تيماء في النصوص المسمارية الآشورية والبابلية.. (قراءة في مكانة الواحة خلال الألف الأول قبل الميلاد) – عمرو أبوالعطا

لم تكن واحة تيماء، الواقعة في شمال غرب شبه الجزيرة العربية، مجرد محطة تتوقف عندها القوافل القادمة من الجنوب في طريقها إلى بلاد الرافدين وبلاد الشام، بل كانت إحدى أهم العقد التجارية والسياسية في الشرق الأدنى القديم. فقد منحها موقعها الجغرافي مكانة استثنائية على طريق البخور، وجعلها حلقة وصل بين ممالك جنوب الجزيرة العربية والعالم القديم، الأمر الذي جذب إليها اهتمام الإمبراطوريات الكبرى، وفي مقدمتها الإمبراطورية الآشورية ثم الإمبراطورية البابلية الحديثة. ولهذا لم يكن ظهور اسمها في النصوص المسمارية أمراً عابراً، بل يعكس إدراك تلك القوى لأهمية هذه الواحة ودورها في الاقتصاد والسياسة الإقليميين.

تكمن أهمية النصوص المسمارية في أنها تمثل أقدم الشهادات المكتوبة عن تيماء خلال الألف الأول قبل الميلاد، وهي فترة تندر فيها المصادر المحلية. ورغم أن هذه النصوص كُتبت من منظور الملوك الآشوريين والبابليين، فإنها تقدم معلومات ثمينة عن طبيعة العلاقات التي ربطت تيماء بالقوى الكبرى، وتوضح مكانتها ضمن شبكة التجارة الدولية التي كانت تنقل البخور والمر والذهب والأحجار الكريمة وسلع الجزيرة العربية إلى أسواق العراق والشام ومصر.

تبدأ الإشارات المبكرة إلى تيماء في نصوص حكام مملكة سوحو، وهي مملكة آرامية قامت على الفرات الأوسط وسيطرت على جزء مهم من الطرق البرية المؤدية إلى الجزيرة العربية. وتكشف هذه النصوص أن تيماء كانت جزءاً من شبكة تجارية واسعة قبل التوسع الآشوري المباشر بوقت طويل، فقد ورد في أحد نصوص الحاكم نينورتا-كودوري-أوصور النص المسماري:

«100 KASKAL.II sa LU.te-ma-a-a u LU.sa-ba-a-a sa a-sar-su-nu ru-u-qu.»

«مائة من حمولة قافلة التيمائيين والسبئيين الذين يقع موطنهم في مكان بعيد».

تكشف هذه العبارة القصيرة عن دلالات تاريخية مهمة. فهي تؤكد وجود قوافل ضخمة تنطلق من تيماء وسبأ، كما تشير إلى طول المسافات التي كانت تقطعها تلك القوافل للوصول إلى الفرات. ويبدو واضحاً أن حكام سوحو كانوا يراقبون هذه الحركة التجارية، وربما فرضوا رسوماً أو مارسوا السيطرة العسكرية على بعض الطرق، وهو ما يعكس قيمة التجارة العربية بالنسبة إلى الممالك الواقعة شمال الجزيرة العربية.

كما يقدم النص دليلاً على أن تيماء لم تكن سوقاً محلية محدودة، بل مركزاً تتجمع فيه القوافل القادمة من الجنوب قبل مواصلة رحلتها نحو العراق والشام. ومن ثم أصبحت الواحة عنصراً رئيسياً في حركة التجارة الدولية، وهو ما يفسر استمرار ذكرها في النصوص الإمبراطورية اللاحقة.

ومع صعود الإمبراطورية الآشورية الحديثة في القرن الثامن قبل الميلاد، تغيرت طبيعة العلاقة بين تيماء والقوى الكبرى. فقد اتجه الملوك الآشوريون إلى تأمين طرق التجارة الصحراوية وإخضاع القبائل العربية والواحات الواقعة على امتدادها، سعياً إلى ضمان تدفق السلع الثمينة إلى الإمبراطورية.

ويظهر هذا التحول بوضوح في حوليات الملك تغلات بلاصر الثالث، الذي قاد سلسلة من الحملات العسكرية نحو بلاد الشام وشمال الجزيرة العربية. ففي إحدى حولياته، التي تؤرخ لحملاته بين سنتي 734 و732 ق.م، ورد النص:

«ma-da-at-tu sa msa-am-si sar-rat KUR.a-ri-bi … LU.te-ma-a-a LU.sa-ba-a-a ... KU.GI KU.BABBAR ANSE.GAM.MAL.MES SIM.HI.A.»

«جزية سامسي ملكة العرب... والتيمائيين والسبئيين... وكانت من الذهب والفضة والإبل وأنواع البخور».

