تغيّر المناخ.. الفقراء يدفعون الثمن

منذ «مؤتمر الأطراف- كوب» الأول الذي عقد في برلين عام 1995، توالت المؤتمرات الدولية السنوية للتفاوض بين 198 دولة بشأن التغيّر المناخي ووضع معايير محددة تتعلق بالحد من انبعاثات الكربون وتسريع التحول العالمي في مجال الطاقة، ومساعدة الدول على التكيف، وبناء القدرة على مجابهة المشكلات المتعلقة بالقضايا المناخية المتفاقمة، بعدما بلغ التغيّر المناخي حداً بات يهدد البشرية، جراء ارتفاع درجات الحرارة، وما ينجم عنها من أعاصير وفيضانات وحرائق وجفاف تودي بحياة الآلاف سنوياً، وتضع الفقراء تحديداً في مقدمة الضحايا، بعدما كشفت أزمة المناخ عن إعادة تشكيل الفقر العالمي، حيث أوضحت نتائجه أبعاداً متداخلة، إذ لم يعد الفقر مجرد مشكلة اجتماعية وإنسانية واقتصادية، بل بات قضية مرتبطة بالضغوط المناخية العالمية، فقد أكد تقرير مؤشر الفقر العالمي متعدد الأبعاد، الذي حمل عنوان «الصعوبات المتداخلة: الفقر ومخاطر المناخ»، أن من المرجح أن يؤدي التعرض للمخاطر المناخية إلى تفاقم التحديات اليومية التي يواجهها الأشخاص الذين يعيشون في فقر، ما يعمق من محنتهم.وأشار التقرير إلى أن ما يقرب من 8 من أصل 10 أشخاص يعيشون في فقر متعدد الأبعاد، أي أن 887 مليوناً من أصل 1.1 مليار شخص حول العالم معرضون بشكل مباشر لمخاطر مناخية كالحرارة المرتفعة والفيضانات والجفاف وتلوث الهواء. وتعد مناطق في جنوب آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء من أكثر المناطق عرضة للكوارث الطبيعية، حيث تضم أكبر عدد من الفقراء (380 مليوناً و344 مليوناً على التوالي). كما يتوقع أن يدفع تغير المناخ نحو 130 مليون شخص إضافي إلى براثن الفقر المدقع بحلول عام 2030.عندما يجتمع العالم مجدداً في إطار مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (كوب 31) في مدينة أنطاليا في تركيا بين 9 و20 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل سوف يجد أمامه حزمة من القضايا المناخية التي عليه مواجهتها، من بينها تأثير المناخ في الفقراء، وتنفيذ مخرجات مؤتمرات المناخ السابقة، ووفاء الدول الصناعية بالتزاماتها لجهة خفض الانبعاثات بحلول عام 2030، وإبقاء ارتفاع درجات حرارة الأرض دون درجتين مئويتين مع السعي لخفضها إلى 1.5 درجة، وزيادة تمويل العمل المناخي وتوفير تعهدات الدول الصناعية المسؤولة عن ارتفاع الانبعاثات الكربونية البالغة 300 مليار دولار سنوياً للدول النامية.هناك فجوة واسعة بين القرارات والتعهدات والالتزام والتنفيذ، ما يشكل عاملاً سلبياً في القدرة على مواجهة الكوارث البيئية، حيث تحقق تقدم بطيء في تعهدات خفض الانبعاثات العالمية، وفي التحول التدريجي بعيداً عن الوقود الأحفوري، بعدما تضاعفت قدرات الطاقة المتجددة في العقد الأخير. لكن الوفاء بالتعهدات المالية للدول النامية لم يصل إلى الحد المطلوب.إذا كانت المؤتمرات الدولية السنوية الخاصة بالمناخ تؤكد الاهتمام العالمي بقضية باتت تؤرق البشرية لأنها تتعلق بمستقبل الكرة الأرضية كحاضنة للإنسان، والموطن الوحيد والأساس لوجوده، وحاضره ومستقبله، والكوكب القادر على استدامة الحياة البشرية وتوفير مقومات البقاء، فإن المطلوب أن يتم وضع القرارات موضع التنفيذ ووضع استراتيجيات تتجاوز الاعتراف بالأزمة إلى تطبيق خطط عمل فعلية تتكيف مع ظروف المناخ.