يستمر تصاعد الأوضاع في جزيرة الوراق، مع تصعيد الأهالي تحركاتهم في مواجهة مشروع التطوير الحكومي، منتقلين من المطالبة بمعرفة مصير منازلهم وأراضيهم، إلى تعطيل أعمال المشروع وتنظيم وقفات احتجاجية حتى الاستجابة لمطالبهم المتعلقة بالبقاء في الجزيرة، وهي التحركات التي تزامنت مع تشديد قوات الأمن حصارها للجزيرة، بعد تجدد الاشتباكات بينها وبين عدد من الأهالي عند معدية القللي، على خلفية منع دخول مواد البناء إلى الجزيرة. وشهد محيط معدية القللي اليوم زيادة في الحواجز الأمنية، بعد يوم من وضع قوات الأمن حواجز شبك حديدية على مدخل المعدية، ما يزيد القيود المفروضة بالفعل على حركة سكان الجزيرة، بحسب أحدهم، الذي تحدث لـ«مدى مصر» طالبًا عدم ذكر اسمه. حواجز الشبك الحديدي التي ثبّتها الأمن أمس بدت محاولة لتفادي إصابة أفراده بالطوب خلال الاشتباكات مع الأهالي في محيط المعدية، التي كان آخرها يومي الأحد والاثنين الماضيين، وأصيب خلالها عدة أشخاص، أحدهم شاب تعرض لشرخ في الجمجمة، الأحد، بحسب المصدر. وتجمع عدد من الأهالي مساء الاثنين في منطقة تمركز قوات الأمن أسفل كوبري تحيا مصر، منددين بالتعامل الأمني خلال مواجهات المعدية، ما أسفر عن اشتباكات أخرى، بحسب مصدرين من السكان شاركا في تلك الأحداث، ومقاطع مصورة نشرها سكان الجزيرة على مواقع التواصل الاجتماعي. ومع استمرار منع إدخال مواد البناء للجزيرة، تُعد معدية القللي، وهي المدخل الرئيسي للجزيرة من ناحية الجيزة، بؤرة لمواجهات شبه يومية بين الأهالي والأمن منذ نحو تسع سنوات. وأوضح أحد السكان أن «مشكلة المون» تخص في الأساس الأهالي الذين يعملون في إدخال تلك المواد إلى الجزيرة، لكن الاشتباكات التي تنشأ بسببها تمتد إلى الأهالي في محيط المعدية. كانت قيادات أمنية اقترحت، خلال الشهر الماضي، نقل «عبّارة» السيارات والموتوسيكلات من موقعها بجوار معدية الأفراد في القللي، إلى محيط معدية أخرى تديرها الحكومة، بزعم الحد من الأزمات، وهو الاقتراح الذي رفضه الأهالي وقتها، معتبرين أنه يستهدف عزل مستخدمي العبّارة ممن ينقلون البضائع في مركباتهم عن بقية السكان في حال تجددت المشكلات. بعيدًا عن الاشتباكات، وفي مسار الحِراك الشعبي للاستمرار في الجزيرة، لجأ الأهالي خلال الأيام الماضية إلى تصعيد اتخذ أشكالًا مختلفة، أبرزها محاولتهم عرقلة أعمال إنشاء الطرق التي تنفذها الدولة، بإغلاق الطريق أمام شاحنات النقل، السبت الماضي، قبل أن ينظموا في اليوم التالي وقفة احتجاجية أمام مقر جهاز تنمية الجزيرة، توعدوا خلالها بالتصعيد حتى الاستجابة لمطالبهم. وبينما بدأ عدد كبير من أهالي الجزيرة خلال الشهرين الماضيين في تنظيم أنفسهم ضمن مجموعة باسم «باقون في جزيرة الوراق»، تزايد قلقهم مؤخرًا بشأن مستجدات خطة الحكومة للتطوير، ومصير أراضيهم ومنازلهم، خصوصًا مع تداول أخبار وخرائط غير رسمية للمشروع يعتقدون أنها تتضمن أجزاءً من أراضيهم، بحسب عدد من أهالي الجزيرة. «الناس نزلت وقفت قدام الجهاز عشان الدولة دلوقتي بتعمل الطرق، واكتشفوا إن الطرق قربت من بيوت الأهالي، وده هيبقى تأثيره إيه من ناحية الإزالات؟»