يقف بسيارته أمام محل صغير، يضغط على المنبّه، فيخرج إليه العامل مسرعًا، يأخذ منه الطلب، يعود إلى المحل، ثم يرجع حاملاً الماء والطعام وبطاقة الدفع. لم يفتح الزبون باب سيارته، ولم يمشِ خطوات قليلة، ومع ذلك شعر بأن الخدمة لم تكن سريعة بما يكفي.
هذا المشهد لا يحدث في مكان واحد، ولا يقتصر على سلعة بعينها. أصحاب المحال والتجار والعاملون يتنافسون اليوم على أن يأكل المواطن ويشرب ويلبس ويشتري حاجاته وهو في منزله، أو خلف مقود سيارته. حتى الوجبة التي كانت سببًا للخروج والجلوس والمشي أصبحت تقطع المدينة وحدها، بينما ينتظرها صاحبها على الأريكة ويتابع مسارها على شاشة هاتفه.
نحن أمام سوق لم يعد يبيع السلع فقط؛ بل يبيع إعفاء الإنسان من الحركة. وكلما اختصرت خدمةٌ خطوةً من خطواته عُدّت أكثر تطورًا، حتى أصبح النزول من السيارة عبئًا، ودخول المتجر إضاعة للوقت، وإعداد وجبة بسيطة عملًا يستحق التأجيل.
لا شك أن خدمات التوصيل منجز مهم، وأنها ضرورة لكبير السن والمريض وذوي الإعاقة، وعون للأسرة المشغولة، كما أنها فتحت مجالات واسعة للعمل والاستثمار. المشكلة ليست في وجود الخدمة، بل في تحول الاستثناء إلى أسلوب حياة، وتحول الراحة من وسيلة تخدم الإنسان إلى عادة تعيد تشكيله.
التاجر لا يصنع هذا السلوك وحده؛ فهو يستجيب لطلب المستهلك، لكنه يسهم كذلك في تعزيزه. وحين تكون العبارة الأكثر جذبًا هي: «لا تتحرك، نحن نأتيك»، يصبح الكسل منتجًا له إعلان وسائق وتطبيق ووقت وصول متوقع. أما العامل الذي يهرع إلى كل سيارة فليس مسؤولًا منفردًا عن المشهد؛ فهو ينفذ ثقافة تجارية تشكلت بين رغبة الزبون في أقصى درجات الراحة وحرص المنشأة على ألا تخسره.
وللمفارقة، قد تصل وجبة عالية السعرات إلى رجل لم يمشِ للحصول عليها مترًا واحدًا، ثم يبحث في اليوم التالي عن نادٍ رياضي يعوِّض فيه ما فقده من حركة طبيعية. ندفع مالًا لمن يمنع عنا المشي، ثم ندفع مالًا آخر لمن يعيدنا إليه على جهاز كهربائي.
الخطر لا يقف عند الصحة والوزن. الاعتماد الدائم على الآخرين في أبسط الاحتياجات يضعف المبادرة، ويجعل الجهد العادي يبدو مشقة، وينقل هذه العادة إلى الأبناء. فالطفل الذي يرى كل شيء يصل إلى الباب، قد يكبر وهو يظن أن الحياة الجيدة هي الحياة التي لا ينهض فيها الإنسان من مكانه.
لا نحتاج إلى محاربة التقنية أو إغلاق تطبيقات التوصيل، بل إلى إعادة التوازن. نطلب الخدمة حين نحتاج لها، ونخرج حين نستطيع. نمشي إلى المتجر القريب، نحمل مشترياتنا البسيطة، ونعلّم أبناءنا أن الراحة مكافأة بعد الجهد، وليست بديلًا دائمًا عنه.
لقد نجحت الأسواق في إيصال كل شيء إلى الإنسان، لكنها لا ينبغي أن تأخذ منه قدرته على الوصول بنفسه. فالخدمة التي توفر عليه بعض الوقت نعمة، أما التي تقنعه بأن خطواته عبء فقد تطعمه ما يريد، لكنها في الوقت نفسه تغذّي كسله.
