عمليات تطويل العظام واحدة من أكثر التقنيات الجراحية تقدّماً في طب العظام الحديث، وشهدت خلال العقود الأخيرة تطوراً ملحوظاً نقلها من حلول محدودة للحالات المعقدة إلى إجراءات علاجية وتجميلية تُجرى وفق بروتوكولات دقيقة ومعايير عالمية. وتعتمد هذه العمليات على مبدأ «التمدد العظمي» أو الذي وضع أسسه الجراح الروسي «إيلزاروف» في منتصف القرن العشرين، ويعتمد المبدأ على إحداث كسر جراحي محسوب داخل العظم ثم فصل طرفيه تدريجياً للسماح بتكوين خلايا عظمية جديدة تملأ الفجوة وتزيد الطول أو تصحّح التشوّه.ومع تطور التقنيات، ظهرت أنظمة تثبيت أكثر دقة مثل المسمار النخاعي الممدِّد، والأجهزة الإلكترونية الذكية التي سمحت بتحكّم أفضل في الإطالة وتقليل الألم وتسريع التعافي، ما جعل هذه العمليات أكثر أماناً وانتشاراً.وتُستخدم عمليات التطويل لعلاج مجموعة واسعة من الحالات الطبية، من أبرزها الفروق الكبيرة في طول الساقين الناتجة عن التشوّهات الخَلقية أو الإصابات التي تؤدي إلى توقف نمو أحد الأطراف، إضافة إلى أمراض النمو العظمي مثل القزامة واضطرابات الصفائح العظمية. قصر القامة والتقزمتشير دراسات إلى أن تطويل العظام يمكن أن يحسّن الوظيفة الحركية لدى مرضى شلل الأطفال أو المصابين باضطرابات عصبية عضلية، عبر إعادة التوازن بين الأطراف وتحسين القدرة على المشي. كما يلجأ بعض المرضى إلى هذه العمليات لأسباب تجميلية بحتة بهدف زيادة الطول ضمن حدود آمنة طبياً، وهو توجه شهد ارتفاعاً عالمياً خلال السنوات الأخيرة وفق تقارير تؤكد أن هذه الإجراءات أصبحت أكثر أماناً بفضل التقنيات الحديثة التي تقلل الألم وتسرّع التعافي.ويؤكد استشاري جراحة العظام وتعديل التشوهات وتطويل العظام بمدينة الملك عبدالله الطبية بمكة المكرمة الدكتور مشير منصور الزيادي، أن عمليات التطويل تُجرى لعلاج اختلاف طول الأطراف بين الساقين، وقصر القامة الناتج عن الأمراض الوراثية أو اضطرابات النمو، إضافة إلى التشوّهات الخلقية أو القصر الناتج عن الإصابات والالتهابات وضعف نمو العظام، والهدف منها تحسين الوظيفة الحركية وجودة الحياة عندما يؤثر القصر أو التشوّه على المشي أو الحركة.علاجي أم تجميلي؟استشاري جراحة العظام الدكتور الزيادي، يوضح أن الأطباء يُفرّقون بين التطويل العلاجي الذي يُجرى لعلاج مشكلة طبية واضحة، وبين التطويل التجميلي الذي يُجرى لشخص سليم طبيًا يرغب في زيادة طوله لأسباب شخصية، وهو يخضع لتقييم شامل ومعايير دقيقة لضمان فهم المريض للمخاطر والالتزامات العلاجية.ويشير إلى أن سوء التغذية قد يؤثر في نمو العظام، خصوصًا لدى الأطفال والمراهقين، إذ يحتاج الجسم إلى كميات كافية من البروتين والكالسيوم و(فيتامين د)، وعناصر غذائية أخرى لضمان نمو طبيعي، كما قد تؤثر الأمراض المزمنة أو مشكلات الامتصاص على النمو. ويمكن لبعض مرضى شلل الأطفال الاستفادة من عمليات التطويل أو تصحيح التشوّهات، خصوصا عند وجود قصر في أحد الأطراف أو تشوّهات تؤثر على المشي، إلا أن نجاح العملية يعتمد على تقييم دقيق لقوة العضلات وحالة الأعصاب واستقرار المفاصل. أما المرضى المصابون بأمراض مزمنة، فإمكانية خضوعهم لعمليات التطويل تعتمد على نوع المرض ومدى السيطرة عليه، إذ تتطلب حالات مثل السكري وأمراض القلب واضطرابات المناعة وهشاشة العظام تقييماً دقيقاً قبل الجراحة نظراً لاحتمال تأثيرها على التئام العظام أو زيادة مخاطر المضاعفات.