طهران | مع تزايد احتمالات شنّ هجوم عسكري أميركي - إسرائيلي ضدّ إيران، سواء قبيل الانتخابات النصفية الأميركية أم بعدها، تُواصل إيران إعداد نفسها لـ«الحرب الثالثة»، مُحدِّثةً بنك أهدافها لهذه الغاية. وعلمت «الأخبار» أنه تمّ إبلاغ جميع الوحدات العسكرية والأمنية بالتعليمات المرتبطة بالردّ الإيراني على أيّ عدوان مُحتمل. وتلفت في تلك التوجيهات، استقلالية عمل الوحدات الميدانية، ولا سيما في حال اغتيال قيادات ومسؤولين من مستويات متعدّدة وانقطاع قنوات التسلسل القيادي، وهو ما يهدف إلى رفع القدرة على توجيه الضربات، وتعزيز صمود القوات المسلحة. كذلك، وفي إطار القرارات الجديدة أيضاً، وبما أن إيران ما زالت تعتبر هذه الحرب تهديداً لوجودها، فقد اعتمدت قاعدة «إمّا الأمن للجميع أو لا أمن لأحد»، وهي حدّثت بناءً عليها بنك أهدافها. وعليه، في حال وقوع عدوان جديد، لن يقتصر النطاق الجغرافي لأهدافها على الخليج ومضيق هرمز، بل ستكون هذه الأهداف أكثر تنوّعاً، وستتجاوز ناقلات النفط ومنشآت الطاقة والقواعد العسكرية، فيما لن يؤخذ في اختيارها في الاعتبار أيّ «خطوط حمر»، الأمر الذي جرى إبلاغه رسمياً إلى جميع الأطراف.وفي عداد بنك الأهداف الإيراني الجديد هذا، يأتي إدراج مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وشبكة كابلات الألياف الضوئية في مياه الخليج ومضيق هرمز، والتي تُعتبر من ضمن البنية الأساسية للإنترنت العالمي، ولوّح باستهدافها، خلال الأيام الأخيرة، كلٌّ من أمين «المجلس الأعلى للأمن القومي» الإيراني، محسن رضائي، وقادة «الحرس الثوري». واستناداً إلى الإحصاءات التخصّصية في مجال الاتصالات البحرية، يستضيف قاع هذه المنطقة، ما لا يقلّ عن 7 منظومات كابلات بحرية نشطة تؤمّن الاتصال الرقمي لجزء رئيس من الشرق الأوسط. ورغم وجود تباينات إحصائية بشأن الحصّة الدقيقة لهذا المسار من حركة الإنترنت العالمية، إلا أن الأكيد أن تلك البنى التحتية تحمل الجزء الأكبر من حركة البيانات العابرة للقارات التي تربط اقتصادات الخليج الرقمية بأوروبا وآسيا.
وفي السنوات الأخيرة، استثمرت دول الخليج مليارات الدولارات في تطوير مراكز البيانات الضخمة والحوسبة السحابية وبنى الذكاء الاصطناعي التحتية، وأصبحت تعتمد بشكل كبير على الاتصالات الدولية الفائقة السرعة. ومع ذلك، ونظراً إلى ضحالة مياه الخليج، والعرض المحدود لمضيق هرمز البالغ 21 ميلاً، فإن هذه الشرايين الرقمية مُعرّضة بشدّة للأضرار الناجمة عن التوترات العسكرية، أو أخطاء إرساء السفن، أو الهجمات المادية. وتؤمّن بعض الدول، ومنها قطر والبحرين، أكثر من 95% من اتّصالها بالإنترنت الدولي عبر هذا المسار نفسه؛ وفي حال وقوع أضرار واسعة النطاق فيه، يُرجّح حدوث اضطراب بنسبة 70 إلى 90% في الإنترنت لدى تلك الدول، في حين تتّسم الحالة السعودية بتبعية أقلّ، نظراً إلى استخدام المملكة المسار البديل عبر البحر الأحمر. على أن أيّ تهديد يستهدف الكابلات المُشار إليها، لن يؤثّر بشكل حادّ على الاقتصاد الرقمي والقطاع المصرفي في المنطقة فحسب، بل يمكن أن ينعكس على الاتصالات العالمية والبيانات المالية، وأن يحوّل «هرمز» من «عنق زجاجة للطاقة» إلى «بؤرة أزمة رقمية».