يعد هذا النص من أهم الوثائق المتعلقة بتاريخ تيماء، لأنه يثبت أن الواحة أصبحت جزءاً من النظام السياسي الذي فرضته الإمبراطورية الآشورية على المنطقة. فالجزية لم تكن مجرد ضريبة مالية، بل إعلاناً بالخضوع السياسي مقابل ضمان الأمن واستمرار النشاط التجاري.

كما يكشف النص طبيعة اقتصاد تيماء، فالسلع المذكورة تمثل أهم صادرات الجزيرة العربية في ذلك العصر. فالذهب والفضة يعكسان ثراء التجارة، والإبل كانت وسيلة النقل الرئيسة للقوافل، أما البخور فكان السلعة الأغلى ثمناً في الأسواق القديمة، إذ استخدم في الطقوس الدينية وصناعة العطور والتحنيط.

وتشير الإشارة إلى سامسي، ملكة العرب، إلى وجود تنظيم سياسي عربي أوسع كانت تيماء جزءاً منه أو ترتبط به بعلاقات وثيقة. وهذا يؤكد أن الواحة لم تكن معزولة عن محيطها، بل كانت جزءاً من شبكة من التحالفات والمصالح الاقتصادية امتدت عبر شمال الجزيرة العربية.

ويواصل الملك الآشوري سرجون الثاني السياسة نفسها بعد توليه الحكم سنة 721 ق.م. فقد حرص على تثبيت النفوذ الآشوري في المناطق الصحراوية، واستمرت حملاته ضد القبائل العربية والكيانات الواقعة على طرق التجارة.

وتذكر حولياته تقديم الجزية من قبل عدد من الحكام العرب، ومن بينهم سامسي مرة أخرى، حيث جاء في النص:

«ma-da-at-tu sa mpi-ir- «u LUGAL KUR.mu-su-ri msa-am-si sar-rat KUR.a-ri-bi mit-»a-ma-ra LU.sa-ba-»a-a...»

«جزية فرعون ملك مصر، وسامسي ملكة العرب، وإيتامارا السبئي...»

ورغم أن اسم تيماء لا يرد هنا بصورة مباشرة، فإن السياق التاريخي يوضح أنها بقيت ضمن المجال العربي الذي خضع للنفوذ الآشوري. وتكشف النصوص الأخرى من عهد سرجون الثاني عن حملات استهدفت قبائل عربية عديدة، منها ثمود وعباديد ومرسيمانو وخيابا، وهي قبائل يصفها الملك بأنها لم تكن تعرف دفع الجزية من قبل.

ويفهم من ذلك أن السياسة الآشورية لم تقتصر على السيطرة العسكرية، بل هدفت إلى إخضاع كامل طرق التجارة الصحراوية. وكانت تيماء، بحكم موقعها، إحدى أهم المحطات التي لا يمكن تجاهلها في هذا المشروع الإمبراطوري.

وتشير هذه التطورات إلى أن العلاقة بين تيماء وآشور أصبحت أكثر تنظيماً مما كانت عليه في عصر حكام سوحو. ففي البداية كانت القوافل تمر عبر أراضٍ تتقاسم السيطرة عليها ممالك محلية، أما في العصر الآشوري فقد أصبحت التجارة جزءاً من منظومة سياسية تشرف عليها الإمبراطورية مباشرة، الأمر الذي وفر قدراً من الأمن، لكنه فرض أيضاً التزامات مالية وسياسية على الواحات العربية.

ويبلغ الاهتمام الآشوري بتيماء ذروته في عهد الملك سنحاريب، الذي حكم بين عامي 704 و681 قبل الميلاد. ففي نقش شهير يتعلق بمدينة نينوى، ورد اسم إحدى بوابات العاصمة باسم:

«KA.GAL nereb kad-re-e LU.su-mu-»i-il u LU.te-e-me.»

«بوابة مدخل هدايا السمؤليين والتيمائيين».

وتعد هذه التسمية من أكثر الإشارات دلالة في تاريخ تيماء القديم، لأنها تكشف أن الواحة لم تكن مجرد منطقة خاضعة للنفوذ الآشوري، بل أصبحت اسماً معروفاً داخل العاصمة الإمبراطورية نفسها. ومن النادر أن تحمل إحدى بوابات نينوى اسم منطقة صحراوية بعيدة، وهو ما يدل على المكانة الاقتصادية التي احتلتها تيماء في الوعي الآشوري.

ويرى عدد من الباحثين أن هذه التسمية تشير إلى البوابة التي كانت تستقبل القوافل القادمة من الجزيرة العربية، أو إلى الطريق المؤدي إليها، وربما ارتبطت بوجود تجار عرب يقيمون في نينوى بصورة دائمة. وفي الحالتين فإن الاسم يعكس عمق العلاقة التجارية بين الطرفين، ويؤكد أن تيماء أصبحت إحدى البوابات الاقتصادية المهمة للإمبراطورية.