الوقوف طويلاً لا يؤثراستشاري تعديل التشوهات وتطويل العظام الدكتور الزيادي، يرى أن الوقوف لفترات طويلة لا يؤثر على نمو العظام أو طولها، لكنه قد يسبب إجهاداً للمفاصل والعضلات إذا كان مفرطاً، بينما يعتمد نجاح عمليات التطويل على الالتزام بتعليمات الطبيب والعلاج الطبيعي والمتابعة المنتظمة ويختلف مقدار التطويل الممكن تحقيقه حسب عمر المريض وحالة العظام والأنسجة المحيطة، إلا أنه يمكن عادةً تطويل العظم بنسبة تتراوح بين 15 و20% من طوله الأصلي، أي ما يقارب 8 سنتيمترات لعظمة الساق و8 سنتيمترات لعظمة الفخذ، ويمكن تكرار العملية في بعض الحالات مثل مرضى التقزّم، مع التأكيد أن الهدف الأساسي هو تحقيق تطويل آمن ومتوازن مع الحفاظ على وظيفة الطرف وسلامة الأعصاب والعضلات. بعد التطويل.. عش حياتك بصورة طبيعيةاستشاري أول جراحة العظام والعمود الفقري الدكتور أسعد المطوع قال: إن المريض يمكنه بعد انتهاء مرحلة التطويل ممارسة حياته اليومية بشكل طبيعي، بما في ذلك ممارسة الرياضة وحمل الأوزان، شريطة الالتزام بخطة العلاج والتأهيل. ويشير إلى أن المرحلة الأساسية تبدأ بتقييم شامل لحالة المريض ومعرفة أسباب قصر القامة سواء كانت وراثية أو مرضية أو ناتجة عن إصابة خلال مرحلة النمو، إضافة إلى التأكد من العمر المناسب والحالة الصحية العامة وعدم وجود نقص تغذوي أو أمراض عصبية أو عضلية قد تؤثر على النتائج النهائية. ويؤكد أن مخاطر عمليات التطويل قليلة نسبياً، وتشمل احتمال إصابة الأعصاب أو العضلات أثناء الجراحة أو حدوث ميلان بسيط في الأطراف، وأن نسب النجاح عالية جداً مع التقنيات الحديثة وخبرة الجراح. كسر جراحي محسوباستشاري جراحة العظام وترميم تشوّهات الأطراف والتطويل الدكتور عبدالوهاب الزهراني، أوضح أن عمليات تطويل وترميم العظام تُعدّ من أهم التقنيات الجراحية المتقدّمة التي طوّرها طب العظام خلال العقود الماضية، إذ أصبحت اليوم خياراً علاجياً دقيقاً وفعّالاً لمجموعة واسعة من التشوّهات والاضطرابات التي تصيب الأطراف. وتعتمد هذه العمليات على مبدأ التمدد العظمي الذي يقوم على إحداث كسر جراحي محسوب داخل العظم ثم السماح له بالنمو التدريجي عبر تكوين خلايا عظمية جديدة في الفجوة الناتجة، ما يؤدي إلى زيادة الطول أو تصحيح التقوس واستعادة الوظيفة الطبيعية للطرف.ويشير إلى أن تشوّهات وتقوّسات العظام تُعدّ من أكثر المشكلات التي تستدعي هذا النوع من التدخلات، إذ تتسبب التغيّرات غير الطبيعية في شكل أو استقامة العظام سواء كانت وراثية أو مكتسبة في ضعف وظيفي وآلام وصعوبة في الحركة، وقد تتطور إلى فقدان تدريجي لوظيفة الطرف إذا لم تُعالج. وتشمل هذه التشوّهات اضطراب العظم الزجاجي، وفرط التعظّم، ولين العظام، ونقص الفوسفات، والتحول الليفي، ومرض بلاونت، إضافة إلى اختلاف طول الساقين الناتج عن إصابات أو التهابات أو عيوب خلقية