“تيك توك” يشخّص أشرس أفات العصر

في الماضي السحيق، حينما كنت في عشرينياتي، جرت العادة بعد أن أنتهي من مهام يومي أن أزور منزل أعز صديقاتي منذ الطفولة -رحمها الله- والذي لا يبعد سوى 5 كيلومترات عن منزلي، فنقضي معاً ساعة أو ساعتين حتى تبدأ إحدانا بالتثاؤب. كنا نقتعد كنبة الصالة، وأحياناً تلتحق بنا إحدى شقيقاتها أو أمها، ونتحدث. وإذا سألتموني الآن عما كنا نتحدث في لقاءاتنا المتكررة مرات عدة أسبوعياً، لقلت بصدق: لا شيء.ثمة حميمية في ذلك "اللاشيء"، وفي أعقاب القصص غير المكتملة، وفي الثرثرة المهلهلة التي لا مبتدأ لها ولا خبر، بينما نميل -لو تلاحظون- إلى أن ندّخر أعجب حكاياتنا، وأفصح قناعاتنا، لمن تضمحل معرفتنا بهم، أو من لا زلنا في طور نيل إعجابهم. طبعاً، لم يكن هدفنا هو الحديث، بل الاستئناس برفقة بعضنا بعضاً من دون تكلّف ولا فذلكة ولا تخطيط.اليوم، أصبح "اللاشيء" يأتيكم افتراضياً عبر بث "تيك توك" حيّ يقدمه أحد المشاهير الخاوين من المضمون. يظهر أمامكم، فلا هو يشرح الأحداث السياسية والعسكرية الراهنة، ولا هو بالناقد المصلح لشؤون بلده، ولا هو حتى بمحلل فني لمباريات كرة القدم. إنه يتحدث فقط، عن اللا شيء، الأمر الذي لا يُفترض به أن يمتعكم ولا يجذبكم أصلاً باعتباره يصدر عن غريب. سيقص عليكم هذا النكرة مغامراته التي لا تعنيكم، وتجاربه التي لن تضيف إليكم، وسيشاطركم آراء غبية لأنه ممن لا يبرعون في أي المجالات.ولست هنا لأشنع عليكم حلولكم ضيوفاً على مجالس "اللاشيء" الافتراضية هذه، ولن ألتحق بمن يجزمون بأن التفاهة والفراغ فحسب هما اللذان يقودان الناس إلى التسمر أمام بثوث "تيك توك".

بت أرجّح بأن العديد من المتابعين إنما ينشدون الحميمية الكامنة في الثرثرة السخيفة والنقاشات الركيكة، ويريدون التواجد العفوي غير المتكلف من حول الآخرين، حيث يُحاطون بالصخب والضحك، ويستمتعون بالرفقة، من دون مطالبتهم بالإبهار وتقديم الكثير.غالباً، بين متابعي تلك البثوث من أزعجهم الصمت من حولهم -وليس صمتاً حرفياً بالضرورة- فباتت عليهم تهدئته بـ"أحاديث اللاشيء". إنهم في جوع للتواصل البشري المريح، وهم الذين تعقّد تواصلهم بمحيطهم لأي سبب كان، فربما سئموا ببساطة طرق أبواب الوصل ليصطدموا في كل مرة بالجداول المزدحمة، والمشاغل، والتشاغل، والتهرب، ورفض التنازل.ونجوم "تيك توك" يلبون هذا الاحتياج الخاص جداً. فكم من "تيك توكر" خليجي -مثلاً- يتربع أمامكم على "موكيت" مجلس الضيوف، كما هي عاداتنا في الخليج، وينصب "الدلة"، ويدير فنجانه محركاً حثالة القهوة، فلا ينقصكم في تلك اللحظة سوى شمّ رائحة البخور عبر الشاشة، أو تذوق حلاوة التمور في أفواهكم، لتنتقلوا بأجسادكم قبل أرواحكم إلى مجلس "اللاشيء" العامر.

أتفق بأن بثوث "تيك توك" أضحت انعكاساً للسُفه ولإهدار الوقت. ولكنها أيضاً عارض محزن لأشنع أمراض العصر الحديث: الوحدة.