القاهرة | تنذر مذكرة التفاهم حول ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا، التي صادق عليها مجلس النواب الليبي، الثلاثاء الماضي، بأزمة متجدّدة بين القاهرة وأنقرة بعد مدة من التقارب. إذ أعلنت وزارة الخارجية المصرية، في بيان أول من أمس، رفضها تلك المصادقة، مؤكدة أنه لا يترتّب على الاتفاق أيّ أثر قانوني بالنسبة إلى مصر. واعتبرت المذكرة تعدّياً واضحاً على حقوق مصر السيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري، ومخالفة لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، مضيفةً أنها تتعارض مع الحدود البحرية المرسومة بين مصر وقبرص واليونان في آب 2020. وكانت تشكّلت جبهة مصرية - يونانية - قبرصية رافضة لهذا الاتفاق، منذ توقيعه في إسطنبول في تشرين الثاني 2019، من قِبل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ورئيس حكومة «الوفاق الوطني» السابقة، بقيادة فايز السراج؛ إذ ترى الدول الثلاث المشار إليها أن المذكرة التي ترسم خطاً مستقيماً بين جنوب غرب تركيا وشمال شرق ليبيا، يعبر المياه الفاصلة بين جزيرتَي كريت وقبرص، تنتهك قانون البحار الدولي وتقتطع من مناطقها الاقتصادية الخالصة في مياه يُعتقد أنها تحوي كميات كبيرة من الغاز. وبالعودة إلى تصويت مجلس النواب الليبي في بنغازي على المذكرة نفسها التي رفضها قبل ست سنوات، فهو جاء بعد أقلّ من أسبوعَين على تنحية عقيلة صالح عن رئاسة المجلس وانتخاب الصالحين عبد النبي خلفاً له. وفي يوم التصويت نفسه، أجرى وزير الخارجية المصرية، بدر عبد العاطي، اتصالاً هاتفياً مع نظيره اليوناني، جيورجوس جيرابتريتيس، بحثا فيه الأوضاع في ليبيا وشرق المتوسط، وذلك بعد أيام من زيارة وفد مصري لأثينا للتشاور في الملف الليبي. وسارعت اليونان، من جهتها، إلى رفض قرار البرلمان الليبي، معتبرةً إياه بلا أثر قانوني، مشيرةً إلى أن تركيا وليبيا لا تملكان سواحل متقابلة أو متجاورة تبرّر ترسيم حدود بحرية بينهما، وأن الاتفاق يتجاهل الحقوق البحرية للجزر اليونانية. أيضاً، أعربت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، عن «أسف عميق» للخطوة، مجدّدةً تضامن بروكسل مع اليونان وقبرص، فيما أدان كيان الاحتلال القرار «بشدة»، متهماً تركيا بالسعي مجدّداً إلى «زعزعة استقرار» شرق المتوسط. وفي المقابل، رحّبت الخارجية التركية بالقرار، معتبرة أن الاتفاق يحترم الحقوق والمصالح المتبادلة للبلدَين وفق القانون الدولي ومبادئ الإنصاف. ورفض وزير الخارجية التركية، حاقان فيدان، الانتقادات الموجّهة إلى المذكرة، معتبراً أن المصادقة الليبية عليها ليست سوى إجراء شكلي، وأن الاتفاق «نافذ أصلاً» بالنسبة إلى أنقرة. تجري القاهرة اتصالات مكثّفة مع أثينا ونيقوسيا لـ«بحث إمكانية تحرك جماعي» ويُعدّ ترسيم الحدود البحرية بين مصر وليبيا من الملفات العالقة منذ عقود؛ إذ لم ينجح البلدان في التوافق على حدود واضحة رغم طرح الموضوع مرات عدة. وتقول مصادر مطّلعة على الملف، في حديثها إلى «الأخبار»، إن تمرير الاتفاق يمثّل «مقدّمة لعودة النفوذ التركي إلى شرق ليبيا بصورة أوسع من أيّ وقت مضى»، علماً أن مجلس النواب الليبي ألغى أيضاً قرارَين أصدرهما عام 2020: الأول يرفض المصادقة على مذكّرتَي التفاهم البحرية والأمنية مع أنقرة، والثاني يقطع العلاقات السياسية معها. وكان لافتاً أن طرفَي الانقسام الليبي وقفا، للمرة الأولى، موقفاً موحّداً من الاتفاق؛ إذ بينما رحّبت «حكومة الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس بالتصويت، واعتبرته «تطوراً إيجابياً» في العلاقات مع أنقرة، قال صدام حفتر، نجل خليفة حفتر، إن القرارات تعكس توجّهاً نحو تجاوز خلافات الماضي، واصفاً المذكرة بأنها أداة لحماية مصالح ليبيا الاقتصادية في المتوسط، وتركيا بأنها «قوة إقليمية مهمة». ويتّسق ذلك، وفق المصادر، مع رغبة حفتر الأب الساعي لضمان «نفوذ لعائلته في السلطة الجديدة، مع ترسيخ مكانة أبنائه العسكرية»، في «فتح مسارات للحوار مع أنقرة وطيّ الخلافات معها، لا سيما في ظلّ توقعات بأن يكون لتركيا حضور أكبر في المرحلة المقبلة على خلفية اتفاقيات عدّة وُقّعت وترتبط بعمليات إعادة الإعمار». وتضيف المصادر أن هذه المعادلة يعمل المبعوث الأميركي، مسعد بولس، على صياغتها في اتصالاته مع الفرقاء الليبيين. ومن جهتها، تقول مصادر دبلوماسية مصرية، لـ«الأخبار»، إن ما تخشاه القاهرة هو «تحوّل دور أنقرة -التي نجحت في إبرام شراكات مع السلطات في الغرب، واستعادت علاقتها مع الشرق-، إلى نفوذ محكم يفوق نفوذ أيّ دولة أخرى في ليبيا، بما يهدّد المصالح المصرية حتى لو بقيت العلاقات بين البلدين جيدة». إذ تتوقّع مصر، بحسب المصادر، أن تجني تركيا «مكاسب مادية كبيرة من هذه العلاقات»، وهي تتخوف من أن «الدور التركي قد يبلغ حد التحكّم في قادة ليبيا، وهو ما يتعارض مع المصالح المصرية والسعودية على حدّ سواء». وإذ تلفت المصادر إلى أن اتصالات مكثّفة بدأت مع اليونان وقبرص لـ«بحث إمكانية تحرّك جماعي في المرحلة المقبلة»، فهي ترى أن «تفعيل الاتفاق على أرض الواقع غير ممكن لأسباب عدّة»، مرجعةً ذلك إلى أن «الدول المعترضة عليه لن تتردّد في حماية حدودها، وستكون قادرة عسكرياً على منع أيّ انتهاكات تركية، وذلك وفق الحدود المرسومة بين أنقرة وطرابلس». وبحسب مسؤولين مصريين تحدثوا إلى «الأخبار»، فإن النزاع أساساً «مرتبط بالتنقيب عن الغاز، وإنه لن يُسمح لأي شركة بالقيام بذلك مهما تطلّب الأمر من إجراءات». ويضيف هؤلاء أن القاهرة ترى في الاتفاق «محاولة للضغط على دول الجوار وإجبارها على تقديم تنازلات»، وهو ما «لن يتحقّق»، مؤكدين أن «كل الخيارات مطروحة على الطاولة».