مثل غياب عظمة الشظية. العمر المناسب للعمليةاستشاري جراحة العظام الدكتور الزهراني، يرى أن عمليات التطويل تُجرى باستخدام تقنيتين رئيسيتين؛ الأولى هي التثبيت الداخلي عبر زرع قطعة معدنية داخل العظم يتم التحكم في تمددها مغناطيسياً، وهي طريقة توفر راحة أكبر للمريض وتقلل من المضاعفات، أما التقنية الثانية فهي التثبيت الخارجي باستخدام جهاز إليزاروف الذي يُعد الخيار الأنسب في حالات التشوّهات المعقدة أو لدى الأطفال نظراً لمرونته وقدرته على تصحيح الانحرافات المتعددة. ويشير إلى أن العمر المناسب لإجراء هذه العمليات يختلف بحسب مرحلة النمو، إذ يمكن البدء لدى الأطفال من عمر أربع سنوات باستخدام الأجهزة الخارجية، بينما يمكن للبالغين الخضوع للعملية في أي عمر بعد توقف النمو الذي يحدث عادةً بين 16–17 عاماً لدى الإناث و17–18 عاماً لدى الذكور. 1 ملم يومياً!يشرح استشاري ترميم تشوهات الأطراف والتطويل الدكتور الزهراني، أن مدة التطويل والشفاء تعتمد على قدرة العظام والأنسجة على التحمل، حيث يستغرق تعديل التقوس نحو ثلاثة أشهر، بينما يتم التطويل بمعدل 1 ملم يومياً، فمثلاً تطويل 3 سم يحتاج إلى 30 يوماً يعقبها نحو 60 يوماً لالتئام العظم ليصل إجمالي المدة إلى نحو 90 يوماً، وخلال هذه الفترة يخضع المريض لبرنامج علاج طبيعي وتأهيل مكثف لضمان استعادة الحركة ومنع التيبس أو ضعف العضلات.تيبّس وضعف الحركةأخصائية العلاج الطبيعي والتأهيل الدكتورة دانية باعشن، ترى أن نجاح عمليات تطويل العظام لا يعتمد على الجراحة وحدها، بل هو نتيجة تكامل دقيق بين الإجراء الجراحي وبرامج العلاج الطبيعي، إذ تحقق الجراحة الهدف الهيكلي بزيادة طول العظم أو تصحيح محوره، بينما يتولى العلاج الطبيعي استعادة الوظيفة الحركية وضمان عودة المريض إلى ممارسة حياته اليومية بصورة طبيعية وآمنة. وتشير إلى أن العلاج الطبيعي ليس مرحلة لاحقة للعملية كما يعتقد البعض، بل جزء أساسي من الخطة العلاجية منذ اليوم الأول، لأن العضلات والمفاصل تتعرّض خلال فترة التطويل لضغط مستمر نتيجة إطالة العظم، ما قد يؤدي إلى تيبّس أو ضعف في الحركة، وهنا يبرز دور العلاج الطبيعي في الحفاظ على مرونة المفاصل وتقوية العضلات الداعمة وتقليل الألم والتورم وإعادة التوازن الوظيفي للجسم. استعادة جودة الحياةأخصائية العلاج الطبيعي الدكتورة باعشن، تؤكد أن العلاج الطبيعي يسهم أيضاً في تنشيط الدورة الدموية، مما يدعم عملية التئام العظام ويقلل من المضاعفات المحتملة مثل التورم والتيبس، ويُحافظ على جاهزية الجسم للحركة، وكلما كان التدخل العلاجي مبكراً ومنتظماً كانت رحلة التعافي أسرع وأكثر سلاسة وتختلف الخطة العلاجية باختلاف نوع جهاز التطويل المستخدم، سواء كان جهازاً داخلياً أو خارجياً، إذ تُصمَّم برامج التأهيل بما يتناسب مع حالة كل مريض واحتياجاته الخاصة، مع متابعة دقيقة للتغيرات التي تطرأ خلال فترة الإطالة. وتختتم بأن الهدف من عملية التطويل لا يقتصر على زيادة الطول، بل يشمل استعادة جودة الحياة والحركة الطبيعية، وهو ما يجعل العلاج الطبيعي ركناً أساسياً في نجاح هذه العمليات وتحقيق نتائجها المرجوة.