ثروات في القمامة وسموم في الحاويات… الوجه الخفي لتجارة النفايات العالمية

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

رفعت مجموعة من أهالي مدينة جوسبيتش الكرواتية، الأحد 16 آب/أغسطس 2026، لافتة كُتب عليها: "لنضع حداً للكارثة، بادروا الى إزالة النفايات على نحو عاجل". وطالب المحتجون السلطات بإزالة مكب غير قانوني يضم نحو 37 ألف طن من المواد الخطرة، وفق ما نقلت وكالة "رويترز". ويقول الأهالي إن نحو 33 ألف طن من هذه المواد مدفونة تحت الأرض، وسط مخاوف من تلوث المياه والإضرار بالصحة العامة.

تعيد هذه الواقعة طرح سؤال يتجاوز حدود المدينة الكرواتية: أين تذهب نفايات العالم، ومن يربح من جمعها ونقلها والتخلص منها؟

الإجابة ليست واحدة. النفايات قد تكون مورداً اقتصادياً تسترد منه المعادن والطاقة، وقد تتحول إلى عبء تنقله الدول والشركات إلى أماكن أقل تكلفة وأضعف رقابة. وبين القطاع القانوني والجريمة المنظمة، نشأت تجارة عابرة للحدود يصعب أحياناً التمييز فيها بين المواد القابلة للتدوير والشحنات الملوثة أو الخطرة.

ظلت الصين لعقود الوجهة الرئيسية لمخلفات البلاستيك والورق والمعادن وغيرها من المواد القابلة لإعادة التدوير القادمة من أوروبا والولايات المتحدة ودول صناعية أخرى.

لكن بكين بدأت بتشديد القيود على هذه الواردات تدريجاً منذ 2010، ثم أطلقت سياسة "السياج الأخضر" في 2013. وجاء التحول الأكبر مع سياسة "السيف الوطني"، التي أُعلنت في 2017 وبدأ تطبيق قيودها الرئيسية مطلع 2018، فحظرت أو قيدت بشدة استيراد غالبية النفايات البلاستيكية والمختلطة ذات نسب التلوث المرتفعة.

أدى القرار إلى تكدس مواد قابلة للتدوير في مستودعات ومنشآت داخل بريطانيا والولايات المتحدة ودول أخرى، واضطرت بلديات وشركات إلى زيادة الطمر والحرق أو البحث عن وجهات جديدة، وخصوصاً في جنوب شرق آسيا وتركيا.

وسرعان ما كشف التحول عن وجهين متناقضين لهذه السوق. لقد استثمرت دول، مثل السويد وألمانيا، في التدوير واسترداد الطاقة، بينما استغلت شبكات إجرامية، بينها "الإيكومافيا" الإيطالية، التعقيدات القانونية وفروق تكلفة المعالجة لتحقيق أرباح غير مشروعة.

يقول الباحث الاقتصادي المتخصص في الشأن الإقليمي ياسر غريب لـ"النهار" إن القمامة تحولت من عبء تبحث الحكومات عن مكان لدفنه إلى مورد تتنافس عليه شركات التدوير والطاقة، وفي الوقت نفسه إلى سلعة مثالية للشبكات الإجرامية.

وقدرت شركة الأبحاث التجارية "ماركتس أند ماركتس" حجم سوق إدارة النفايات العالمية بنحو 1.22 تريليون دولار في 2024. ويشمل هذا التقدير أنشطة الجمع والنقل والفرز والتدوير والمعالجة والتخلص النهائي، ولا يمثل حجم التجارة غير المشروعة وحدها.

وفي مسار مختلف، يتوقع برنامج الأمم المتحدة للبيئة ارتفاع كمية النفايات البلدية الصلبة من نحو 2.1 مليار طن في 2023 إلى 3.8 مليارات طن بحلول 2050. وقدّر البرنامج التكلفة المباشرة لإدارة النفايات بنحو 252 مليار دولار في 2020، ترتفع إلى 361 ملياراً عند احتساب أضرار التلوث والصحة والمناخ.

ولا يمكن جمع تقدير السوق وتقدير التكلفة في رقم واحد، لأن الأول يقيس إيرادات الأنشطة والخدمات الاقتصادية، بينما يقيس الآخر النفقات المباشرة والأضرار التي يتحملها المجتمع.

تمثل السويد أحد أبرز نماذج استرداد الطاقة من النفايات. فالمواد غير القابلة لإعادة الاستخدام أو التدوير تُحرق داخل منشآت عالية الكفاءة لإنتاج الكهرباء والمياه الساخنة المستخدمة في شبكات التدفئة المركزية، مع معالجة غازات المداخن وجمع الرماد والملوثات.