، يقول أحد المحامين من سكان الجزيرة لـ«مدى مصر». كان عدد من الأهالي تحدثوا مع «مدى مصر» خلال الأسابيع الأخيرة عن حالة من الإحباط والإرهاق تراكمت على مدار سنوات، مع تراجع الخدمات الأساسية في الجزيرة، واضطرارهم إلى تدبير بعضها بأنفسهم، ومن بينها إنفاق نحو 400 ألف جنيه على تجهيز المدارس مع بدء العام الدراسي الحالي، فيما تستمر معاناتهم مع صعوبة الوصول إلى الخدمات الطبية وغيرها من الاحتياجات اليومية. وعلى مدار سنوات راقبوا خلالها مسار مشروع التطوير انتظارًا لمعرفة ما سينتهي إليه وضعهم، خلص الأهالي إلى أن الانتظار لم يأتِ بحلول، فيما تستمر الدولة في تنفيذ مشروعها بعد استحواذها على الجزء الأكبر من أراضي الجزيرة، حسبما قال الأهالي. محاولات تنظيم الحراك الأخيرة تضمنت عقد الأهالي سلسلة اجتماعات مع مسؤولين أمنيين، كان آخرها الخميس الماضي، دون استجابة لمطالبهم. المحامي من أهالي الجزيرة، وهو عضو لجنة شكلتها المجموعة لتمثيلها في المفاوضات مع المسؤولين، أشار من جهته إلى تراجع ثقة الأهالي في الدولة بعد أكثر من جلسة تفاوض مع مسؤولين أمنيين لم يتبعها تنفيذ الوعود والاتفاقات التي تم الانتهاء إليها، «بنلاقي الكلام اللي اتفقنا عليه اتغير»، مؤكدًا أن الأهالي يرحبون بالتفاوض، لكن «الدولة مش جدية». وبعدما سبق وتحدث الأهالي عن استمرار محاولات الدولة لامتصاص غضبهم باستمرار التفاوض معهم عبر قطاع الأمن الوطني بوزارة الداخلية، فيما تتجاهل القيادات السياسية فتح حوار مباشر معهم حول مطالبهم، أشار المحامي إلى أن وقائع مثل رفض استقبال مسؤولي جهاز تنمية الوراق للأهالي، ومخالفة الجهاز لوعد تلقوه من الأمن بوضع آلية لإدخال مواد البناء، زادت من شكوكهم بشأن جدوى التفاوض. وأعاد المحامي التأكيد لـ«مدى مصر» أن الأهالي لا يعترضون على مشروع التطوير في حد ذاته، وأن مطلبهم الأساسي الذي «لا بديل عنه» هو «بيت مكان بيت»، مضيفًا: «الحل بسيط؛ الدولة تعمل حوار مجتمعي، ويبقى التطوير مراعي السكان ومنازلهم، تعالى قولّنا: أنا هستفيد كذا وأنت هتستفيد كذا. ده مش بيحصل». كانت مجموعة «باقون في جزيرة الوراق» قدمت للجهاز، أغسطس الماضي، مطالب اتفق عليها الأهالي، على رأسها تخصيص قطعة أرض للأهالي ضمن مشروع التطوير، على مساحة حوالي 300 فدان، في حين قال عضو في المجموعة لـ«مدى مصر» الأسبوع الماضي، إنهم وقبل اجتماعهم مع القيادات الأمنية الخميس الماضي، تلقوا رسائل «إيجابية» أوحت بأن مبدأ بقاء الأهالي في الجزيرة لم يعد محل خلاف، وأن