تشديد نقدي أطول وفائدة أعلى: انعكاسات ممتدة على الأسواق العالمية

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

بنك أوف أميركا هو أن دورة التشديد قد لا تكون في مراحلها النهائية كما تعتقد الأسواق، بل ربما تكون أقرب إلى بدايتها إذا بقي التضخم مرتفعاً. فرفع الفائدة الأخير، بحسب قراءة البنك لتصريحات كيفن وارش، أزال جزءاً من التيسير النقدي لكنه لم يجعل السياسة النقدية مقيدة بما يكفي للنشاط الاقتصادي.

تحذير بنك أوف أميركا من احتمال وصول الفائدة الأميركية إلى مستويات تتجاوز 5% يمثل إعادة تسعير محتملة للمسار النقدي وليس مجرد توقع لرفع إضافي واحد. فالبنك يرى أن الأسواق قد لا تكون قد استوعبت بالكامل استمرار التضخم وقوة النشاط الاقتصادي، خصوصاً بعد أن رفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة في أيلول/ سبتمبر إلى نطاق 3.75%–4.00%، مع بقاء الباب مفتوحاً أمام مزيد من التشديد. ويأتي ذلك في وقت بدأت فيه الأسواق بالفعل في تسعير احتمال استمرار الرفع، بينما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بقوة، مع تجاوز عائد الـ10 سنوات مستوى 5% خلال سبتمبر.

المغزى الأهم من تحذير بنك أوف أميركا هو أن دورة التشديد قد لا تكون في مراحلها النهائية كما تعتقد الأسواق، بل ربما تكون أقرب إلى بدايتها إذا بقي التضخم مرتفعاً. فرفع الفائدة الأخير، بحسب قراءة البنك لتصريحات كيفن وارش، أزال جزءاً من التيسير النقدي لكنه لم يجعل السياسة النقدية مقيدة بما يكفي للنشاط الاقتصادي. وفي هذه الحالة، قد يستمر الفدرالي في رفع الفائدة حتى تصبح الأوضاع المالية أكثر تشدداً، وهو ما يفسر توقع البنك مزيداً من تسطح منحنى العائد وارتفاع عوائد السندات قصيرة الأجل.

بالنسبة إلى سوق السندات، فإن هذا السيناريو يمثل العامل الأكثر أهمية. ارتفاع توقعات الفائدة يضغط على أسعار السندات ويرفع عوائدها، خصوصاً على الآجال القصيرة التي تعكس توقعات السياسة النقدية بشكل مباشر. وفي الوقت نفسه، فإن تجاوز عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات مستوى 5% يعكس أن الأسواق لا تتعامل فقط مع توقعات الفائدة، بل أيضاً مع التضخم المرتفع، أسعار الطاقة، وحجم إصدار الدين الأميركي. استمرار هذه العوامل قد يبقي منحنى العائد تحت الضغط ويزيد تكلفة الاقتراض على الشركات والأسر.

أما الدولار، فمن الطبيعي أن يجد دعماً في حال بدأت الأسواق بإعادة تسعير مسار الفائدة نحو مستويات أعلى، خصوصاً إذا ارتفعت العوائد الأميركية مقارنة بعوائد الاقتصادات الكبرى الأخرى. لكن قوة الدولار ستكون مرتبطة بطبيعة هذا التشديد؛ فإذا جاءت الفائدة المرتفعة نتيجة استمرار نمو اقتصادي قوي، فقد يكون الدعم للدولار أكثر وضوحاً، بينما إذا جاءت نتيجة مخاوف تضخمية وارتفاع حاد في تكاليف الطاقة، فقد تصبح الصورة أكثر تعقيداً بسبب المخاوف من تباطؤ الاقتصاد لاحقاً.

