تُــــدرَكُ الـــراحـــــاتُ .. بالتـعـــب!

أَتْعَبَتْها بالمغازي واسترحت بها.. وَإِنَّما تَحْصُلُ الراحاتُ بالتَّعَبِ هذا البيت من تراثنا الشعري العربي، للشاعر جعفر الحِلّي، في قصيدة طويلة امتدح بها محمد الرشيد، وهو يصف المغازي المُعاودة التي كان يقتحم غمارها ابن الرشيد. غير أنه في معنى البيت قد مزج فكرة فلسفية من واقع الحياة المعيشة، مفادها أن أقصر طريق إلى الراحة يكمن في (التعب)، وفي خوض الصعب، ومسايرة النَّصَب؛ وكل ذلك في مجمله يفضي إلى أن يشعر المرء بتلك الراحة اللذيذة حين يقف لالتقاط أنفاسه بعد نصيب وافر من الحركة والجهد، حيث تُدرك الراحة بنقيضها. ومن ذلك يُشتق معنىً في ثقافتنا العربية يقول: «بالنقائض تُدرك الأشياء»؛ فإذا ما أراد المرء ملامسة هدب الراحة، فلا بد أن يسبقه بالتعب. ويتوافق هذا الطرح مع بيت أبي تمام الشهير: بَصُرْتُ بِالرَّاحَةِ الكُبْرَى فَلَمْ أَرَهَا تُنَالُ إِلَّا عَلَى جِسْرٍ مِنَ التَّعَبِ فكأن أبا تمام يجعل من التعب معبرًا أشبه بالجسر، الذي يتشكّل من خطوات متتالية، ويعبر بنا من ضفة إلى أخرى. غير أن الجسور فيما مضى لم تكن بذلك المأمن أثناء عبورها، فكأنه يشير إلى أن التعب والمخاطرة قد يكونان طريق المرء إلى بقعة أمثل، ومكان أعلى وأفضل. وهناك، عند الوصول واكتمال العبور، تتجلّى الراحة في سعادة الإنجاز، وإعطاء النفس حقها من الاستجمام. وفي علم النفس، يفسّر مفهوم تبرير الجهد (Effort Justification)، المرتبط بأبحاث ليون فستنغر (Leon Festinger)، جانبًا من ميل الإنسان إلى إضفاء قيمة أكبر على ما بذل في سبيله مشقة. فالجهد الذي نستثمره في تجربة ما قد يغيّر نظرتنا إليها، ويجعلنا أكثر تقديرًا لما انتهت إليه، وذلك أن التعب واستفراغ الجهد يصقلان في أنفسنا مهارة جديدة، أو زاوية أوسع للنظر، أو يؤدي إلى بزوغ فكرة أو ابتكار عند تحليل التجربة وانعكاساتها أثناء الفسحة والمستراح من عناء المسير. ومن زاوية أخرى وأخيرة، يُعرف مفهوم التكيّف اللذّي (Hedonic Adaptation)، في علم النفس وهو ميل الإنسان إلى الاعتياد على الأحوال والمكاسب التي تتكرر في حياته، حتى تخفت استجابته الشعورية لها بمرور الوقت. ولعل في ذلك ما يفسر أن الراحة حين تطول وتصبح مألوفة، قد تفقد شيئًا من لذتها الأولى، بينما يستعيد المرء تقديره لها حين يختبر نقيضها. وكأن النفس تحتاج أحيانًا إلى التأرجح ما بين التعب والمرور به، ثم الاستراحة أو ما يسميه البعض استراحة محارب! لحظة ختام: يقول ابن القيم رحمه الله : «قد أجمع العقلاء على أنّ النعيم لا يُدرك بالنعيم وأن من آثر الراحة فاتته الراحة، وأنه بقدر الأهوال واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة، فلا فرحة لمن لا همّ له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له»