تكلفة الاختيار الخاطئ لشريك الحياة.. (من يدفع الثمن؟) – أ.د.عثمان بن صالح العامر

ليست القرارات التي يتخذها الإنسان في حياته على درجة واحدة من الأهمية والخطورة؛ فبعضها يمكن التراجع عنه بأقل الخسائر، وبعضها يترك أثرًا يمتد سنوات طويلة، وربما انتقل إلى أجيال لم تشارك في اتخاذه.

ويأتي قرار اختيار الزوج أو الزوجة في مقدمة القرارات المفصلية؛ لأنه لا يتعلق بمستقبل فردين فحسب، وإنما بتكوين أسرة، وتنشئة أبناء، وبناء علاقات اجتماعية تتجاوز حدود الزوجين.

ولعظم هذا القرار، لم تترك الشريعة الإسلامية الاختيار للأهواء العابرة أو الاعتبارات المادية والاجتماعية وحدها، وإنما وضعت له ضوابط أخلاقية وإنسانية تحفظ مقاصد الزواج.

ففي الحديث الشريف: (تُنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)، وجاء في شأن اختيار الزوج: (إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه).

وفي ذلك تقديم لمعايير الدين والخلق دون إلغاء الاعتبارات الإنسانية الأخرى التي يتحقق بها القبول والتوافق. ولم تقف التوجيهات النبوية عند بيان معايير الاختيار، بل امتدت إلى وسائل التحقق منه؛ فأباحت النظر إلى المخطوبة في الضوابط الشرعية، تحقيقًا للألفة وتقليلًا لاحتمالات النفور، كما جاء في قوله- صلى الله عليه وسلم- للمغيرة بن شعبة رضي الله عنه حين خطب امرأة من الأنصار: (انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما).

وهذه الإباحة تحمل دلالة تربوية عميقة؛ فالزواج لا ينبغي أن يكون قراراً يُتخذ بالنيابة عن أصحابه، وإنما اختياراً واعياً يقوم على المعرفة والرضا وتحمل المسؤولية.

ومن هنا، فإن للأسرة حق النصح والمشورة والتحري، ولكن ليس لها أن تصادر إرادة الشاب أو الفتاة، أو تجعل الاعتبارات القبلية والمادية والمظاهر الاجتماعية مقدمة على القبول والكفاءة وحسن المعاشرة.

فالذين سيتحملون تبعات الحياة الزوجية هم الزوجان أولاً، وليس الذين تولوا ترتيب مراسم الزواج أو دفع تكاليفه.

والمؤسف أن بعض ممارساتنا الاجتماعية تجعل قرار الزواج محكوماً باعتبارات لا تصنع استقراراً؛ فالمبالغة في المهور، والتنافس في الحفلات، والاهتمام بالمظاهر، وتضييق فرص التعارف المشروع، والتعجل في الموافقة أو الرفض، كلها عوامل قد تُضعف جودة الاختيار، ثم يُكتشف بعد الزواج أن ما أُنفق على المناسبة كان أكبر مما بُذل لفهم طبيعة العلاقة ومسؤولياتها.

وحين يفشل القرار، لا تقف التكلفة عند الطلاق بوصفه انفصالاً بين شخصين؛ بل تتسع لتشمل الخسائر المالية، والاضطرابات النفسية، وتشتت الأبناء، وتوتر العلاقات الأسرية، وما يصاحب ذلك من نزاعات وإجراءات قضائية وأعباء اجتماعية.

وفي مجتمعنا السعودي تثير حالات الطلاق المعلنة قلقًا مشروعاً يجب الوقوف عنده طويلاً، وإيجاد الحلول الفعلية الناجزة له، وهو في نظري من المواضيع الساخنة التي تستحق عقد المؤتمرات وإقامة اللقاءات وحلقات النقاش والتوسع في تأسيس الجمعيات التي من وكدها الاهتمام بتثقيف النشء لحياتهم المستقبلية التي تنتظرهم عمّا قريب، وإقرار مقررات جامعية تدرس الفتاة كيف تكون زوجة مثالية، والشاب الذي هو في سنواته الجامعية الأخيرة كيف له أن يكون ذلك الزوج المثالي الذي تتمناه كل بنت أن يكون أباً لأولادها.

لا يفهم مما سبق أعلاه أن الطلاق شر مطلق؛ فقد يكون في بعض الحالات مخرج مشروع من حياة يتعذر استمرارها، وإنما المقصود أن الاختيار الرشيد قبل الزواج قد يجنب الزوجين كثيراً من المعاناة، دون أن يضمن بالضرورة نجاح كل زواج.