قطع الكابلات يمكن أن يعطّل الاتصالات، والخدمات السحابية، والتبادلات المالية، والأنشطة الاقتصادية لدول المنطقة
ويرى محلّل الشؤون الاستراتيجية الإيراني، مصطفى نجفي، المُقرّب من رضائي، في تصريح إلى «الأخبار»، أن «دخول كابلات الإنترنت في إطار التهديدات الرسمية والرسائل العسكرية الإيرانية، يندرج في إطار توسيع إيران قواعد الحرب، لتشمل، إلى جانب البنى التحتية العسكرية والطاقة، البنى التحتية للاتصالات والاقتصاد الرقمي»، مشيراً إلى أنه «نظراً إلى أن شبكات الاتصالات في الخليج الفارسي تعتمد بشكل كبير على الكابلات العابرة للحدود، فإن قطع الكابلات يمكن أن يعطّل الاتصالات، والخدمات السحابية، والتبادلات المالية، والأنشطة الاقتصادية لدول المنطقة». ويعتبر نجفي أن «التهديد باستهداف البنى التحتية للاتصالات في المنطقة، يمثّل محاولة لإعادة تعريف التكاليف الاستراتيجية للحرب، وتوسيع نطاق الردع الإيراني»، متابعاً أن ذلك يحمل ثلاث وظائف أساسية هي «رفع التكلفة المتوقّعة للحرب على الولايات المتحدة، وتوسيع دائرة عدم اليقين في حسابات الطرف الآخر، ومُضاعفة الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز». ويلفت إلى أن الولايات المتحدة تضع مطالب قصوى لا تناسب المصالح الإيرانية، وأن الرسالة التي تلقّتها إيران خلال زيارة قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، إليها، كانت «رسالة تهديد وحرب». وبناءً عليه، تستعدّ طهران لمواجهة «الحرب الثالثة»، واصفاً احتمال وقوع هذه الأخيرة خلال الأيام المقبلة بأنه «مرتفع للغاية»، مؤكداً أن أهداف إيران في الحرب الجديدة ستكون «أوسع نطاقاً»، وأن الغاية من هذا التوسيع «رفع تكلفة الحرب».
من جهته، يرى الخبير في قطاع الاتصالات ومدير مركز «طيف» للدراسات، محمد كشوري، أنه بما أن البنية التحتية الأساسية لاتصال الإنترنت في العالم، بما في ذلك دول المنطقة، تعتمد على الكابلات التي يمرّ الجزء الأكبر منها عبر الخليج والبحر الأحمر، فإن إلحاق الضرر بها يمكن أن يتسبّب في اضطراب واسع النطاق، ولو بشكل مؤقّت. ويستدرك كشوري، في تصريح إلى «الأخبار»، بأنه لا ينبغي المبالغة في تقدير هذه الأضرار؛ إذ إن اتصالات الإنترنت بين الدول لا تعتمد على مسار واحد، ولا سيما أن المعاملات المصرفية، التي لا تشهد حركة مرور عالية في الاتصالات، يمكن إنجازها عبر مسارات أخرى، من ضمنها الإنترنت الفضائي. ويلفت إلى أن إصلاح وإعادة تأهيل أو استبدال شبكة الكابلات البحرية بعد تعرّضها للضرر يستغرق كل ذلك عدّة أيام، تكون فيها اتصالات الإنترنت في عموم المنطقة قد خرجت عن وضعها الطبيعي، مبيّناً، في الوقت نفسه، أن تلك الخسائر ليست غير قابلة للإصلاح.
برّاك يلوّح بهجوم «مع نهاية الأسبوع»
في ظلّ استمرار التصعيد الأميركي ضدّ إيران، جدّد الرئيس دونالد ترامب تهديداته للأخيرة، ملوّحاً بالسيطرة على أراضيها ونفطها، فيما تحدّث مبعوثه توم برّاك عن احتمال شنّ هجوم عليها مع نهاية الأسبوع، من دون استبعاد التوصّل إلى اتفاق. وتباهى ترامب بالحصار البحري المفروض على طهران، مدّعياً أن «واشنطن تتحكّم بمضيق هرمز وتحصل على ما تريده من النفط الذي يَعبره». وادّعى أن الولايات المتحدة قادرة على إنهاء الحرب «بسرعة كبيرة»، واصفاً إيران بأنها «دولة فاشلة». لكنه أعاد التأكيد أن بلاده لن تهاجم الجمهورية الإسلامية قبل الانتخابات النصفية الأميركية.وفي موازاة التهديدات، أبقى برّاك الخيارَين العسكري والتفاوضي مطروحَين، وردّ بكلمة: «بالتأكيد»، على سؤال وُجّه إليه بشأن إمكان شنّ هجوم أميركي على إيران مع نهاية الأسبوع. لكنه أكد، في الوقت نفسه، «استمرار استعداد ترامب لإبرام اتفاق»، مشيراً إلى مفاوضات جارية في هذا الشأن منذ أشهر. وبحسب برّاك، فإن «التسوية المحتملة لا تقتصر على الملف النووي والتخصيب، بل تشمل أيضاً الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمّدة، وتخفيف العقوبات، ووقف العمليات العسكرية، وضمان الدعم لإسرائيل». ولفت إلى أن «تغيير النظام الإيراني ليس من أهداف ترامب»، محذّراً من «غياب تصوّر واضح لمرحلة ما بعد أيّ تغيير من هذا النوع، ومن تداعيات استمرار التصعيد على إيران ودول الجوار».وفي انعكاس للتوترات على أسواق الطاقة، ارتفع سعر خام النفط (برنت) إلى 117 دولاراً للبرميل، وهو السعر الأعلى منذ آذار/ مارس الفائت، وسط مخاوف من استمرار تهديد إمدادات النفط في المنطقة.