تصفير قيمة الثانوية.. معضلة تبحث عن إجابة في أروقة وزارة التعليم! – عبدالكريم بن دهام الدهام

تجاوزت شهادة الثانوية العامة مرحلة فقدان البريق الأكاديمي، لتستقر اليوم في مربع الهامش الإداري الروتيني؛ إذ تحولت بفعل الأمر الواقع والأنظمة الإقصائية للقبول الجامعي إلى مجرد وثيقة تكميلية تشبه تماماً صورة شهادة الميلاد أو وثيقة حسن السيرة والسلوك.

إنها مجرد ورقة بيروقراطية تُطوى داخل ملف التقديم الإلكتروني، دون أن تحمل حكماً حقيقياً أو قيمة فعلية تشفع لصاحبها، أو تعكس حجم الجهد المبذول طوال سنوات طفولته ومراهقته. هذا الاختزال الصادم للمسيرة التعليمية يضعنا أمام مواجهة فكرية وتربوية صريحة لا تقبل المواربة: حينما نجعل هذه الشهادة بلا وزن في ميزان المستقبل، فنحن نشطب بجرة قلم واحدة 12 عاماً دراسياً كاملة من حياة الطالب. وإذا كان الأمر كذلك، فما الجدوى المنطقية إذن من الذهاب إلى المدرسة كل صباح؟

هذا الواقع يثير تساؤلات مشروعة وجريئة باتت تدور في خلد كل بيت وأسرة: لماذا لا نغلق المدارس نهائياً ونتوقف عن هدر الميزانيات الضخمة، والطاقات البشرية الهائلة، وساعات العمل الطويلة؟ مادامت المحصلة المعرفية للتعليم العام، والجهد التراكمي للطالب طوال أكثر من عقد من الزمان، قد اختُصرا في بضع ساعات أمام شاشات اختبارات «القدرات والتحصيلي»، فلماذا نصر على استنساخ منظومة مفرغة من قيمتها؟ ولماذا لا نعلن بشجاعة عن استبدال المنظومة المدرسية التقليدية بمراكز تدريبية مكثفة ومقننة تحل مكان المدارس، وتتفرغ لتلقين الطلاب واجتياز ما تطلبه الجامعات فعلياً؟

إن استمرار هذا الوضع لا يعني فقط هدر الموارد، بل يعني صناعة جيل يشعر بالاغتراب تجاه مؤسساته التعليمية، ويرى في مقاعد الدراسة عبئاً يومياً وسجناً إجبارياً لا طائل منه، طالما أن معدلاته التراكمية الكاملة «100 %» تتبخر وتتلاشى أمام اختبارات معيارية تُجرى في أيام معدودة.

إن هذا التهميش المستمر لا يتوقف أثره عند إحباط الطلاب، بل إنه يضرب القيمة المعرفية والأخلاقية للتعليم العام في مقتل، ويحول المعلم من مربٍّ وقائد فكري إلى مجرد مراقب في محطة انتظار طويلة ومملة. حين يدرك الطالب أن إنصاته لشرح المعلم، والتزامه بالواجبات، وبحثه العلمي، واختباراته الدورية لن تقدم أو تؤخر في نسبته الموزونة الفعالة، فإننا نساهم بشكل غير مباشر في نشر ثقافة «الاتكالية والزهد المعرفي». ويصبح الاستثمار الحقيقي والوحيد للأسر هو ضخ الأموال في الدورات التدريبية الخاصة والمعاهد التجارية لتعلم «تكتيكات» الحل السريع في اختبارات قياس، مما يكرس الطبقية التعليمية بين من يملك القدرة المالية لدخول هذه المراكز ومن لا يملكها، بينما تقف المدرسة الحكومية عاجزة عن تقديم هذا الدور لأنها مقيدة بمناهج ضخمة ومتشعبة لم تعد هي المفتاح الحقيقي للمستقبل.

أمام هذا المنعطف التاريخي الحرِج الذي يهدد الهيكل التعليمي، بات من المحتم على وزارة التعليم التحرك بشكل سريع وحاسم وعاجل؛ إذ لم يعد التراخي أو الاكتفاء بالحلول الترقيعية مقبولاً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هيبة التعليم العام.

إن الوزارة مطالبة اليوم بتبني خطة إستراتيجية تصحيحية فورية لانتشال شهادة الثانوية العامة من هذه الهاوية السحيقة، وإعادة الاعتبار للمدرسة كحاضنة أساسية للوعي والمعرفة وليست مجرد ممر عبور. والخطوة التنفيذية الأولى والأساسية تبدأ من فرض معايير قبول موحدة وصارمة على كافة الجامعات الحكومية والأهلية، تشترط قانونياً ألا يقل الوزن النسبي لشهادة الثانوية العامة عن 25 % كحد أدنى من النسبة الموزونة الكلية للمفاضلة.

