهرجان القاهرة السينمائي الدولي»، فيما يعرض حالياً في سينما «متروبوليس» حتى بداية تشرين الثاني (نوفمبر).
بداية التواصل
لم ينطلق فيلم «ثريا حبي» من فكرة واضحة، ولا من أسئلة محدّدة سلفاً عن حياة ثريا بغدادي وعلاقتها بزوجها الراحل. بدأ المشروع باتصال هاتفي، حين كانت ثريا مصابة بكورونا، ولا تلتقي أحداً. تدريجياً، تحوّل الحديث العفوي إلى رحلة طويلة في الذاكرة والأرشيف، وفي العلاقة بين الحضور والغياب، وصولاً إلى مواجهة حكاية شخصية ظلّت تتقلّب بين الحب والعتب، وبين الرغبة في طيّ الصفحة والحاجة إلى العودة إليها.تقول ثريا إنّها أحبّت طريقة خوري العفوية، فهو لم يأتِ حاملاً مشروعاً جاهزاً أو متيقناً سلفاً بما يريد. مع ذلك، كان لديها حذر بدايةً من مدى احترامه لخصوصية تجربتها، ولا سيّما أنّها اعتادت أن يروي الآخرون قصتها بطريقتهم، خصوصاً حين يتعلّق الأمر بمارون. لا تعترض على أن تكون للآخرين حكاياتهم الخاصة معه، لكنّها كانت تحتاج أن تروي هي حكايتها أيضاً.
من فيلم «ثريا حبي»
وأرادت مشاركة خوري بما ستكتشفه خلال العودة إلى الماضي، وأن تجد في حضوره ما يشبه المرآة أو الصدى، وشخصاً يساعدها على سماع أفكارها ورؤية ما في هذه الرحلة. يعتبر خوري أنّ هذا التردّد كان طبيعياً، فهو يدخل إلى مساحة شديدة الخصوصية في حياة شخص لا يعرفه، ولا يمكن توقّع أن تفتح له ثريا كل الأبواب منذ اللقاء الأول. كانا يحتاجان إلى مزيد من الأحاديث، ومع الوقت، بدأ الأرشيف يفتح ملفات قديمة، وراحت الحكايات تظهر بصورة عفوية. وتلفت ثريا إلى أنّ دخول مارون بينهما، من خلال رسائله التي بدآ في قراءتها، سهّل العملية، حتى بات طرفاً ثالثاً في الحوار. ومن خلال العودة إلى الأرشيف، اتضحت وجهة الفيلم بالنسبة إلى خوري، وتحديداً المساحة التي تتشكّل فيها العلاقة بين ثريا ومارون، وكيف يمكن روايتها من دون أن تتحوّل إلى مجرّد سلسلة من الأسئلة والأجوبة. إذ كان يريد أن يمنح هذه العلاقة نبضاً، وأن يجعلها حاضرة في الفيلم، لا أن يكتفي بسردها.
البحث عن فيلم داخل الأرشيف
كان هناك خيط واضح منذ بداية العمل على الفيلم، وإن لم يكن سهلاً على خوري الإمساك به مباشرة. تمحور حول العلاقة بين الغياب والحضور، وحول القصص التي تبرز من الأحاديث، وكيف يمكن لبعضها أن يستكمل بعضاً، فيما يناقض بعضها الآخر. كان البحث يدور حول ما تكشفه هذه التناقضات عن العلاقة نفسها.اللافت في الفيلم، تقنياً، هو اعتماده بشكل أساسي على تطبيق «زوم»، وهذا ما اعتبره المحيطون بخوري بأنه ضرب من جنون. لكنه كان النافذة التي استطاع من خلالها الدخول إلى حياة ثريا. فخوري يسكن في بيروت وثريا في باريس، ولم يكن سهلاً السفر لإجراء المقابلات. وهذا وفّر أيضاً مساحة أمان، فدخول حياة ثريا الخاصة كان يمكن أن يكون ثقيلاً عليها وعليه لو كان حاضراً معها بصورة دائمة. أراد خوري تقديم قصة العلاقة بكل طبقاتها، إذ يجد أشخاص مختلفون أنفسهم في أجزاء منها. استغرق الفيلم وقتاً طويلاً لتعدّد طبقاته، فكلما تعمّق في المادة، ظهرت طبقات جديدة يمكن البناء عليها، وهو ما يجعل الفيلم مفتوحاً على قراءات وتجارب مختلفة.
لم تتخيل ثريا أن قصتها ستصبح مساحة تتعرّف فيها نساء أخريات إلى تجاربهنّ
وفي لحظة تختصر هذه العلاقة المركّبة، تستعيد ثريا صورة ابنها كمال، الذي لم يعرف والده. كان كمال، حين يرى أباً مع ابنه، يدور حولهما ويلتفّ بالقرب منهما، إلى أن يجد طريقه في النهاية إلى الدخول بينهما. شعرت ثريا بأنّ نيكولا كان يفعل شيئاً مشابهاً في علاقتها بمارون، يقترب من الحكاية، ويدور حولها، ويعود إليها مراراً، إلى أن يدخل أخيراً بينهما، ويصبح جزءاً من هذه العلاقة.
