بين مساء 25 سبتمبر وصباح 4 أكتوبر 2026 تسعة أيام فقط. لكنها كانت كافية لينتقل الملف اليمني من لغة الخطابة إلى لغة الأمر. ففي اليوم الأول دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي إلى التعبئة العامة، وفي اليوم السادس جاء الغطاء من الرياض في الخطاب الملكي السنوي، وفي اليوم التاسع أُعلن بدء العمليات العسكرية. وثلاث محطات متتابعة بهذا الإيقاع لا تُقرأ كلاً على حدة؛ فالأولى سمّت المعركة، والثانية منحتها غطاءً، والثالثة حوّلتها إلى أمر. وفي المسافة بينها يُقرأ اتجاه المرحلة.
في خطابه بمناسبة الذكرى الرابعة والستين لثورة 26 سبتمبر قال العليمي: «انطلاقاً من مسؤوليتنا الدستورية، وقرارات مجلس الدفاع الوطني، أدعو أبناء شعبنا العظيم إلى التعبئة العامة والنفير الوطني، والالتفاف حول قواتهم المسلحة والأمن». ولم يترك الهدف عاماً، بل حدده: استعادة مؤسسات الدولة وبسط سيادتها على كامل الأرض وصولاً إلى صنعاء.
وأهم ما في هذه المحطة أنها غيّرت تعريف المعركة قبل أن تغيّر موازينها. فطوال سنوات أُديرت الحرب في اليمن بلغة «الجبهات» و«خطوط التماس» و«التهدئة»، وهي لغة تفترض أن الانقسام قائم وأن المطلوب إدارته. أما خطاب النفير فتحدث بلغة «استعادة الدولة»، وهي لغة لا تعترف بخط تماس، لأن الدولة لا تتوقف عند خط.
وفي الخطاب نفسه أداة ثانية لا تقل أهمية عن التعبئة: العفو. فقد أعلن أن من يبادر إلى ترك صفوف الحوثيين والتوقف عن القتال أو العمل لصالحهم سيكون مشمولاً بعفو شامل، وخاطب أبناء المحافظات الخاضعة للجماعة بألا يزجّوا بأبنائهم في حروبها. فالخطاب لم يكتف بحشد من يقاتل، بل فتح باباً لتفريغ صفوف من يُقاتَل؛ والعفو في هذا الموضع ليس لفتة، بل أداة تفكيك. وجدد كذلك الالتزام بما سيفضي إليه الحوار الجنوبي– الجنوبي الذي ترعاه المملكة، ليقول إن الجبهة الداخلية للشرعية ليست موضع مساومة وهي تدخل مرحلة الحسم.
المحطة الثانية: الغطاء الذي أسقط منطق خطوط التماس
بعد خمسة أيام، في 30 سبتمبر، ألقى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، الخطاب الملكي السنوي في افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى. وجاء فيه: «وفي اليمن الشقيق تؤكد المملكة دعمها الشامل، من خلال تحالف دعم الشرعية للحكومة اليمنية، لبسط سلطتها على كامل البلاد واستعادة الاستقرار، والتصدي لاعتداءات الميليشيات الحوثية الإرهابية، التي اختارت الفوضى والخراب، وتهديد الشعب اليمني والمنطقة مسلكًا لها».
وتحمل هذه الجملة ثلاث دلالات. الأولى في عبارة «كامل البلاد»: فهي تلتقي حرفياً مع هدف خطاب النفير، وتُسقط من الجهة الإقليمية منطق تثبيت الانقسام الذي ساد سنوات.
والثانية في موضعها: فالخطاب الملكي السنوي أمام مجلس الشورى ليس تصريحاً عابراً، بل الوثيقة التي تعرض فيها الدولة توجهاتها للعام؛ وإدراج اليمن فيه بهذه الصيغة يجعل الدعم التزاماً معلناً لا موقفاً ظرفياً.
والثالثة في الجمع بين أمرين: دعم بسط السلطة، و«التصدي لاعتداءات» الجماعة. فالمملكة لا تدعم حكومة جارة فحسب، بل تدافع عن أمن تعرّض لاعتداءات مباشرة.
وقد التقطت الحكومة اليمنية هذه الرسالة في ساعتها؛ فثمّن العليمي في المساء نفسه ما جاء في الخطاب من دعم شامل لبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. فالمحطة الثانية لم تكن تعليقاً على الأولى بل جواباً عنها: الكلمة طلبت غطاءً، والغطاء جاء بالصيغة نفسها.