إن إعادة هذا الوزن للشهادة المدرسية هو الكفيل بإعادة الروح للفصول الدراسية، وبث الحافز في نفوس الطلاب للاجتهاد اليومي، وجعل سنوات الجهد الاثنتي عشرة رحلة بناء حقيقية تستحق العناء، بدلاً من تركها تتلاشى كسراب تحت مقصلة الاختبارات المعيارية.

تجاوزت شهادة الثانوية العامة مرحلة فقدان البريق الأكاديمي، لتستقر اليوم في مربع الهامش الإداري الروتيني؛ إذ تحولت بفعل الأمر الواقع والأنظمة الإقصائية للقبول الجامعي إلى مجرد وثيقة تكميلية تشبه تماماً صورة شهادة الميلاد أو وثيقة حسن السيرة والسلوك.

إنها مجرد ورقة بيروقراطية تُطوى داخل ملف التقديم الإلكتروني، دون أن تحمل حكماً حقيقياً أو قيمة فعلية تشفع لصاحبها، أو تعكس حجم الجهد المبذول طوال سنوات طفولته ومراهقته. هذا الاختزال الصادم للمسيرة التعليمية يضعنا أمام مواجهة فكرية وتربوية صريحة لا تقبل المواربة: حينما نجعل هذه الشهادة بلا وزن في ميزان المستقبل، فنحن نشطب بجرة قلم واحدة 12 عاماً دراسياً كاملة من حياة الطالب. وإذا كان الأمر كذلك، فما الجدوى المنطقية إذن من الذهاب إلى المدرسة كل صباح؟

هذا الواقع يثير تساؤلات مشروعة وجريئة باتت تدور في خلد كل بيت وأسرة: لماذا لا نغلق المدارس نهائياً ونتوقف عن هدر الميزانيات الضخمة، والطاقات البشرية الهائلة، وساعات العمل الطويلة؟ مادامت المحصلة المعرفية للتعليم العام، والجهد التراكمي للطالب طوال أكثر من عقد من الزمان، قد اختُصرا في بضع ساعات أمام شاشات اختبارات «القدرات والتحصيلي»، فلماذا نصر على استنساخ منظومة مفرغة من قيمتها؟ ولماذا لا نعلن بشجاعة عن استبدال المنظومة المدرسية التقليدية بمراكز تدريبية مكثفة ومقننة تحل مكان المدارس، وتتفرغ لتلقين الطلاب واجتياز ما تطلبه الجامعات فعلياً؟

إن استمرار هذا الوضع لا يعني فقط هدر الموارد، بل يعني صناعة جيل يشعر بالاغتراب تجاه مؤسساته التعليمية، ويرى في مقاعد الدراسة عبئاً يومياً وسجناً إجبارياً لا طائل منه، طالما أن معدلاته التراكمية الكاملة «100 %» تتبخر وتتلاشى أمام اختبارات معيارية تُجرى في أيام معدودة.

إن هذا التهميش المستمر لا يتوقف أثره عند إحباط الطلاب، بل إنه يضرب القيمة المعرفية والأخلاقية للتعليم العام في مقتل، ويحول المعلم من مربٍّ وقائد فكري إلى مجرد مراقب في محطة انتظار طويلة ومملة. حين يدرك الطالب أن إنصاته لشرح المعلم، والتزامه بالواجبات، وبحثه العلمي، واختباراته الدورية لن تقدم أو تؤخر في نسبته الموزونة الفعالة، فإننا نساهم بشكل غير مباشر في نشر ثقافة «الاتكالية والزهد المعرفي». ويصبح الاستثمار الحقيقي والوحيد للأسر هو ضخ الأموال في الدورات التدريبية الخاصة والمعاهد التجارية لتعلم «تكتيكات» الحل السريع في اختبارات قياس، مما يكرس الطبقية التعليمية بين من يملك القدرة المالية لدخول هذه المراكز ومن لا يملكها، بينما تقف المدرسة الحكومية عاجزة عن تقديم هذا الدور لأنها مقيدة بمناهج ضخمة ومتشعبة لم تعد هي المفتاح الحقيقي للمستقبل.

أمام هذا المنعطف التاريخي الحرِج الذي يهدد الهيكل التعليمي، بات من المحتم على وزارة التعليم التحرك بشكل سريع وحاسم وعاجل؛ إذ لم يعد التراخي أو الاكتفاء بالحلول الترقيعية مقبولاً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هيبة التعليم العام.