محاولة لقلب الصفحة
لم تكن هذه المرة الأولى التي تعود فيها ثريا إلى أرشيف مارون، لكن هذه المرة كانت مصمّمة على قلب الصفحة والانتقال إلى مكان آخر. أدركت أنّ العودة إلى هذه الحكاية ستأخذها إلى ما يشبه العلاج النفسي، وكانت مستعدّة لذلك. وقد تصالحت اليوم مع التناقضات التي تحملها علاقتها بمارون، من دون أن تختفي هذه التناقضات نفسها.يمكنها أن تلومه، وأن تجده في الوقت نفسه شخصاً رائعاً، وتتجاوز عتبها في لحظة أخرى. لم تعد ترى ضرورة لحسم موقفها نهائياً، كما لو أنّ عليها أن تكون إمّا معه أو ضدّه. يمكنها أن تكون في الموقعين معاً، وأن تستمرّ في تغذية هذه العلاقة عبر التعايش مع طرفيها. فالحقيقة بالنسبة إليها، تكمن في مكان ما بين النقيضين. لكنّ هناك حرقة لا تزال حاضرة لديها، فمارون لم يتمكّن من رؤية الإنسانة التي أصبحت عليها اليوم.
من فيلم «ثريا حبي»
توفّي في الأربعين من عمره، فيما بلغت هي السبعين. لم يعرف الأم التي أصبحت، والجدّة، والفنانة التي تطوّرت مع الزمن. فالمسألة ليست صورتها العامة، إنما الشخصية التي تشكّلت في داخلها، بكل ما عاشته واكتسبته وتغيّر فيها.
ساعدها الرقص على التخطي. فرغم استمرارها في الرقص بعد الزواج ولو بوتيرة أقل، لكنه عاد وازدهر فيها كما تقول، بعد وفاة مارون كحركة أنقذتها من السقوط. اختارت أن تتعامل مع الحزن بالتدريج، لا دفعة واحدة، والرقص منعها من الوقوع. كانت تدرك أنّها إذا شربت حزنها دفعةً واحدة، ستقع.
من الحكاية الشخصية إلى تجربة مشتركة
عند البدء بالعمل، لم تتخيل ثريا أن قصتها ستصبح مساحة تتعرّف فيها نساء أخريات إلى تجاربهنّ. كانت تريد أن تفهم نفسها، وأن تكتشفها من خلال نظرات الآخرين. لكنّها وجدت في النهاية أنّ أجمل ما يمكن أن يفعله الآخرون هو أن يروا أنفسهم فيها، وأن يتعرّفوا إلى ذواتهم من خلالها.وهنا تبرز إحدى الأفكار الأساسية التي خرجت بها من التجربة، بأنّ جرحها لم يكن من صنع مارون. كان موجوداً فيها، وهو أظهره فحسب. وترى أنّ هذا أحد دروس الفيلم، إذ لا يمكن للمرء أن يظلّ يلوم الآخر على كل ما يشعر به، بل عليه، في مرحلة ما، أن يعود إلى نفسه ويتصالح معها، حين يدرك أنّ الآخر ليس بالضرورة مصدر الجرح.
مارون بغدادي: ما وراء الصورة
منذ سنوات دراسته في الجامعة، كان يسمع ويتحدث خوري عن مارون بغدادي، لكنه لطالما أراد اكتشاف البعد الإنساني له، وهذا ما دفعه للعمل على هذا الفيلم. اكتشف مدى شغف مارون، الذي وجده في رسائله، وفي علاقته بالسينما، وفي تفاصيل أخرى من حياته. خلف صورة مارون لدى الجمهور، تتحدث ثريا عن حدية مارون، في حضوره، وفي عواطفه، وفي رومانسيته. كان يمتلك قدرة كبيرة على حبّ الآخر، وعلى حبّ نفسه أيضاً، فضلاً عن حبّه للسينما. هذه الصفة ما زالت حاضرة في ذاكرتها. وقد يظنّ المرء أنّها فقدت هذا الجانب من حياتها، لكنّها تقول إنّها لم تفقده تماماً، إذ يمكنها العودة إليه، لأنّه لا يزال موجوداً فيها. هناك أشياء لا ينهيها الزمن، بل تظلّ قابلة للاستعادة، حتى بعد الغياب.
لا يشعر خوري أنّه وصل إلى إجابة نهائية عن سبب إنجاز هذا الفيلم. يقول إنّه لا يزال يحاول فهم ما الذي وجده فيه، وما الذي يدفعه إلى العودة إليه. في كل مرة يُعرض فيها الفيلم أو يناقشه مع الآخرين، يكتشف شيئاً جديداً، ويجد نفسه يقول: «الآن فهمت لماذا صنعت هذا الفيلم».
«ثريا حبي»: حتى 1 تشرين الثاني (نوفمبر) - الساعة 7:00 مساءً - «سينما متروبوليس» (مار مخايل). للاستعلام: 81/069530