تيغراي على حافة جولة جديدة من الحرب.. تصعيد عسكري يثير مخاوف القرن الأفريقي

تعود منطقة تيغراي شمالي إثيوبيا إلى واجهة المشهد الأمني في القرن الأفريقي، مع تصاعد التقارير عن مواجهات عسكرية بين القوات الحكومية الإثيوبية وقوات مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي، وسط مخاوف متزايدة من انهيار الهدوء الذي أعقب اتفاق بريتوريا للسلام الموقع في نوفمبر 2022.

وتأتي التطورات الجديدة في وقت لا تزال فيه تداعيات الحرب السابقة حاضرة بقوة، فيما تثير التحركات العسكرية والتوترات السياسية المتصاعدة تساؤلات بشأن قدرة الأطراف على الحفاظ على الترتيبات التي أوقفت واحدة من أكثر النزاعات دموية في القارة خلال السنوات الأخيرة.

وتتحدث مصادر ووسائل إعلام مؤيدة لجبهة تحرير شعب تيغراي عن معارك عنيفة وخسائر كبيرة في صفوف القوات الإثيوبية، إلى جانب ما تصفه تلك المصادر بانتصارات ميدانية لقوات تيغراي.

لكن هذه الروايات لا تزال بحاجة إلى تحقق مستقل، في ظل صعوبة الوصول إلى مناطق القتال والتحقق من المعلومات المتداولة بشأن أعداد القتلى والجرحى وطبيعة المواقع التي يقال إن أحد الأطراف سيطر عليها.

كما انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة قيل إنها توثق قتلى ومعدات عسكرية إثيوبية، إلا أن تحديد تاريخ تصوير هذه المقاطع ومكانها والتحقق من ارتباطها بالمواجهات الحالية لم يتسن بشكل مستقل حتى الآن.

وبالتالي، فإن الحديث عن "خسائر كبيرة" أو "انتصارات ميدانية حاسمة" يبقى، في الوقت الراهن، ضمن الروايات المتداولة التي تحتاج إلى أدلة ميدانية مستقلة.

ويعيد التصعيد الحالي إلى الأذهان الحرب التي اندلعت في تيغراي عام 2020، وانتهت باتفاق بريتوريا في جنوب إفريقيا عام 2022.

وقد أسهم الاتفاق في وقف القتال واسع النطاق بين الحكومة الإثيوبية وقوات تيغراي، لكنه لم ينهِ جميع الملفات السياسية والأمنية العالقة.

ومن أبرز هذه الملفات مستقبل المناطق المتنازع عليها، وترتيبات الأمن في الإقليم، ونزع السلاح، وعودة النازحين، والعلاقة بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية في تيغراي.

ومع استمرار هذه الملفات دون تسوية نهائية، ظل السلام في الإقليم هشًا وقابلًا للتأثر بأي تصعيد سياسي أو عسكري.

ولا يمكن قراءة التطورات في تيغراي بمعزل عن العلاقة المتوترة بين إثيوبيا وإريتريا.

فالدولتان ترتبطان بتاريخ طويل من النزاعات، كان أبرزها الحرب الإثيوبية الإريترية بين عامي 1998 و2000، قبل أن تشهد العلاقات انفراجة كبيرة بعد وصول رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى السلطة.

لكن السنوات الأخيرة شهدت عودة التوتر بين الطرفين، بالتزامن مع خلافات مرتبطة بالحدود والأمن الإقليمي وطموحات إثيوبيا المتعلقة بالوصول إلى البحر الأحمر.

وتتهم أديس أبابا أسمرا بالتدخل في الشأن الإثيوبي ودعم جماعات مسلحة، بينما تنفي إريتريا اتهامات من هذا النوع.

وتزداد حساسية الملف مع تداول معلومات غير مؤكدة عن احتمال مشاركة طائرات يُشتبه في أنها إريترية في العمليات العسكرية الجارية داخل تيغراي.

ولا تتوافر، حتى الآن، أدلة مستقلة كافية لتأكيد هذه المزاعم، كما لم يصدر تأكيد رسمي مستقل يثبت مشاركة القوات الإريترية في المواجهات الحالية.

ويحمل أي تصعيد واسع في تيغراي تداعيات تتجاوز حدود الإقليم.

فتيغراي تقع بالقرب من الحدود مع إريتريا والسودان، بينما ترتبط إثيوبيا في الوقت نفسه بتحديات أمنية في أقاليم أخرى، من بينها أمهرا وعفار.

وفي حال تحول المواجهات إلى حرب واسعة، فإن الضغوط الإنسانية قد تتزايد، بما في ذلك موجات جديدة من النزوح، فضلًا عن احتمالات انتقال تداعيات الصراع إلى المناطق الحدودية.

ويأتي ذلك في منطقة تعاني أصلًا من أزمات متشابكة في السودان والصومال وإثيوبيا، ما يجعل أي حرب جديدة في تيغراي مصدر قلق إقليمي يتجاوز الحسابات الإثيوبية الداخلية.

السؤال الأبرز الآن لا يتعلق فقط بحجم المعارك الحالية، وإنما بقدرة الأطراف على منع تحولها إلى مواجهة شاملة.

فإذا ظلت الاشتباكات محدودة، فقد تكون هناك فرصة لاحتوائها عبر القنوات السياسية والضغوط الإقليمية والدولية.

أما إذا توسعت العمليات العسكرية، ودخلت أطراف إقليمية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فقد يصبح من الصعب السيطرة على مسار التصعيد.

وتبقى المعلومات المتعلقة بأعداد الضحايا والسيطرة على المواقع العسكرية ومشاركة أطراف خارجية بحاجة إلى تحقق مستقل، في وقت تتسارع فيه الروايات المتضاربة القادمة من مناطق الصراع.

لكن المؤكد أن عودة القتال واسع النطاق في تيغراي ستكون ضربة قوية لاتفاق بريتوريا، وتهديدًا جديدًا لاستقرار إثيوبيا والقرن الأفريقي بأكمله.

فبعد سنوات قليلة فقط من انتهاء الحرب، تقف تيغراي أمام اختبار جديد: هل يستطيع السلام الصمود أمام تصاعد التوتر، أم أن المنطقة تقترب من جولة جديدة من الصراع؟