تفاصيل «30 دقيقة ساخرة» لمستشاري ترامب قبل كارثة الانتخابات

من بين المفاجآت المتوالية في كواليس الهزيمة التاريخية للجمهوريين بانتخابات الكونجرس الأمريكي، أنه جرى توقع هذا السيناريو الكارثي قبل ستة أيام من الانتخابات، حينما انضم أكثر من أربعة وعشرين من كبار استراتيجيي الرئيس دونالد ترامب في مكالمة فيديو خاصة، لم تكن لرسم خطة فوز، بل لترتيب ما وصفه البعض لاحقاً بـ«الجنازة السياسية»، حيث بدأ النقاش بسؤال عن «السيانيد» السام، كمزحة عن الانتحار السياسي، وذلك عندما سأل تيم سالر، أحد أبرز مستشاري البيانات الجمهوريين: هل نبدأ بالحبة البيضاء أم السوداء؟ أي بالخبر السار أو بالكارثة؟سالر عرض خلال المكالمة سيناريوهين: الأول متفائل، وفيه يصل صندوق «ماغا إنك» العملاق البالغ 400 مليون دولار إلى الناخبين الذين أرادهم وتوقع أن يصوتوا. والثاني توقع اكتساحاً كاملاً للديمقراطيين، وعندها قال جيمس بلير، الذي غادر البيت الأبيض للإشراف على استراتيجية ترامب للانتخابات: «أنا أرتب شؤوني. أنصح الجميع بفعل الشيء نفسه»، في إشارة ساخرة إلى الفرار من أي تحقيقات محتملة، فانفجرت المكالمة ضحكاً، وفقاً لأربعة مشاركين.ولمدة ثلاثين دقيقة تقريباً، تحولت المكالمة إلى «دعابة المشنقة»، حيث تحدث البعض عن «طعام السجن، والعفو الرئاسي، وحتى الفرار من البلاد»، في ظل احتمال الخضوع لتحقيقات بعد سيطرة الديمقراطيين على أغلبية مجلسي الكونغرس. وقال بلير ساخراً عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعد يوم من انتخابات إسرائيل: «على الأقل فاز بيبي. سيحمينا». فرد كبير مستشاري ترامب توني فابريزيو: «ربما يمكننا الحصول على لجوء في إسرائيل»، وفق نيويورك تايمز.بعد أسبوع، لم يكن الأمر مزحة. فقد اكتسح الديمقراطيون الانتخابات، بعد انتصارات في معاقل جمهورية لم يكن أحد يتخيلها قبل عام مثل: كانساس، وكارولاينا الجنوبية، وتكساس. حيث حصل الديمقراطيون على 54 مقعداً في مجلس الشيوخ مقابل 44 للجمهوريين، وعلى 240 مقعداً في مجلس النواب مقابل 218.أرقام كاشفة.. وسؤال ترامب عن تداعيات حرب إيرانوقبل أشهر وزّع بلير على مسؤولي الجناح الغربي شرائح عرض أرقام، إحداها ربطت استطلاعات الجمهوريين مباشرة بالجدول الزمني لحرب إيران، حيث أظهرت كيف ارتفعت أسهم الديمقراطيين خلال الهجمات، ثم انكمشت أثناء محادثات «مذكرة التفاهم»، ثم ارتفعت مجدداً عندما انهار وقف إطلاق النار. وبحلول نهاية يوليو، كان الديمقراطيون يتقدمون بعشر نقاط في اقتراع الكونغرس.وفي نهاية عرضه صاغ محلل بيانات البيت الأبيض خلاصة التقرير ذاكراً: لا يزال بوسع الجمهوريين تصور الفوز بمجلس النواب إذا كانت ميزة الديمقراطيين أربع نقاط فقط، «لكن هذا لن يحدث دون وقف إطلاق نار ممتد، وفتح مضيق هرمز، وانخفاض أسعار البنزين». وحذر: «نتيجة نهائية تقترب من تقدم ديمقراطي بعشر نقاط من المرجح أن تكلفنا مجلس الشيوخ». لكن النتائج جاءت أسوأ من التحذير. وحتى قبل إغلاق صناديق الاقتراع، كان ترامب يتأمل فيما كان يمكن أن يحدث، وسأل بشكل خاص، وفقاً لشخص تحدث إليه: «لو لم ندخل إيران أبداً، ماذا تعتقد كان سيحدث في الانتخابات النصفية؟»2700 مقابل 30 ألفاًوبحسب العديد من المصادر المطلعة، ففي بعض الأيام، قال ترامب لمستشاريه: «يجب أن نفوز. أي شيء يجب أن نفعله». وفي أيام أخرى بدا وكأنه لا يهتم، وقال للمساعدين: «إن الوضع يعني شيئاً لطيفاً جداً عني.. وهو أنهم ببساطة لا يستطيعون الفوز بدوني». واضطر بلير وآخرون إلى إقناع الرئيس بالموافقة على المزيد من الإنفاق الدعائي، لكنه احتفظ بموافقته حتى نهاية الصيف. وكان التأخير مكلفاً لأن أسعار الإعلانات ترتفع مع اقتراب الانتخابات.