وبحسب مجلس وزراء دول الشمال، ولّدت منشآت حرق النفايات السويدية في 2022 نحو 17.9 تيراواط/ساعة من الحرارة وثلاثة تيراواط/ساعة من الكهرباء. ووفرت بذلك قرابة 25 في المئة من طاقة التدفئة المركزية و1.8 في المئة من كهرباء البلاد.

ويشير غريب إلى أن نجاح النموذج خلق مفارقة لافتة: فقد أصبحت السويد تستورد نفايات ومواد متبقية بعد الفرز من دول أوروبية لتغذية منشآتها، وتتقاضى رسوماً في مقابل معالجتها، ثم تبيع الحرارة والكهرباء الناتجتين منها.

لكن الحرق ليس تدويراً، ولا يخلو من الانبعاثات الكربونية والرماد الذي يحتاج بدوره إلى معالجة آمنة. لذلك تضع المفوضية الأوروبية الوقاية من إنتاج النفايات وإعادة استخدامها وتدويرها في مراتب أعلى من استرداد الطاقة ضمن "هرم النفايات".

بنت ألمانيا منظومة صناعية متكاملة تقوم على الفرز المنزلي، ومسؤولية المنتج عن السلعة بعد انتهاء عمرها، ونظام استرداد عبوات المشروبات، إلى جانب منشآت التدوير واستعادة الطاقة.

وبحسب الوكالة الأوروبية للبيئة، بلغ معدل إعادة الاستخدام والتدوير للنفايات البلدية الألمانية نحو 69 في المئة في 2022، مقارنة برقم 67 في المئة المسجل في 2019 والمستخدم على نطاق واسع في المقارنات الدولية.

وتفيد وزارة البيئة الألمانية بأن قطاع إدارة النفايات يضم نحو 15 ألف منشأة، ويوظف أكثر من 280 ألف شخص، وتبلغ إيراداته السنوية قرابة 80 مليار يورو.

ويرى غريب أن هذه السوق القانونية الكبيرة تساعد أيضاً في تفسير انجذاب الجريمة المنظمة إلى القطاع. فالربح غير المشروع لا يأتي بالضرورة من بيع المواد المستردة، بل من تقاضي رسوم للتخلص الآمن من نفايات الشركات، ثم تجنب تكلفة المعالجة عبر تزوير المستندات أو خلط المخلفات أو دفنها وحرقها في مناطق ضعيفة الرقابة.

ويصف مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة الاتجار غير المشروع بالنفايات بأنه نشاط "مرتفع الربح ومخفوض المخاطر"، تساعد عليه سلاسل توريد معقدة واختلاف القوانين وتكاليف المعالجة بين الدول.

يظهر الوجه الإجرامي للتجارة بوضوح في إيطاليا، حيث أدركت شبكات مثل "كامورا" وطندرانغيتا" أن النفايات الصناعية يمكن أن توفر لها مصدر دخل كبيراً ومنتظماً.

وتعاقد وسطاء مع مصانع، وخصوصاً في شمال البلاد، ثم نُقلت مخلفات إلى محاجر وأراضٍ زراعية ومكبات غير قانونية في الجنوب، باستخدام شركات مرخصة ووثائق شحن مزورة ورشاوى لإخفاء مسارها، بحسب تحقيقات وتقارير، بينها المعهد الملكي للخدمات المتحدة.

ويكشف أحدث الأرقام اتساع الظاهرة. فبحسب تقرير "إيكومافيا 2025" الصادر عن جمعية "ليغامبيينتي"، بلغت القيمة المقدرة لاقتصاد الجرائم البيئية في إيطاليا نحو 9.3 مليارات يورو خلال 2024، بزيادة نصف مليار يورو عن العام السابق.

وسجل التقرير 40,590 جريمة بيئية خلال العام، بزيادة 14.4 في المئة، فيما بلغ عدد العشائر التي رُصد تورطها 389 عشيرة، بزيادة 11 عن التقرير السابق. ولا تقتصر هذه الأرقام على النفايات وحدها، بل تشمل مجموعة أوسع من الجرائم البيئية، من البناء غير القانوني إلى الاعتداء على الحياة البرية والموارد الطبيعية.

وتوجد شهادات وتحقيقات عن استخدام مخلفات سامة في الردم ومواد البناء، لكن القول إنها خُلطت على نطاق واسع وموثق بالإسمنت المستخدم في "البيوت والمدارس" يحتاج إلى أدلة أكثر تحديداً ولا يصح تقديمه حقيقة عامة.

أما المؤكد فهو أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قضت في كانون الثاني/يناير 2025 بأن إيطاليا أخفقت في حماية حق سكان "أرض الحرائق" في الحياة، بعد سنوات من الدفن والحرق غير القانونيين للنفايات في منطقة كامبانيا، التي يعيش فيها نحو 2.9 مليون شخص.