إن مسؤوليتنا الاجتماعية ليست في تسهيل مراسم الزواج وحدها، بل في ترشيد قرار الزواج نفسه؛ بتربية الأبناء والبنات على حسن الاختيار، واحترام إرادتهم، وإتاحة المعرفة المشروعة بين الطرفين، وتعزيز التأهيل للحياة الأسرية قبل الدخول فيها. فليس النجاح أن نحتفل بزواج أبنائنا ليلة واحدة، وإنما أن نُحسن إعدادهم لحياة تمتد عقوداً. ما أحوجنا أن نسأل قبل عقد القران: هل أحسن الطرفان الاختيار؟ بدلاً من أن ننشغل بعد الطلاق بالسؤال: من يتحمل الخسائر؟

فالزواج قرار يتخذه اثنان، ولكن ثمن الخطأ فيه قد تدفعه أسرة كاملة، وربما أجيال متعاقبة، دمتم بخير وإلى لقاء والسلام. ‏

ليست القرارات التي يتخذها الإنسان في حياته على درجة واحدة من الأهمية والخطورة؛ فبعضها يمكن التراجع عنه بأقل الخسائر، وبعضها يترك أثرًا يمتد سنوات طويلة، وربما انتقل إلى أجيال لم تشارك في اتخاذه.

ويأتي قرار اختيار الزوج أو الزوجة في مقدمة القرارات المفصلية؛ لأنه لا يتعلق بمستقبل فردين فحسب، وإنما بتكوين أسرة، وتنشئة أبناء، وبناء علاقات اجتماعية تتجاوز حدود الزوجين.

ولعظم هذا القرار، لم تترك الشريعة الإسلامية الاختيار للأهواء العابرة أو الاعتبارات المادية والاجتماعية وحدها، وإنما وضعت له ضوابط أخلاقية وإنسانية تحفظ مقاصد الزواج.

ففي الحديث الشريف: (تُنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)، وجاء في شأن اختيار الزوج: (إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه).

وفي ذلك تقديم لمعايير الدين والخلق دون إلغاء الاعتبارات الإنسانية الأخرى التي يتحقق بها القبول والتوافق. ولم تقف التوجيهات النبوية عند بيان معايير الاختيار، بل امتدت إلى وسائل التحقق منه؛ فأباحت النظر إلى المخطوبة في الضوابط الشرعية، تحقيقًا للألفة وتقليلًا لاحتمالات النفور، كما جاء في قوله- صلى الله عليه وسلم- للمغيرة بن شعبة رضي الله عنه حين خطب امرأة من الأنصار: (انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما).

وهذه الإباحة تحمل دلالة تربوية عميقة؛ فالزواج لا ينبغي أن يكون قراراً يُتخذ بالنيابة عن أصحابه، وإنما اختياراً واعياً يقوم على المعرفة والرضا وتحمل المسؤولية.

ومن هنا، فإن للأسرة حق النصح والمشورة والتحري، ولكن ليس لها أن تصادر إرادة الشاب أو الفتاة، أو تجعل الاعتبارات القبلية والمادية والمظاهر الاجتماعية مقدمة على القبول والكفاءة وحسن المعاشرة.

فالذين سيتحملون تبعات الحياة الزوجية هم الزوجان أولاً، وليس الذين تولوا ترتيب مراسم الزواج أو دفع تكاليفه.

والمؤسف أن بعض ممارساتنا الاجتماعية تجعل قرار الزواج محكوماً باعتبارات لا تصنع استقراراً؛ فالمبالغة في المهور، والتنافس في الحفلات، والاهتمام بالمظاهر، وتضييق فرص التعارف المشروع، والتعجل في الموافقة أو الرفض، كلها عوامل قد تُضعف جودة الاختيار، ثم يُكتشف بعد الزواج أن ما أُنفق على المناسبة كان أكبر مما بُذل لفهم طبيعة العلاقة ومسؤولياتها.

وحين يفشل القرار، لا تقف التكلفة عند الطلاق بوصفه انفصالاً بين شخصين؛ بل تتسع لتشمل الخسائر المالية، والاضطرابات النفسية، وتشتت الأبناء، وتوتر العلاقات الأسرية، وما يصاحب ذلك من نزاعات وإجراءات قضائية وأعباء اجتماعية.