توازن حرج.. استراتيجية الصين الجديدة لإدارة المخاطر الكورية الشمالية

على الرغم من العلاقات الودية القوية بين الصين وكوريا الشمالية باعتبارهما حليفين في آسيا، تشعر الصين بقلق متزايد إزاء دور بيونغ يانغ في خلق المخاطر التي تهدد مصالحها في شمال شرق آسيا وتفاقمها. كما تشعر الصين بالحاجة إلى تعديل استراتيجيتها تجاه كوريا الشمالية لإدارة العلاقات معها دون تأجيج التوترات أو زيادة زعزعة استقرار المنطقة. وقد ازدادت بيونغ يانغ غموضاً مع تنامي جرأتها بفضل برنامجها النووي، الذي تواصل تطويره رغم عقود من العقوبات والإدانات والعزلة الدولية. ورغم أن كوريا الشمالية لا تزال تعتمد على الصين في الدعم الاقتصادي، فإن تنامي علاقاتها الأمنية مع روسيا جعلها أقل اعتماداً على بكين مما كانت عليه في السابق. كما تخشى الصين التهميش في حال اندلاع أزمة تشمل كوريا الشمالية مع خروج الصراع عن السيطرة. وفي تحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز" ، قال "شينغ جيونغ" -الأستاذ وعميد معهد الدراسات الإقليمية في جامعة تيانجين للدراسات الخارجية الصينية- إن علاقة بكين مع بيونغ يانغ استندت على مدى حوالي ثمانية عقود إلى روابط تاريخية وصداقة رمزية وتنسيق غير رسمي. إلا أن عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون جعلت هذه الروابط التاريخية غير كافية. وتهدف استراتيجية الصين الجديدة، التي تجسدت بزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ لكوريا الشمالية، إلى إعادة بيونغ يانغ إلى الفلك الصيني وجعل العلاقات الثنائية أكثر استقراراً وقابلية للإدارة. فبكين لا تريد انهيار كوريا الشمالية، التي تعد نموذجاً محتملاً لكيفية إدارة الصين لعلاقاتها مع حلفائها بفعالية، لكنها تدرك حاجتها إلى طرق أفضل لتجنب المفاجآت من بيونغ يانغ، والتي قد تزعزع استقرار الصين أو تؤدي إلى اتساع الانتشار العسكري لليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة في منطقة شمال شرق آسيا. ورغم اشتراك الصين وكوريا الشمالية في حدود برية طويلة وكونهما دولتين شيوعيتين، شهدت علاقتهما تقلبات عديدة منذ تأسيسهما. وبعد تولي كيم جونغ أون زعامة كوريا الشمالية في أواخر عام 2011، تدهورت العلاقات مع الصين بشكل حاد بسبب الخلافات حول تصرفات بيونغ يانغ، بما في ذلك سعي كيم لامتلاك أسلحة نووية، واعتقال عمه وإعدامه. وبلغ استياء بكين ذروته في عام 2017، عندما أجرت كوريا الشمالية تجربة نووية والعديد من التجارب الصاروخية التي كشفت عن إتقانها لتكنولوجيا القنبلة الهيدروجينية وتسارع وتيرة تطوير قدراتها. ولم يتعارض الاختبار النووي مع معارضة الصين المعلنة للبرنامج النووي فحسب، بل كان محرجاً سياسياً لبكين أيضاً؛ إذ تزامن مع استضافتها لقمة قادة مجموعة "بريكس". وفي ذلك العام، صوتت الصين لصالح 5 قرارات في مجلس الأمن الدولي لفرض عقوبات مشددة على كوريا الشمالية وتشديد متطلبات المراقبة عليها. كما أدى قلق الصين من احتمال تصعيد الصراع بين بيونغ يانغ وواشنطن إلى دعوتها لرئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، جوزيف دانفورد، لزيارتها وإجراء مناقشات حول البرنامج النووي والأمن