«تسوندوكو».. رفوف ممتلئة وقراءات مؤجلة

ثمة كتب نشتريها، لا لأننا مستعدون لقراءتها، بل لأننا نخشى أن تمضي الحياة من دون أن نلتقي بها. نحملها إلى منازلنا بشغف، ونمنحها مكانًا على الرف، ونتأمل عناوينها وأغلفتها، ثم نتركها هناك، كأن مجرد قربها منا يخفف شيئًا من قلقنا أمام اتساع العالم وضيق ما نعرفه عنه. في معارض الكتب يتكرر المشهد ذاته: قارئ يغادر محملًا بالأكياس، وفي داخله فرح يشبه الظفر بشي كان ينقصه. يعود إلى منزله، ويرتب ما اشتراه بعناية، ويقطع وعدًا صامتًا بأن يبدأ القراءة قريبًا. غير أن الأيام تنشغل بأيام أخرى، وتتراكم الكتب، فيما يبقى الوعد معلقًا بين الرف والوقت. أطلق اليابانيون على هذه الظاهرة اسم «تسوندوكو» (Tsundoku)، وهو مصطلح يصف شراء الكتب وتركها تتكدس من دون قراءة. لكن الظاهرة لا تشير بالضرورة إلى كسل ثقافي، بقدر ما تكشف عن علاقة أكثر تعقيدًا بين الإنسان والكتاب، فنحن لا نشتري دائمًا ما نحتاج إلى قراءته الآن، بل ما نتمنى أن نقرأه يومًا، وما نأمل أن نصبحه من خلاله. فالكتاب في لحظة شرائه لا يكون مجرد أوراق وحبر، بل وعدًا مؤجلًا مع الذات. وحين يختار الإنسان كتابًا في الفلسفة أو التاريخ أو الأدب أو علم النفس، فإنه لا يقتني محتواه فقط، بل يقتني احتمالًا جديدًا لنفسه احتمال أن يصبح أكثر معرفة، أو أقل حيرة، أو أقدر على فهم العالم. لهذا يمنح شراء الكتاب شعورًا سريعًا بالرضا، حتى قبل أن تُقرأ صفحته الأولى. فالاقتناء يبدو خطوة باتجاه المعرفة، مع أن الرحلة الحقيقية لا تبدأ إلا بفتح الكتاب. الشراء فعل سريع، أما القراءة فتطالبنا بما هو أصعب: الوقت، والصبر، والعزلة، والاستعداد للبقاء طويلًا أمام فكرة واحدة. وربما نحن لا نشتري الكتب التي تعبر عما نحن عليه، بل الكتب التي تشبه الشخص الذي نريد أن نصبحه. المكتبة.. سيرة لم تكتمل لا تتحدث المكتبة الشخصية عن الكتب التي قرأناها وحدها، بل عن الكتب التي أردنا قراءتها، والأفكار التي أثارت فضولنا، والأسئلة التي تمنينا أن نعثر لها على جواب. إنها سيرة غير مكتملة لصاحبها؛ جزء منها عاشه فعلًا، وجزء آخر لا يزال ينتظر أن يتحول من احتمال إلى تجربة. لهذا تبدو الكتب غير المقروءة أشبه بحيوات مؤجلة؛ فكل كتاب طريق لم نسلكه، أو سؤال لم نمنحه الوقت الكافي. وقد نشتري كتابًا في مرحلة معينة، ثم لا نعود إليه إلا بعد سنوات، فنكتشف أنه لم يكن ينتظر فراغًا مناسبًا فحسب، بل كان ينتظر قارئًا مختلفًا في داخلنا. فالكتاب لا يصل إلينا دائمًا لحظة شرائه.، قد نمتلكه ماديًا، لكننا لا نمتلك بعد التجربة التي تجعلنا قادرين على فهمه. وقد تمر أعوام قبل أن نصبح مستعدين لصفحة كانت مغلقة أمام وعينا، لا أمام أعيننا. بهذا المعنى، ليست المكتبة سجلًا لما عرفناه، بل خريطة لما لم نعرفه بعد. إنها تضع الإنسان أمام حقيقة معرفية واضحة وقاسية: مهما اتسعت قراءاته، سيظل ما يجهله أكثر مما يعرفه. ومن هنا، لا تبدو الكتب الصامتة دليلًا على الفشل دائمًا، بل قد تكون تذكيرًا صحيًا بحدودنا، وبأن المعرفة أوسع من الأعمار، وأن ما نستطيع قراءته سيظل أقل بكثير مما نتمنى. المكتبة مرآة للهوية لم تعد المكتبة المنزلية مجرد مساحة لحفظ الكتب، فقد اكتسبت في السنوات الأخيرة وظيفة بصرية واجتماعية إضافية. أصبحت