وفي 4 أكتوبر أعلن العليمي في بيان للشعب اليمني: «انطلاقاً من مسؤوليتنا الدستورية في حماية سيادة الجمهورية ومواطنيها، وبناءً على قرارات مجلس الدفاع الوطني، وبعد استكمال الإجراءات والتدابير اللازمة، أعلن اليوم بدء العمليات العسكرية لاستعادة ما تبقى من أراضي الجمهورية، وبسط سلطة الدولة ومؤسساتها على كامل التراب الوطني». ووصف القرار بأنه انتقال من مرحلة الاستعداد والتهيئة إلى مرحلة التحرير، بعد استنفاد كل فرص التهدئة.
واللافت أن البيان أعاد في سطوره الأولى صيغة خطاب النفير نفسها: «مسؤوليتنا الدستورية» و«قرارات مجلس الدفاع الوطني». فالمحطة الثالثة تقدّم نفسها تنفيذاً لما أُعلن في الأولى، لا قراراً منفصلاً عنها. وخصّ البيان المملكة برسالة تقدير لمواقفها، وجدد الالتزام بمخرجات الحوار الجنوبي–الجنوبي، ودعا المجتمع الدولي إلى دعم برامج التعافي وإعادة الإعمار في المناطق التي تعود إلى سلطة الدولة. وبهذا اكتمل القوس: كلمة حددت الهدف، وغطاء تبنّى الهدف نفسه، وأمر بدأ تنفيذه. والسؤال لم يعد: هل تتحرك الدولة؟ بل: أين أولاً، وبأي ثمن، وكيف تُدار الأرض بعد استعادتها؟
غير أن قراءة المحطات الثلاث بوصفها شأناً برياً يمنياً وحده تُغفل نصف الصورة. فمنذ أن أغلقت الحرب على إيران مضيق هرمز في معظمه هذا العام، حوّلت المملكة جانباً كبيراً من صادراتها غرباً إلى موانئ البحر الأحمر، فصار باب المندب منفذاً حيوياً لا طريقاً جانبياً. ثم صار المنفذ البديل نفسه هدفاً: فقد رصدت الإدارة البحرية الأمريكية في تحذيرها الأخير هجمات على السفن المرتبطة بالمملكة منذ يوليو، واستيلاء الحوثيين منذ أغسطس على جزر استراتيجية وأراضٍ على الساحل الغربي لليمن المجاورة لباب المندب. وارتفعت أقساط التأمين للسفن العابرة في البحر الأحمر، بحسب مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية، من 0.1 % إلى ما بين 0.7 و1 % من قيمة السفينة. ومدّت لجنة مخاطر الحرب في سوق التأمين بلندن، في تعميمها الصادر في 29 يوليو، حدود المنطقة المدرجة في البحر الأحمر إلى خط العرض 25.5 شمالاً.
وفي الضفة الأخرى من الجزيرة العربية تُكتب قواعد العبور في هرمز اليوم في ترتيب ثنائي بين إيران وعُمان، أعلنت طهران في أغسطس اتفاقهما على مسار للسفن وعلى ترتيبات لإدارة المضيق مشتركاً. فلا تملك دول الخليج الأخرى في قواعد ذلك الممر قلماً. وهذا ما يجعل البحر الأحمر الممر الذي تستطيع المملكة أن تكتب أمنه بيدها.
فكل أرض تُستعاد على الساحل الغربي ليست كسباً يمنياً فحسب، بل أمنٌ لممر تعبره صادرات المنطقة وتجارة العالم. ولهذا كان للمحطة الثالثة وجه بحري سبقها: ففي 30 يوليو وُقّع في الرياض إعلان تأسيس التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، بقيادة المملكة ومقره الدائم على أراضيها، لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، وأكملت ثلاث عشرة دولة انضمامها إليه في أغسطس. فالبر والبحر في هذه المرحلة معركة واحدة: من يملك الساحل يملك أن يكتب أمن الممر، ومن يُترك له الساحل يملك أن يغلقه.
لا يحتاج القارئ إلى التنبؤ بنتائج الميدان، فالعمليات بدأت للتو، والتنبؤ فيها أسرع ما ينقضه الواقع. لكن ثلاثة مؤشرات واضحة ستقول، حين تقع، إن المرحلة تمضي في اتجاهها:
1- عبور أول ناقلة مرتبطة بالمملكة باب المندب جنوباً دون اعتراض، فهو المؤشر الذي يختصر أمن الممر كله.
2- انخفاض أقساط تأمين البحر الأحمر، لأن السوق لا تكافئ الإعلانات بل الأمن الذي تقيسه.
3- أول مدينة مستعادة تعود إليها الخدمات ودورتها الدستورية، كما وعد خطاب النفير، فاستعادة الأرض لا تكتمل حتى تُستعاد إدارتها.