تجاوز التعاون العسكري بين مصر وتركيا مرحلة استعادة العلاقات والتدريبات المشتركة، ليدخل مرحلة أكثر تقدماً تقوم على تنفيذ اتفاقيات تعاون دفاعي، وتعميق التصنيع العسكري المشترك، وتبادل المعلومات، وتوسيع التنسيق الاستخباراتي، في مسار تقول مصادر عسكرية إنه بدأ ينعكس بصورة مباشرة على عدد من الملفات الإقليمية.
وبحسب مصادر "عربي بوست"، فإن هذا التقارب يأتي استجابة لتحولات استراتيجية شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين، بدءاً من الحرب الإسرائيلية على غزة، مروراً بالتصعيد في لبنان والحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وصولاً إلى التوترات في البحر الأحمر ومحاولات فرض وقائع جديدة في القرن الإفريقي.
وفي هذا السياق، تشير المعطيات إلى أن مصر وتركيا لم تعودا تنظران إلى التعاون العسكري باعتباره مجرد تبادل للتدريبات أو الزيارات الرسمية، بل أداةً لتنسيق المواقف تجاه الأزمات الإقليمية، وتطوير القدرات الدفاعية المشتركة، وبناء إطار أوسع للتعاون الأمني يمكن أن يمتد مستقبلاً إلى قوى إقليمية أخرى.
أثار تكرار التدريبات والمناورات العسكرية المشتركة بين مصر وتركيا، إلى جانب توقيع اتفاقية إطارية لتبادل المعلومات خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة في فبراير/ شباط الماضي، تساؤلات حول طبيعة المرحلة الجديدة التي وصلت إليها العلاقات العسكرية بين البلدين، خاصة مع توالي اجتماعات القيادات العسكرية والتفاهمات المتعلقة بتعميق التصنيع العسكري المشترك.
وقال مصدر عسكري مصري لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن التقارب العسكري بين القاهرة وأنقرة وصل إلى مراحل متقدمة، مع بدء تنفيذ اتفاقيات تعاون عسكري، إلى جانب تعاون في مجال التصنيع العسكري المشترك والاستفادة من الخبرات الصناعية لدى البلدين.
وهذا التعاون، يضيف المصدر، يستند أيضاً إلى تفاهمات سياسية في عدد من الملفات الإقليمية، بعد انتقال البلدين من مرحلة التنافس على النفوذ إلى مرحلة التعاون من أجل احتواء الصراعات، والتصدي لمحاولات إعادة رسم خريطة المنطقة بما يخدم أطرافاً بعينها.
وأكد المصدر ذاته أن التعاون بين القاهرة وأنقرة دفاعي بالأساس، ويستهدف الحفاظ على توازن القوى، وإثبات أن المنطقة لا تزال تضم قوى إقليمية مؤثرة لا يمكن تجاوزها، ويسهم هذا التعاون في خلق توازن عسكري يدعم استقرار الدول التي تعاني من صراعات منذ سنوات، ويفتح المجال أمام تسويات تحافظ على وحدة هذه الدول، وتمنع انتقال الفوضى إلى مناطق أخرى.
وانعكس هذا التناغم السياسي والاقتصادي بين البلدين بصورة إيجابية على التعاون العسكري، وفتح مسارات أكثر عمقاً للتنسيق، بعد تجاوز الجزء الأكبر من الملفات الخلافية التي أثرت في العلاقات خلال السنوات الماضية، وفق ما قاله المصدر العسكري لـ"عربي بوست".
وأضاف أن نجاح هذا التقارب قد يمهد لتعاون أوسع مع دول إقليمية أخرى، وفي مقدمتها السعودية وباكستان. وتشمل الشراكة العسكرية التعاون في تصنيع الطائرات المسيّرة، وتوسيع التدريبات الجوية المشتركة، مع وجود توجه لإنتاج منظومات عسكرية مشتركة تلبي احتياجات البلدين، وتفتح في الوقت نفسه أسواقاً جديدة للصناعات الدفاعية المصرية والتركية.
وشدد المتحدث على أن القاهرة وأنقرة حريصتان على أن يبقى هذا التعاون دفاعياً، ويحافظ على المصالح المشتركة، بعيداً عن أي توجهات هجومية، مؤكداً أن الهدف النهائي يتمثل في دعم الاستقرار وإرساء توازن إقليمي يحول دون انفراد أي طرف بإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.
