توليد الأفكار الإبداعية في صناعة المحتوى (1-2) – د. يحيى جابر

صناعة المحتوى الإعلامي في العصر الحديث الرقمي هو تحول مهم في عالم الإعلام الحديث، ومن الخصائص المهمة لصناعة المحتوى الحديث امتلاك القدرة على توليد الأفكار الإبداعية، لأن الفكرة هي نقطة البداية التي تحدد الموضوع، والزاوية، والقصة، والشكل، والمنصة، والجمهور، والقيمة التي يمكن أن يقدمها المحتوى، وفي بيئة إعلامية تنتج فيها كميات هائلة من المواد كل يوم.

وهنا نسأل أو نتساءل، ما الفكرة التي تستحق أن ننشرها وماهي الرسائل المراد إرسالها للمتلقي؟، ومن يقف ويحدد جودة الفكرة؟، وهنا تؤكد الأدبيات العلمية أن التفكير الإبداعي لا يقوم على عنصر واحد، بل يرتبط بمجموعة من القدرات من بينها سمات مهمة منها، الطلاقة والمرونة والأصالة والتخيل والملاءمة، وهو ما أكدته، دراسة منشورة في مجلة كلية التربية بجامعة المنصورة هذه الأبعاد على عينة بلغت 520 طالباً وطالبة، «المصدر ـ زينب محمد عبدالله علي، جامعة المنصورة، مصر، دراسة «البنية العاملية للتفكير الابتكاري في ضوء قدرات الطلاقة والمرونة والأصالة والتخيل والملاءمة»، مجلة كلية التربية بالمنصورة، 2021»، وأعتقد أن هذه المكونات الخمسة تصلح أساساً عملياً لفهم صناعة الفكرة الإعلامية، لأن صانع المحتوى يحتاج إلى إنتاج عدد كبير من الأفكار، ثم الانتقال بينها، ثم اختيار الفكرة الأكثر أصالة وملاءمة، ثم تخيل الطريقة التي يمكن أن تتحول بها إلى محتوى قابل للمشاهدة، والفكرة الإبداعية لا تعني بالضرورة أن يكون الموضوع جديداً تماماً لم يسبق للإنسان أن تناوله، فالإبداع قد يظهر في الزاوية الجديدة، أو في طريقة الربط بين معلومات معروفة، أو في اختيار شخصية لم تحظ بالاهتمام، أو في تحويل رقم جامد إلى قصة إنسانية، أو في تقديم قضية قديمة من منظور جديد، ولهذا يمكن أن يكون الموضوع نفسه موجوداً في عشرات وسائل الإعلام، لكن المادة التي تقدم سؤالاً مختلفاً أو شخصية مختلفة أو تجربة مختلفة تصبح محتوى جديداً في نظر الجمهور، وهذا يعني أن صانع المحتوى المحترف لا يبحث دائماً عن موضوع لم يكتشفه أحد، وإنما يبحث عن طريقة لم يفكر بها الآخرون لتقديم موضوع يعرفه الجميع.

وفي تقديري أن هذه هي نقطة التحول الأساسية بين المحتوى الذي يكرر السوق والمحتوى الذي يصنع لنفسه مساحة خاصة، وتبدأ عملية توليد الأفكار من الطلاقة الفكرية، أي القدرة على إنتاج أكبر عدد ممكن من البدائل خلال وقت محدد، لأن الفكرة الأولى التي تخطر في الذهن ليست بالضرورة أفضل فكرة، بل غالباً ما تكون أكثر الأفكار سهولة واعتياداً، بينما تظهر الأفكار الأكثر تميزاً بعد أن يتجاوز العقل الحلول الأولى والمألوفة، وتوضح الدراسات التي تناولت التفكير الإبداعي أن الطلاقة تمثل أحد المكونات الأساسية للإبداع إلى جانب المرونة والأصالة، «المصدرـ سليم عطاوة ولخضر قويدري، جامعة الوادي، الجزائر، دراسة «أبعاد التفكير الإبداعي في ظل المتغيرات المعدلة لدى تلاميذ السنة الثالثة ثانوي بالأغواط»، مجلة العلوم النفسية والتربوية، 2020».