جزءًا من تصميم المنزل، وخلفية للقاءات الرقمية، ومشهدًا متكررًا في الصور المنشورة عبر المنصات الاجتماعية. صار الكتاب حاضرًا بوصفه علامة على الذائقة والانتماء الثقافي، لا بوصفه وعاءً للمعرفة فقط. فالكتب التي نعرضها تقول شيئًا عنا، أو عن الصورة التي نرغب في تقديمها للآخرين. وقد يختار الإنسان عناوين تمثله فعلًا، وقد يختار أخرى لأنها تمثل الشخص الذي يتمنى أن يكونه. ولا يعني ذلك أن كل مكتبة مرتبة شكل من أشكال الاستعراض؛ فالكتاب جميل بطبيعته، وحضوره يمنح المكان روحًا خاصة. لكن السؤال يصبح مشروعًا عندما يتحول ترتيب الكتب إلى غاية مستقلة، ويصبح الغلاف أكثر حضورًا من النص، والصورة أهم من التجربة. هل نريد المعرفة فعلًا، أم نريد الصورة التي تمنحها المعرفة لنا؟ ذلك هو السؤال الذي تطرحه بعض المكتبات الصامتة؛ إذ يستطيع الإنسان أن يمتلك علامات الثقافة من دون أن يخوض مشقتها، وأن يحيط نفسه بالكتب من دون أن يسمح لها بالاقتراب من أفكاره. وفي عصر الصورة، أصبح من الممكن أن نستهلك مظهر الثقافة من دون أن نعيش تجربتها؛ نصور الكتاب، ونشارك غلافه، ونقتبس منه عبارة، وربما نضعه في مكان ظاهر، ثم نشعر أننا اقتربنا من عالمه. لكن المعرفة لا تنتقل بالملكية، ولا يعبر الكتاب إلى داخلنا لمجرد أنه عبر باب المنزل. بين شغف المعرفة وهوس الامتلاك يختلف تراكم الكتب غير المقروءة عن هوس جمع الكتب؛ فالأول غالبًا ما ينشأ عن فضول معرفي حقيقي يفوق الوقت المتاح، بينما يتحول الكتاب في حالة الهوس إلى غرض للاقتناء، وتصبح ملكيته أهم من قراءته. وبين الحالتين يقف معظم محبي الكتب؛ يشترون بحماس، ويقرؤون ببطء، ثم يكتشفون أن عناوينهم تتكاثر أسرع من قدرتهم على متابعتها. وليس في ذلك ما يدعو إلى الدهشة؛ فكل كتاب يقود إلى كتاب آخر، وكل فكرة تفتح أبوابًا إلى أسئلة جديدة. المعرفة لا تمنح الإنسان شعورًا نهائيًا بالاكتفاء، بل تجعله أكثر وعيًا بما يجهله. وهذا هو التناقض الأجمل في القراءة: كلما عرفنا أكثر، أدركنا أن ما نعرفه أقل مما كنا نظن. لكن الشغف قد يتقاطع أحيانًا مع النزعة الاستهلاكية؛ فمعارض الكتب، والعروض، والتوصيات السريعة، والقوائم المتداولة، كلها تدفع القارئ إلى الشعور بأن عليه اقتناء كل عنوان يلفت انتباهه. يصبح عدم الشراء شبيهًا بخسارة فرصة معرفية، حتى وإن لم تكن هناك نية قريبة للقراءة. وهكذا يتحول الكتاب إلى وعد محفوظ على الرف، وإلى احتمال لا نريد فقده، ولو لم نعرف متى سنعيش ذلك الاحتمال. المعرفة متاحة.. والانتباه نادر لم يكن الوصول إلى الكتب أسهل مما هو عليه اليوم. المعارض تتوسع، والمتاجر الإلكترونية تختصر المسافات، والكتب الرقمية والصوتية تتيح خيارات لم تكن متوافرة من قبل. ومع ذلك، تبدو القراءة العميقة أكثر صعوبة. فالندرة لم تعد في الكتاب، بل في الانتباه. لم يعد الكتاب ينافس كتابًا آخر فقط، بل ينافس الهاتف، والإشعارات، ومنصات البث، والمحتوى القصير، وكل ما يطالب العين والعقل باستجابة سريعة. تتوزع ساعات اليوم بين نوافذ كثيرة، حتى لا يبقى للقراءة ذلك الزمن الهادئ الذي تحتاج إليه. نؤجل الكتاب إلى الإجازة، ونؤجل الإجازة إلى وقت أقل ازدحامًا، ثم نكتشف أن الحياة لا تفرغ نفسها لأجلنا. فالوقت المثالي للقراءة نادرًا ما يأتي؛ لأن القراءة