يرى المصدر العسكري المصري أن التقارب بين مصر وتركيا لا يمكن فصله عن التحولات التي شهدتها المنطقة مؤخراً، بدءاً من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، مروراً بالعدوان الإسرائيلي على لبنان، ثم الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وصولاً إلى التحركات الإسرائيلية في جنوب البحر الأحمر عبر إقليم أرض الصومال الانفصالي.
ويقول المصدر لـ"عربي بوست" إن هذه التطورات دفعت البلدين إلى الانتقال من إدارة الخلافات إلى بناء شراكة دفاعية تهدف إلى الحفاظ على توازن القوى، ومنع أي محاولات لإعادة رسم خريطة المنطقة لصالح طرف واحد، مع التأكيد أن التعاون العسكري بينهما يظل ذا طبيعة دفاعية ولا يستهدف أي دولة بعينها.
وأضاف أن القاهرة وأنقرة نجحتا أيضاً في تجاوز القيود التي حاولت بعض القوى فرضها على حصولهما على منظومات تسليح متطورة، وهو ما عزز توجههما نحو الاعتماد على التصنيع العسكري المحلي، والاستفادة من خبرات الدول الصديقة، وتوسيع التعاون الدفاعي بينهما.
وهذا التوجه يفسر تكثيف التدريبات العسكرية المشتركة، سواء الثنائية أو متعددة الأطراف، إلى جانب تنامي اللقاءات العسكرية والاستخباراتية والدبلوماسية التي تجمع البلدين مع السعودية وباكستان، مؤكداً أنه لا توجد لدى القاهرة أو أنقرة تحفظات على توسيع هذه الشراكات إذا كانت ستسهم في بناء منظومة أمنية تقوم على توازن القوى، وليس على دعم مشروع توسعي لطرف واحد.
وأشار المصدر إلى أن الطرح الذي قدمه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه وزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان، بشأن إنشاء إطار للتعاون بين الدول الأربع، ينسجم مع الرؤية المصرية لإقامة آلية أمنية تشارك في صياغة الترتيبات الجيوسياسية الجديدة في المنطقة، معتبراً أن تصاعد التنسيق مع تركيا يمثل خطوة أساسية في هذا الاتجاه، بانتظار توافق بقية الأطراف.
ولفت إلى أن تعدد بؤر التوتر، سواء في المناطق المرتبطة بالأمن القومي المصري أو تلك التي تدخل ضمن دوائر النفوذ التركي، جعل التنسيق العسكري بين البلدين ضرورة تفرضها تطورات المرحلة، وليس مجرد خيار سياسي.
وفي هذا السياق، شهدت الأشهر الأخيرة تكثيفاً للتدريبات العسكرية المشتركة بين مصر وتركيا. ففي الأسبوع الماضي، أعلن الجيش التركي تنفيذ التدريب الجوي الثلاثي "نسر الأناضول 2026" بمشاركة مصر وتركيا وأذربيجان.
وأوضحت وزارة الدفاع التركية أن المناورات استمرت حتى 3 يوليو/ تموز، وهدفت إلى رفع القدرات التشغيلية وتطبيق إجراءات فنية وتكتيكية جديدة، بمشاركة مقاتلتين من طراز "سو-25" أذريتين، و5 مقاتلات مصرية من طراز "إف-16".
ومن جانبه، أعلن المتحدث العسكري المصري العميد غريب عبد الحافظ أن التدريب يشارك فيه عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام التابعة لمصر وتركيا وأذربيجان، إلى جانب طائرة إنذار مبكر تابعة لحلف شمال الأطلسي.
لا يقتصر التقارب العسكري بين مصر وتركيا على المناورات المشتركة، بل يمتد إلى بناء شراكة في مجالات التصنيع الدفاعي وتبادل المعلومات، بما يعكس انتقال العلاقات بين البلدين إلى مستوى أكثر مؤسسية.
ويقول المصدر العسكري المصري لـ"عربي بوست" إن القاهرة وأنقرة تتعاونان في مجال تصنيع الطائرات المسيّرة، إلى جانب تطوير صناعات دفاعية مشتركة تستفيد من الخبرات التصنيعية لدى البلدين، مع وجود توجه لإنتاج منظومات عسكرية تلبي احتياجاتهما وتدعم في الوقت نفسه انتشار هذه الصناعات في أسواق المنطقة.