يقف بسيارته أمام محل صغير، يضغط على المنبّه، فيخرج إليه العامل مسرعًا، يأخذ منه الطلب، يعود إلى المحل، ثم يرجع حاملاً الماء والطعام وبطاقة الدفع. لم يفتح الزبون باب سيارته، ولم يمشِ خطوات قليلة، ومع ذلك شعر بأن الخدمة لم تكن سريعة بما يكفي.
هذا المشهد لا يحدث في مكان واحد، ولا يقتصر على سلعة بعينها. أصحاب المحال والتجار والعاملون يتنافسون اليوم على أن يأكل المواطن ويشرب ويلبس ويشتري حاجاته وهو في منزله، أو خلف مقود سيارته. حتى الوجبة التي كانت سببًا للخروج والجلوس والمشي أصبحت تقطع المدينة وحدها، بينما ينتظرها صاحبها على الأريكة ويتابع مسارها على شاشة هاتفه.
نحن أمام سوق لم يعد يبيع السلع فقط؛ بل يبيع إعفاء الإنسان من الحركة. وكلما اختصرت خدمةٌ خطوةً من خطواته عُدّت أكثر تطورًا، حتى أصبح النزول من السيارة عبئًا، ودخول المتجر إضاعة للوقت، وإعداد وجبة بسيطة عملًا يستحق التأجيل.
لا شك أن خدمات التوصيل منجز مهم، وأنها ضرورة لكبير السن والمريض وذوي الإعاقة، وعون للأسرة المشغولة، كما أنها فتحت مجالات واسعة للعمل والاستثمار. المشكلة ليست في وجود الخدمة، بل في تحول الاستثناء إلى أسلوب حياة، وتحول الراحة من وسيلة تخدم الإنسان إلى عادة تعيد تشكيله.
التاجر لا يصنع هذا السلوك وحده؛ فهو يستجيب لطلب المستهلك، لكنه يسهم كذلك في تعزيزه. وحين تكون العبارة الأكثر جذبًا هي: «لا تتحرك، نحن نأتيك»، يصبح الكسل منتجًا له إعلان وسائق وتطبيق ووقت وصول متوقع. أما العامل الذي يهرع إلى كل سيارة فليس مسؤولًا منفردًا عن المشهد؛ فهو ينفذ ثقافة تجارية تشكلت بين رغبة الزبون في أقصى درجات الراحة وحرص المنشأة على ألا تخسره.
وللمفارقة، قد تصل وجبة عالية السعرات إلى رجل لم يمشِ للحصول عليها مترًا واحدًا، ثم يبحث في اليوم التالي عن نادٍ رياضي يعوِّض فيه ما فقده من حركة طبيعية. ندفع مالًا لمن يمنع عنا المشي، ثم ندفع مالًا آخر لمن يعيدنا إليه على جهاز كهربائي.
الخطر لا يقف عند الصحة والوزن. الاعتماد الدائم على الآخرين في أبسط الاحتياجات يضعف المبادرة، ويجعل الجهد العادي يبدو مشقة، وينقل هذه العادة إلى الأبناء. فالطفل الذي يرى كل شيء يصل إلى الباب، قد يكبر وهو يظن أن الحياة الجيدة هي الحياة التي لا ينهض فيها الإنسان من مكانه.
لا نحتاج إلى محاربة التقنية أو إغلاق تطبيقات التوصيل، بل إلى إعادة التوازن. نطلب الخدمة حين نحتاج لها، ونخرج حين نستطيع. نمشي إلى المتجر القريب، نحمل مشترياتنا البسيطة، ونعلّم أبناءنا أن الراحة مكافأة بعد الجهد، وليست بديلًا دائمًا عنه.
لقد نجحت الأسواق في إيصال كل شيء إلى الإنسان، لكنها لا ينبغي أن تأخذ منه قدرته على الوصول بنفسه. فالخدمة التي توفر عليه بعض الوقت نعمة، أما التي تقنعه بأن خطواته عبء فقد تطعمه ما يريد، لكنها في الوقت نفسه تغذّي كسله.
الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.
أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.