توجّه نحو 100 مليون أميركي، أمس، إلى صناديق الاقتراع، للمشاركة في الانتخابات النصفية التي يتنافس فيها نحو 2500 مرشح، في عدد هو الأكبر منذ عام 2014. وجاء ذلك على وقع استياء شعبي متصاعد من الأزمات الاقتصادية والمعيشية الضاغطة، وفي ظلّ تلهّف «ديمقراطي» لانتهاز الفرصة وانتزاع الأغلبية في «الكونغرس»، سواء في مجلس النواب، حيث يعود المتنافسون إلى منازلة جديدة بعد تلك التي جرت عام 2024، أو في مجلس الشيوخ، حيث يدور التنافس على نحو 33 مقعداً ضمن التجديد الدوري، إضافة إلى انتخابات خاصة في ولايتَي فلوريدا وأوهايو -تستهدف ملء مقعدين شغرا قبل انتهاء ولاية صاحبَيهما، وهما ماركو روبيو وجي دي فانس اللذان تولّيا مهام في الإدارة الحالية-. ويشتدّ السباق في نحو عشر ولايات أبرزها تكساس، التي تتصدّر، إلى جانب أوهايو وميشيغان، قائمة الولايات الأكثر استقطاباً للإنفاق الانتخابي، في مؤشر إلى حجم الرهانات المعقودة على هذه الدوائر في رسم ملامح «الكونغرس» المقبل.
ومع فتح مراكز الاقتراع أبوابها في الولايات كافة، لانتخاب أعضاء «الكونغرس» وحكام الولايات وأعضاء المجالس التشريعية فيها ومسؤولين محليين آخرين، في استحقاق يستقطب عادةً إقبالاً أدنى من ما تحوزه الانتخابات الرئاسية، بدا المشهد مضطرباً في عدد من الولايات، على غرار أريزونا وفلوريدا. إذ أعلنت حاكمة أريزونا، كاتي هوبز، حال الطوارئ إثر عواصف وسيول مفاجئة، فيما اضطرّت السلطات المحلية في فلوريدا إلى نقل مراكز اقتراع بسبب الفيضانات. وفي إجراء طارئ مماثل، سمحت يوتا، استثنائياً، لناخبي مقاطعة سان خوان بإرسال بطاقاتهم إلكترونياً إذا تعذّر عليهم التنقّل بسبب الفيضانات، بينما سجّلت نيويورك أعطالاً تقنية في أجهزة مسح البطاقات الورقية في مقاطعة ويستتشستر، مع تأكيد سلطاتها أن أصوات الناخبين ستُحتسب على رغم هذه الأعطال.وفي خطوة غير مسبوقة في تاريخ الولايات المتحدة، أعلنت وزارة العدل إرسال نحو ألف مراقب إلى جميع الولايات الخمسين، بعدما جرت العادة على أن يقتصر انتشار هؤلاء على عدد محدود منها، موضحةً أن مهمّة المراقبين تتمثّل في التحقّق من الالتزام بقوانين التصويت الفدرالية، دعماً لإجراء ما سمّته «انتخابات حرة ونزيهة». في المقابل، أكد «الحرس الوطني الأميركي» أنه لن يرسل أيّ قوات فدرالية إلى مراكز الاقتراع، مشيراً إلى أن لكلّ حاكم ولاية صلاحية تكليف قواته بمهام لدعم العملية الانتخابية، فيما أفادت شبكة «سي إن إن» بأن ولايات عدة استعانت بـ«الحرس» لتقديم دعم في مجال الأمن السيبراني خلال الانتخابات.
تخوّف «جمهوري» وتفاؤل «ديمقراطي»
بالتزامن مع انطلاق النزال الانتخابي، رفعت مؤسسة «كوك بوليتيكال ريبورت»، المتخصّصة في تحليل الانتخابات، تقديراتها للمكاسب المحتملة لـ«الديمقراطيين» في مجلس الشيوخ إلى ما بين 3 و6 مقاعد، مؤكدةً أن فرص «الجمهوريين» في تفادي هذه النتيجة «ضئيلة»، ولا سيما أن انتصارات بفوارق هزيلة في دوائر متقاربة قد تحسم هوية الحزب صاحب الأغلبية. ولا تختلف هذه المعطيات عن استطلاع سابق أجرته شبكة «PBS News» بالتعاون مع إذاعة «NPR» ومعهد «Marist» في أيلول الماضي، أظهر تقدّم «الديمقراطيين» على «الجمهوريين»، وبخاصة في أوساط الناخبين المستقلّين، بنسبة 57% في مقابل 32%. ومن جهتها، أفادت «ريل كلير بوليتكس»، في وقت متأخر من مساء أمس، أنه «إذا استمرّ الوضع على ما هو عليه، فسيحصل الديمقراطيون على أغلبية 53 مقعداً في مجلس الشيوخ»، متوقّعةً تقدّمهم بـ52.1% مقابل 43.3% لـ«الجمهوريين».
