تُفاوض موسكو وتُسلّح كييف: ماذا تريد برلين من فتح اتصالات مع روسيا؟

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

وصل المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى كييف صباح الأحد 4 تشرين الأول/أكتوبر، برفقة مسؤولين في شركات دفاع ألمانية، حاملاً حزمة دعم عسكري بقيمة مليار يورو، إلى جانب خطط لاستكمال اتفاق للإنتاج المشترك للمسيّرات مع أوكرانيا.

جاءت زيارة ميرتس بعد ثمانية أيام فقط من أول لقاء بين وزيري خارجية ألمانيا وروسيا منذ الغزو الروسي عام 2022، لتشير إلى أن فتح برلين قناة مباشرة مع موسكو لا يعني تراجعاً عن دعمها العسكري لكييف.

وكان وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول قد التقى نظيره الروسي سيرغي لافروف في نيويورك لبحث ملفين يختصران طبيعة العلاقة التي تحاول برلين إدارتها مع موسكو: اتهام روسيا بمحاولة استهداف طائرتي شحن في مطار لايبزيغ بمسيّرة مفخخة، وتعطّل صادرات الحبوب عبر البحر الأسود، بما يزيد الضغوط على الدول المستوردة للغذاء.

وبينما تسعى ألمانيا إلى انتزاع تفاهم محدود يؤمّن الملاحة وصادرات الحبوب، تتحرك في الاتجاه المقابل لتعزيز القدرات العسكرية الأوكرانية. فإلى أي مدى تستطيع برلين إبقاء قناة اتصال فاعلة مع موسكو، فيما تصبح أكثر انخراطاً في تسليح خصمها؟

وقال فاديفول إن اللقاء أتاح لبرلين نقل موقفها مباشرة إلى موسكو بشأن محاولة استهداف طائرتي شحن في مطار لايبزيغ، إلى جانب بحث تعطّل صادرات الحبوب عبر البحر الأسود، بعدما طلبت دول عدة من ألمانيا المساعدة في إيجاد مخرج للأزمة.

من جهته، قال لافروف إن موسكو تجري محادثات مع مصر والهند وتركيا بشأن ضمان سلامة الملاحة في البحر الأسود، محمّلاً أوكرانيا مسؤولية الهجمات على السفن. وفي المقابل، شددت برلين على أن موقفها من الحرب ودعم أوكرانيا لم يتغير، فيما أقرت الخارجية الألمانية بعد يومين من الاجتماع بأنه لم يسفر عن نتيجة ملموسة في ملف صادرات الحبوب، ولم تعلن أي خطوة ديبلوماسية جديدة لمواصلة هذا المسار.

ويقدّم الباحث في الشؤون الروسية غيرهارد مانغوت قراءة أكثر تشككاً لدوافع اللقاء. ففي تصريحاته لـ"النهار"، يستبعد أن يكون الاجتماع بداية انفراج أو تمهيداً لمفاوضات جدية، ويرى أن برلين سعت إليه أساساً لاعتبارات داخلية، مع تصاعد الأصوات الألمانية المطالبة بالتفاوض مع موسكو. وبحسب مانغوت، أرادت الحكومة أن تبدو مستجيبةً لهذا الضغط، من دون أن تكون مستعدةً لانخراط ديبلوماسي فعلي مع روسيا.

وتفسّر نظرة موسكو إلى ألمانيا ضيق مساحة الحوار. إذ يقول مانغوت إن روسيا تعدّ برلين من أشد داعمي أوكرانيا، وترى أنها تدفع الدول الأوروبية الأخرى إلى زيادة دعمها، بل تنظر إليها، بحسب تعبيره، بوصفها "محرّضاً على الحرب". لذلك لا يرى مانغوت مصالح متقاطعةً بين الطرفين في المرحلة الراهنة، فروسيا تريد الانتصار في الحرب، بينما تعمل ألمانيا على هزيمتها.

كما يستبعد أن يدفع الضغط الاقتصادي موسكو إلى قبول وقف جزئي لإطلاق النار في البحر الأسود، ما دامت أوكرانيا تهاجم الأراضي الروسية والناقلات الروسية، وتواصل موسكو الرد بالمثل.

وتعزز زيارة ميرتس إلى كييف هذه القراءة. فإلى جانب المساعدة العسكرية الجديدة، ركزت الزيارة على توسيع التعاون الصناعي الدفاعي، خصوصاً في إنتاج المسيّرات الاعتراضية، فيما جدّد المستشار الألماني موقفه بأن استمرار الهجوم الروسي يمثل خطراً أوسع على الأمن الأوروبي. وقبل ثلاثة أيام من الزيارة، كان ميرتس قد حذر أيضاً من تصاعد الهجمات الروسية الهجينة، بما فيها المسيّرات والهجمات الإلكترونية.

لكن البحر الأسود يفرض منطقاً مختلفاً. فروسيا وأوكرانيا من كبار مصدري الحبوب، فيما أدت الهجمات على الموانئ والسفن إلى تعطيل مسارات رئيسية ورفع كلفة الشحن.

وكانت "النهار" قد تواصلت مع الزميل البحثي الفخري في المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية جوزيف غلاوبر، الذي أحالها إلى دراسات كتبها بشأن اضطرابات تجارة البحر الأسود. وتوضح هذه الدراسات أن أوكرانيا تستطيع تحويل جزء من صادراتها إلى نهر الدانوب والطرق البرية، لكن بكلفة أعلى، فيما تواجه روسيا بدورها قيوداً على إيجاد بدائل كاملة لموانئ البحر الأسود.

وتظهر التطورات الأخيرة حجم المشكلة. فالهجمات عطلت مرافق روسية تمثل نحو 20 بالمئة من طاقة تصدير الحبوب في البحر الأسود وبحر آزوف، بينما أدى الضغط على الموانئ الأوكرانية إلى زيادة الاعتماد على موانئ الدانوب والمسارات البرية الأعلى تكلفة.

وينعكس تعطل هذه الإمدادات بصورة خاصة على دول تعتمد بدرجات متفاوتة على قمح البحر الأسود، بينها مصر وتونس والأردن واليمن وكينيا، إلى جانب مستوردين كبار في آسيا مثل إندونيسيا.

لكن المصالح التجارية وحدها لا تضمن المضي قدماً في التوصل لاتفاق، وخصوصاً أن الخلاف يرتبط بشروط وقف الهجمات، وما إذا كان أي تفاهم بحري سيشمل منشآت الطاقة والسفن الروسية والأوكرانية على قدم المساواة. ويرى مانغوت أن الضغط الاقتصادي وحده لن يكون كافياً على الأرجح لدفع موسكو إلى هدنة بحرية طالما الهجمات داخل روسيا وعلى ناقلاتها مستمرة.

كانت عائلتها توثّق تفاصيل حياتها اليومية، من اللعب وحضور مواعيدها الطبية، إلى قضاء الوقت مع أفراد عائلتها.