على مستوى الأسهم الأميركية، فإن ارتفاع الفائدة إلى مستويات تقترب من 5% سيزيد تكلفة رأس المال ويرفع معدل الخصم المستخدم في تقييم الأرباح المستقبلية، ما يضع ضغطاً أكبر على التقييمات، خصوصاً في الأسهم ذات مضاعفات الربحية المرتفعة. وقد ظهرت حساسية الأسهم بالفعل تجاه ارتفاع العوائد، إذ تراجعت المؤشرات الأميركية بعد رفع الفائدة في سبتمبر بالتزامن مع ارتفاع عوائد الخزانة. وفي المقابل، فإن استمرار قوة الاقتصاد والأرباح يمكن أن يخفف من أثر ارتفاع العوائد، لذلك سيكون السؤال الأساسي هو ما إذا كانت الفائدة المرتفعة ستؤدي فقط إلى ضغط على التقييمات أم ستبدأ لاحقاً في التأثير على الأرباح والنمو.

ارتفاع العوائد يزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب ولذلك قد نشهد استمرار التقلبات والضغط على المعدن النفيس (أ ف ب)

بالنسبة إلى الذهب، فإن سيناريو الفائدة فوق 5% يمثل تحدياً واضحاً على المدى القصير، خصوصاً إذا ترافق مع ارتفاع الدولار والعوائد الحقيقية. ارتفاع العوائد يزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، ولذلك قد نشهد استمرار التقلبات والضغط على المعدن النفيس. لكن في المقابل، لا تزال هناك عوامل يمكن أن تدعم الذهب، وعلى رأسها المخاطر الجيوسياسية ومخاوف التضخم. لذلك، فإن اتجاه الذهب لن يعتمد على الفائدة الاسمية وحدها، بل سيكون مرتبطاً بشكل أكبر بمسار العوائد الحقيقية والدولار.

أما النفط، فيمثل جزءاً مهماً من هذه المعادلة؛ فارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يرفع التضخم ويجبر الفدرالي على إبقاء السياسة النقدية متشددة لفترة أطول، لكنه في الوقت نفسه قد يؤدي إلى إضعاف الطلب إذا بدأت تكلفة الطاقة المرتفعة تضغط على النشاط الاقتصادي. وهذا يخلق حلقة مترابطة بين النفط والتضخم والفائدة: ارتفاع النفط يرفع الضغوط التضخمية، التضخم المرتفع يدعم بقاء الفائدة مرتفعة، والفائدة المرتفعة قد تضغط لاحقاً على النمو والطلب على الطاقة. وفي جلسة اليوم، تراجعت أسعار النفط رغم استمرار التوترات في الشرق الأوسط مع تحسن مؤشرات الإمدادات، بينما بقيت عوائد السندات والدولار من أهم محركات الأسواق.

وبالنسبة للأسواق الناشئة والأسواق العربية، فإن ارتفاع الدولار والعوائد الأميركية لفترة أطول قد يعني تشديداً في الظروف المالية العالمية وارتفاع تكلفة التمويل بالدولار، مع احتمال تعرض بعض العملات والأصول لضغوط إذا تحولت السيولة العالمية نحو الأصول الأميركية ذات العوائد المرتفعة. في المقابل، قد توفر أسعار النفط المرتفعة دعماً للدول المصدرة للطاقة، ما يجعل تأثير هذه السياسة النقدية مختلفاً من اقتصاد إلى آخر.

الرسالة الأساسية من بنك أوف أميركا هي أن الأسواق قد تكون بحاجة إلى إعادة تسعير مفهوم "الفائدة النهائية". فإذا تحولت توقعات المستثمرين من رفع واحد إضافي إلى دورة تشديد أطول، فسيكون التأثير واسعاً على السندات والدولار والأسهم والذهب والنفط. لذلك، فإن أهم ما يجب مراقبته خلال المرحلة المقبلة ليس رقم الفائدة وحده، وإنما العلاقة بين التضخم، عوائد سندات العامين والعشرة أعوام، الدولار، وأسعار النفط. فإذا ارتفعت هذه العوائد مع قوة الدولار، فسيزداد الضغط على الذهب والأسهم؛ أما إذا بدأت العوائد في التراجع رغم بقاء الفائدة مرتفعة، فقد تكون الأسواق قد بدأت تستبق تباطؤاً اقتصادياً أو تغيراً في توقعات السياسة النقدية.