وهنا أرى أن هذه القاعدة مهمة جداً في غرف صناعة المحتوى، فبدلاً من سؤال الكاتب، ما فكرتك؟، يمكن أن نسأله، سؤالا آخر، أعطني 10 أفكار حول الموضوع نفسه، ثم نبدأ بعد ذلك في اختبارها، لأن الهدف في المرحلة الأولى ليس الوصول إلى أفضل فكرة، وإنما توسيع مساحة الاختيار، أما المرونة فتعني قدرة صانع المحتوى على تغيير زاوية النظر إلى القضية، فإذا كان الموضوع مثلاً عن الزراعة، يمكن تقديمه من الزاوية الاقتصادية، أو البيئية، أو الاجتماعية، أو الصحية، أو التقنية، أو الإنسانية، وإذا كان الموضوع عن الرياضة، يمكن تناوله من زاوية الأداء، أو الاقتصاد، أو الجماهير، أو الهوية الوطنية، أو الثقافة، أو السياحة، أو الإعلام، وبذلك يتحول الموضوع الواحد إلى مجموعة كبيرة من الأفكار.

وقد تناولت الدراسات العربية المرونة بوصفها أحد الأبعاد الأساسية للتفكير الإبداعي، «المصدرـ سليم عطاوة ولخضر قويدري، جامعة الوادي، الجزائر، دراسة «أبعاد التفكير الإبداعي في ظل المتغيرات المعدلة لدى تلاميذ السنة الثالثة ثانوي بالأغواط»،مجلة العلوم النفسية والتربوية، 2020»، وهذا يعني أن الكاتب الذي لا يغير زاوية النظر سيجد نفسه سريعاً أمام تكرار الموضوعات، بينما يستطيع الكاتب المرن أن يستخرج من الموضوع الواحد عشرات المعالجات، ثم تأتي الأصالة، وهي التي تمنح الفكرة شخصيتها وتميزها، لكن الأصالة لا تعني الغرابة لمجرد الغرابة، ولا تعني البحث عن فكرة صادمة أو مثيرة للجدل بأي ثمن، وإنما تعني أن تقدم الفكرة إضافة أو زاوية أو تركيباً غير مألوف، وقد أكدت الدراسات المتعلقة بالتفكير الابتكاري أن الأصالة عنصر أساسي في البنية الإبداعية إلى جانب الطلاقة والمرونة والتخيل والملاءمة، «المصدر ـ زينب محمد عبدالله علي، جامعة المنصورة، مصر، دراسة «البنية العاملية للتفكير الابتكاري في ضوء قدرات الطلاقة والمرونة والأصالة والتخيل والملاءمة»، مجلة كلية التربية بالمنصورة، 2021»، وهذا يعني أن الفكرة الإبداعية الناجحة يجب أن تكون مختلفة ومناسبة في الوقت نفسه، فليس كل ما هو غريب إبداعاً، وليس كل ما هو جديد مفيدا.

ومن أهم مصادر الأفكار الملاحظة اليومية، فصانع المحتوى الذي يعيش بعين المشاهد فقط يرى الأحداث، أما صانع المحتوى الذي يعيش بعين الباحث فيرى الأسئلة الموجودة خلف الأحداث، فالمشهد في السوق يمكن أن يصبح قصة اقتصادية، وتصرف الناس في مناسبة اجتماعية يمكن أن يتحول إلى موضوع اجتماعي، وطريقة استخدام تقنية جديدة يمكن أن تصبح تقريراً تفسيرياً، ونجاح مشروع صغير يمكن أن يتحول إلى قصة عن ريادة الأعمال، ولهذا يجب على صانع المحتوى أن يتدرب على السؤال المستمر، لماذا؟، وكيف؟، ومن المستفيد؟، ومن المتضرر؟، وما الذي لا نراه؟، وما القصة الموجودة خلف الصورة؟، وما السؤال الذي لم يسأله أحد؟، وأعتقد أن الملاحظة أقصر طريق إلى الفكرة، لأن كثيراً من الأفكار المميزة لا تأتي من البحث عن موضوعات جديدة، وإنما من رؤية الأشياء القديمة بطريقة جديدة، ويأتي الفضول بوصفه المحرك الداخلي لتوليد الأفكار، فالإنسان الذي لا يسأل لا يكتشف، وصانع المحتوى الذي يكتفي بالمعلومة المنشورة أمامه سيعيد إنتاج ما أنتجه الآخرون، بينما الذي يتساءل عن خلفية المعلومة يستطيع الوصول إلى طبقات جديدة من القصة، ولذلك فإن كل معلومة يمكن أن تتحول إلى سلسلة من الأسئلة، وكل سؤال يمكن أن يتحول إلى فكرة، وكل فكرة يمكن أن تتحول إلى أكثر من مادة.