توقّع زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، فوز حزبه بالأغلبية
وفي موازاة تراجع التأييد الشعبي للحزب «الجمهوري» الحاكم إلى نحو 31% وفق بعض الاستبيانات، رأى قرابة 55% من الأميركيين أن سياسات الرئيس دونالد ترامب ألحقت ضرراً بالاقتصاد، في مقابل 26% فقط اعتبروا أنها ساعدت على تحسينه، بحسب «NBC News». وفي استشرافهم النتائج، قدّر باحثون متخصّصون في الشأن الانتخابي أن تنحصر معركة مجلس النواب في نحو 35 سباقاً، متوقّعين أن يكسب «الديمقراطيون» نحو 15 مقعداً إضافياً، رغم الخطوات التي بادر إليها «الجمهوريون» لتعقيد مهمة خصومهم، من إعادة رسم حدود الدوائر إلى تعبئة الناخبين على أسس طائفية وعرقية.وفي ضوء المؤشرات الأولية الداعمة لحظوظ «الديمقراطيين»، صدرت عن المعسكر «الجمهوري» مواقف توحي بإحساس متزايد بقرب خسارة الأغلبية التشريعية؛ إذ أقرّ المرشح «الجمهوري» لمنصب حاكم جورجيا، ريك جاكسون، بأن حزبه يواجه «مشكلة في شأن إقبال الناخبين»، مضيفاً: «تأخّرنا في تحذير أنصارنا من احتمال الخسارة». ورغم أن «CNN» نقلت عن مسؤول في البيت الأبيض تأكيده وجود حال من «التفاؤل الحذر» في أوساط الإدارة، جاءت تصريحات ترامب العلنية لتعكس قلق «الجمهوريين» من ملفات إشكالية، في مقدّمها العلاقة مع إسرائيل التي تحوّلت إلى عبء انتخابي. إذ بعدما وصف ترامب الانتخابات الحالية بأنها «الأهمّ لأننا نجحنا بالفعل في إعادة العظمة إلى أميركا»، مشدداً على أنه «لا يمكننا السماح لليسار الراديكالي بالسيطرة على الولايات المتحدة»، فهو حاول منح مرشحيه جرعة دعم إضافية، معتبراً أن التجمعات الانتخابية التي شارك فيها «سيكون لها تأثير كبير في نتائج التصويت». كما ألمح إلى أنه اتفق مع بنيامين نتنياهو على «إيقاف المساعدات لإسرائيل نهاية العام لأنهم لا يحتاجون إليها»، في إقرار ضمني بجدّية هواجس الناخبين من الدعم المطلق لكيان الاحتلال.
وتابع ترامب أنه «لا يمكن السماح بتقويض إنجازات إدارتي بسبب استغلال (قضية العلاقة مع) إسرائيل من مرشحين مثل عبدول السيد في ميشيغان»، مشيراً إلى أن وقف المساعدات لتل أبيب سيحرم «الديمقراطيين» من سلاح سياسي مهم، ومتوقعاً أن تأتي النتائج «أفضل مما يتوقّعه كثيرون»، على حدّ قوله. ومع ذلك، لم يقلع الرئيس عن تشكيكه المعتاد في نزاهة الانتخابات، متطرّقاً إلى مسألة تشابه اسم المرشح «الجمهوري» في ألاسكا، دان سوليفان، مع اسم مرشح آخر، واصفاً الأمر بأنه «احتيال انتخابي» و«عمل إجرامي». وهي مخاوف عكسها أيضاً رئيس مجلس النواب، مايك جونسون، بقوله إن «مستقبل جمهوريتنا العظيمة على المحك في انتخابات اليوم»، في حين أعلن وزير العدل، تود بلانش «(أننا) سنواصل معركتنا القضائية بشأن ما نعتبره تلاعباً بالانتخابات في ألاسكا».أما على المقلب «الديمقراطي»، فبدا التفاؤل سيّد الموقف، إذ توقّع زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، فوز حزبه بالأغلبية في المجلس، لافتاً إلى أن القرار بيد ترامب في شأن «التعاون معنا» إذا استعدنا الأغلبية. وأضاف أن الأميركيين «يريدون منّا إجراءات تحسّن حياتهم»، مشيراً إلى أن ترامب «رفض الاستماع إلى مطالبهم واستخفّ بارتفاع تكاليف المعيشة التي تؤرقهم». وختم شومر بالقول: «لا أعرف ما إذا كان ترامب سيغيّر نهجه، لكننا سنواجهه بكل قوة ونركّز على القضايا التي تهمّ الأميركيين بغضّ النظر عن قراراته». أمّا عبدول السيد فأعرب عن تفاؤله «بشأن موقفنا في الانتخابات»، مشدّداً على أنه «إذا فزنا بالأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب، فعلينا محاسبة الرئيس ترمب والعمل على إنهاء الحرب». وفي الاتجاه نفسه، تعهّد النائب «الديمقراطي»، رو خانا، بالعمل على «إنهاء تمويل الحرب في إيران في حال الحصول على الأغلبية»، مشدّداً على أنه «ينبغي عدم تقديم المساعدات العسكرية لإسرائيل وهذه الخلاصة وصل إليها الرئيس ترامب».