النقاش بات يتعلق بآليات تنفيذه. لكن ما حدث كان مختلفًا، إذ كشف المحامي أن الاجتماع مع ممثلي الأهالي كان مقررًا عقده في مقر جهاز تنمية جزيرة الوراق الجديدة، قبل أن يُبلغوا بأنه سيُعقد في مقر قطاع الأمن الوطني، وهو ما رفضه ممثلو الأهالي، مصرين على الاجتماع في مقر الجهاز، وهو ما حدث. بدأ الاجتماع قرابة الثامنة مساء الخميس، واستمر لما بعد منتصف الليل، وطالب خلاله الأهالي بتخصيص جزء من أرض الجزيرة داخل مخطط التطوير لبناء منازل بديلة لمن يرغب، على أن يحصل كل مالك على تعويض مناسب، وألا يُخلى منزله إلا بعد بناء البديل وتسليمه عقد ملكيته، وفق نماذج واشتراطات رسمية عادلة، بحسب بيان نشرته الحركة، السبت الماضي. وأوضح البيان أن رد ممثلي الدولة كان مفاده «أن من حق الأهالي أن يكونوا جزءًا من التطوير، وأنهم سيحيلون الطلب إلى الجهات المختصة لبحث آليات تنفيذه والرد عليه سريعًا، مؤكدين أن الأمر لن يستغرق وقتًا طويلًا كما حدث في السابق». من جانبه، طرح الجانب الأمني خلال الاجتماع نحو ألف شقة على الأهالي، بواقع شقة مقابل شقة ومتر مقابل متر، مع حصة في الأرض، وبعقود رسمية، بحسب البيان. سبق وأكد عضو في «باقون» أن تسليم وزارة الإسكان الوحدات السكنية البديلة للأهالي لا يعد كافيًا في ظل غياب الخدمات الأساسية في الجزيرة، وتدهور بنيتها التحتية جراء مشروع التطوير وما يصاحبه منه حصار للجزيرة. وبينما كانت حركة «باقون» طالبت التجار والسماسرة من الأهالي، في أغسطس الماضي، بوقف التعامل مع «الجهاز»، لمدة شهرين ينتهيان في آخر أكتوبر المقبل، في محاولة للضغط على الدولة التي استحوذت على أكثر من 75% من أراضي الجزيرة لصالح مشروع التطوير، انتقل الأهالي الأسبوع الجاري إلى تعطيل الأعمال الجارية مباشرة. «الدولة ما بتحلش، وعايزة تخنق الناس عشان الناس تزهق وتمشي»، يقول أحد المصدرين اللذين شهدا الاشتباكات الأخيرة الاثنين الماضي، مؤكدًا أن الأهالي يعتزمون مواصلة تعطيل أعمال الطرق والإنشاء التي تنفذها الدولة، قائلًا: «بإذن الله الشغل كله هيقف»، فيما أوضح المصدر الآخر أن تأثير إيقاف أعمال الإنشاء «بيسمّع بسرعة»، كونه مرتبطًا بشركات وجهات مختلفة، على عكس الاشتباكات التي قد لا تصل أخبارها إلى أكثر من «مدير الأمن»، حسبما قال. تواصل «مدى مصر» مع مسؤولي الإعلام بوزارة الإسكان للحصول على تعليق، لكن لم نتلقَ ردًا حتى نشر هذا التقرير. ويُنتظر أن يجتمع أهالي الجزيرة مجددًا، الجمعة المقبل، بحسب ما أعلنته صفحة «باقون في جزيرة الوراق» اليوم، لدراسة خطواتهم المقبلة، بينما لا يزالون ينتظرون ردًا على مطلبهم الرئيسي بالبقاء في الجزيرة، حسب وعد القيادات الأمنية في اجتماع الخميس الماضي.The post تصعيد في «الوراق».. اشتباكات و«تعطيل» يتحدى «التطوير» first appeared on Mada Masr.