لا تعيش في الفراغ، بل تنتزع مكانها من قلب المشاغل. وربما كانت أزمتنا المعاصرة أننا نمتلك وسائل الوصول إلى المعرفة، لكننا نفقد القدرة على المكوث معها. نريد الفكرة سريعة ومختصرة، بينما يطلب الكتاب منا أن نتباطأ، وأن نصغي، وأن نقبل بأن بعض المعاني لا تكشف نفسها من النظرة الأولى. الكتاب بطبيعته ضد العجلة؛ فهو لا يمنح قارئه نفسه دفعة واحدة، بل يطلب منه أن يتقدم إليه صفحة بعد أخرى، وأن يشارك في بناء المعنى، لا أن يستهلكه جاهزًا. الكتب التي تراقبنا بصمت ينظر القارئ أحيانًا إلى رفوفه الممتلئة، فيشعر أن الكتب غير المقروءة تراقبه. يتحول كل عنوان إلى وعد لم يفِ به، وكل صفحة مغلقة إلى تذكير بما كان ينبغي إنجازه. لكن هل ينبغي أن تتحول القراءة إلى محكمة يحاكم فيها الإنسان نفسه؟ الكتاب ليس مهمة مدرسية، والمكتبة ليست قائمة إنجازات. بعض الكتب تسبق وقتها، وبعضها نشتريه في مزاج لا يستمر، وبعضها قد لا نقرأه أبدًا. وليس في ذلك خطيئة ثقافية؛ فالإنسان لا يستطيع أن يعيش جميع الاحتمالات التي اختارها لنفسه. إن شعور الذنب لا يصنع قارئًا حقيقيًا، بل قد يحول القراءة إلى عبء ثقيل. والأجدى أن ننظر إلى الكتب غير المقروءة بوصفها إمكانات مفتوحة، لا ديونًا متراكمة. ومع ذلك، هناك فرق بين التأجيل الذي يحتفظ بالرغبة، والتأجيل الذي يدفنها. المشكلة ليست أن ينتظر الكتاب، بل أن يصبح الانتظار مصيره الدائم، وأن يتحول الشراء إلى بديل نفسي عن الفعل الحقيقي. فامتلاك الكتاب سهل، أما السماح له بأن يغير شيئًا فينا فهو ما يتطلب الوقت والشجاعة. القراءة ليست مرورًا على الكلمات، بل استعداد لأن نصغي إلى صوت قد يربك يقيننا، ويعيد ترتيب أسئلتنا، ويفتح في داخلنا نافذة لم تكن موجودة. إنها فعل مقاومة للسرعة، والتشتت، والأفكار الجاهزة؛ أن نخرج من الصفحة أقل اطمئنانًا مما دخلنا إليها، لكن أكثر اتساعًا. ماذا تقول الكتب التي لم نفتحها؟ ربما تقول إن رغبتنا في المعرفة أكبر من أعمارنا، وربما تذكرنا بأننا اشترينا أحلامًا أكثر مما استطعنا أن نعيش. وربما تكشف أن الإنسان لا يجمع الكتب وحدها، بل يجمع الاحتمالات؛ ففي كل كتاب حياة كان يمكن أن يفكر فيها بطريقة أخرى، وسؤال كان يمكن أن يقوده إلى مكان مختلف. إنها لا تطالبنا بأن نقرأها جميعًا، فهذا مستحيل، لكنها تسألنا عن طبيعة علاقتنا بها: هل نقتنيها كي نمنح أنفسنا صورة القارئ، أم لأننا ما زلنا نؤمن بأن فكرة واحدة قد تغير مسار حياة كاملة؟ لا تحتاج علاقتنا بالكتب إلى المزيد من التأنيب، بل إلى قدر من الصدق؛ أن نشتري ما نرغب في قراءته حقًا، وأن نمنح الكتب التي اخترناها فرصة لأن تتجاوز الرف إلى حياتنا. فأجمل المكتبات ليست الأكثر امتلاءً، بل الأكثر حياة؛ تلك التي تظهر على كتبها آثار الأيدي، وخطوط الأقلام، وانثناءات الصفحات، وتلك التي لم تعد عناوين صامتة، بل تحولت إلى أسئلة وذكريات ومواقف. وفي النهاية، لا تُقاس قيمة المكتبة بعدد الرفوف، ولا بعدد الكتب التي نملكها، بل بعدد الأفكار التي أيقظتها فينا، والأسئلة التي غيرت زاوية نظرنا إلى العالم. فالكتاب لا يعيش على الرف، بل في العقل الذي يفكر به، وفي الروح التي تسمح له بأن يترك أثره. ولذلك، ليس السؤال الحقيقي: كم كتابًا اقتنينا؟ بل: كم كتابًا غيّر شيئًا فينا؟