في أسبوع واحد في منتصف أكتوبر على محطة واحدة في أنكوريج، دفع صندوق ترامب العملاق ما يقرب من أربعة أضعاف ما دفعه الصندوق الديمقراطي الرائد لبث إعلانات أقل بنحو 70%، لأنه لم يحجز الوقت جيداً مسبقاً. وفي حين دفعت المجموعة الديمقراطية 2700 دولار لإعلان في الأخبار المسائية المحلية، دفع صندوق ترامب 30 ألف دولار لنفس الفترة.وخلال خطاب جماهيري، طرح ترامب اقتراحاً مبهراً لإرسال 5000 دولار لكل أمريكي بالغ، إذا فاز الجمهوريون. ولم يكن أحد تقريباً من فريقه يعلم بالمقترح، بما في ذلك كبار مستشاريه السياسيين ورئيس مجلس النواب وزعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ. ولم يتم استطلاع الفكرة قبل أن يقولها. وعندما تم اختبار اقتراح مماثل، وجد فريق ترامب أنه لم يفعل الكثير لتحريك الناخبين. وتقزز بعض مستشاري الرئيس من الهبة، ووصفها أحدهم بأنها جهد عارٍ لـ«رشوة» الناس على أصواتهم.ردود الفريق الجمهوري والبيت الأبيضوعقب الهزيمة الساحقة، نشر البيت الأبيض تغريدة مقتضبة قال فيها «ترامب لا يزال رئيسكم»، في حين قال مسؤول في البيت الأبيض: «الرئيس ترامب لم يكن على ورقة الاقتراع، وقد ثبت أن ناخبي ترامب يحضرون عندما يكون على ورقة الاقتراع. جودة المرشح مهمة، وقد قام الرئيس بعمل أفضل في الترويج للعديد من المرشحين على ورقة الاقتراع مما فعل المرشحون أنفسهم». وكرر المسؤول أن الرئيس، الذي أقر في وقت سابق يوم الأربعاء بأن الحرب أثرت في الانتخابات النصفية، قال مراراً وتكراراً إن إيران لا يمكنها الحصول على سلاح نووي.اجتماع معاينة الأضراربعد الهزيمة، عُقد في البيت الأبيض اجتماع يهدف إلى توحيد رسائل مسؤولي الإدارة ما بعد الانتخابات النصفية، لكن ما حدث بعد الاجتماع كان لافتاً. فقد تولى نائب الرئيس جيه دي فانس السيطرة على رسائله الخاصة، وخرج من ظل ترامب، موجهاً رسالة إلى الجمهوريين وناخبي ترامب الساخطين. وكتب على منصة «إكس»: «السبب في خسارتنا هو الحرب. الرئيس نفسه قال ذلك الليلة الماضية». وأضاف: «إذا أردتم المجادلة بأنها كانت تستحق، وأن خسارة مجلس الشيوخ للسنوات الست المقبلة كانت تستحق، فافعلوا ذلك.. لكن الجميع يعرفون لماذا خسرنا».وفي المنشور، نقل فانس عن خبير استطلاعات أربع مهام لإعادة الناخبين إلى الحزب وهي: «إنهاء الحرب في إيران، والتركيز على تكلفة المعيشة والتضخم، ووضع أمريكا أولاً، وتغيير علاقة أمريكا بإسرائيل».وبحسب «فوكس نيوز» فقد اعتبر مسؤول في إدارة ترامب أن هذه المهام الأربع هي «نداء التعبئة» الذي يوجهه فانس إلى «اليمين الجديد»، وهو تحالف من الجمهوريين يتماشى مع حركة «أمريكا أولاً» الأصلية، والذي يدور حول البقاء بعيداً عن الصراعات الخارجية، وجعل أمريكا ميسورة التكلفة، وإغلاق الحدود. لكن هؤلاء الناخبين يعتقدون أيضاً أن ترامب منسجم أكثر من اللازم مع إسرائيل.وشدد المسؤول على أن رسالة فانس ليست انفصالاً عن ترامب مثلما فعل مايك بنس بعد هجوم الكابيتول، بل يهدف إلى إرسال رسالة واضحة إلى الجمهوريين الذين يدعمون ترامب ويختلفون مع سياسته الخارجية أو يشعرون بالخيانة مفادها: «فانس هو رجلنا».ولخّص جيمس بلير المأساة الجمهورية قبل أسبوع من الانتخابات بجملة: «لقد رأيت العدو… وهو نحن». وقد أثبتت النتائج أنه كان على حق. فالحزب الذي يملك المال والخريطة والدعم القضائي خسر الغرور واختيار مرشحين ضعفاء، فضلاً عن الرسوم الجمركية والتضخم وارتفاع أسعار الوقود نتيجة الحرب، وفي المقابل، أدار الديمقراطيون حملة ذكية ركزت على الغلاء والفساد.