الإقليمي. ولا تزال الصين شريكاً لا غنى عنه لكوريا الشمالية اقتصادياً؛ فأكثر من 70 % من إجمالي واردات كوريا الشمالية، ونحو 60 % من غذائها، و75 % من سلغها الاستهلاكية تأتي من الصين. كما تزود بكين بيونغ يانغ بنحو 520 ألف طن من النفط، وما بين 500 ألف و800 ألف طن من الحبوب والأسمدة سنوياً. لكن السنوات الأخيرة شهدت تكثيف الدعم الروسي لكوريا الشمالية؛ فبعد توقيع معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين موسكو وبيونغ يانغ في يونيو / حزيران 2024، قدمت الأولى ضمانات أمنية، وتكنولوجيا عسكرية، وإمدادات طاقة، وأسواقاً لتصدير العمالة، ودعماً للتحايل على العقوبات. في المقابل، أرسلت كوريا الشمالية أسلحة وذخيرة وجنوداً للقتال لدعم روسيا في حربها بأوكرانيا. ورغم أن توطيد العلاقات بين روسيا وكوريا الشمالية يخفف بعضاً من التزامات الصين بتقديم المساعدات الاقتصادية والضمانات الأمنية لجارتها، إلا أنه منح بيونغ يانغ قوة تفاوضية أكبر وغيّر من طبيعة علاقتها بالصين؛ فبعد أن كانت الصين الممول الوحيد لكوريا الشمالية، أصبحت الآن مجرد داعم كبير لها من بين عدة جهات. وبالنسبة لبكين، يكمن الخطر الأكبر من تعزيز التعاون بين كوريا الشمالية وروسيا في أنه يوفر ذريعة مثالية لتعزيز تحالف اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة. فإذا استمرت بيونغ يانغ وموسكو في العمل الوثيق على تطوير الأسلحة، ستستغل طوكيو وسيول التهديد الكوري الشمالي لتبرير تعزيز تحالفاتهما مع واشنطن، وقد تدفعان باتجاه المزيد من تبادل المعلومات الاستخباراتية الثلاثية، والمناورات العسكرية المشتركة، وتكامل الأسلحة. وكل هذا من شأنه أن يؤدي في نهاية المطاف إلى قيام تحالف مؤسسي لا يستهدف كوريا الشمالية فحسب، بل الصين أيضاً، مما يكثف الضغوط على بكين من جبهات متعددة ويفاقم التهديدات العسكرية حول نقاط التوتر مثل مضيق تايوان. في الوقت نفسه، فإن التنافس بين الصين والولايات المتحدة يزيد احتمالية تحول الاحتكاكات الأمريكية مع بيونغ يانغ إلى مواجهة مباشرة بين واشنطن وبكين. وتولي الصين أولوية قصوى لتجنب أي صراع عسكري غير ضروري مع الولايات المتحدة، إلا أن استفزازات كوريا الشمالية المتواصلة، وتعميق تعاونها العسكري مع روسيا، وتزايد عدم القدرة على التنبؤ بتصرفاتها، كلها عوامل تنذر بتورط الصين في أزمة غير محسوبة. ويعكس حرص بكين على تجنب زعزعة الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية رغبتها في إدارة علاقاتها مع الولايات المتحدة وتجنب أي تصعيد قد يفضي إلى صراع مباشر. أخيراً، بإمكان بكين استغلال اعتماد كوريا الشمالية عليها اقتصادياً للضغط على بيونغ يانغ لاتخاذ إجراءات لضبط النفس، كالامتناع عن الأعمال الاستفزازية التي قد تؤدي إلى اتساع الانتشار العسكري الأمريكي وحلفائه. ولا يعد الدعم الاقتصادي مجرد ثمن تدفعه الصين للحفاظ على استقرار كوريا الشمالية، بل هو أداة عملية لتوجيه تصرفات بيونغ يانغ ومنع تهميش بكين إقليمياً؛ إذ يمكن للصين ربط المساعدات الإنسانية، والانفتاح على التجارة الحدودية، وإمدادات الطاقة، وتطوير البنية التحتية، مدى استعداد كوريا الشمالية لكبح جماح تهديداتها العسكرية.