أثنى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في لفتة نادرة من نوعها، على خصومه الديمقراطيين بعد فوزهم الكبير في انتخابات منتصف الولاية، إلا أنه رفض تحمّل أي مسؤولية شخصية عن النتيجة.
وسعى ترامب، البالغ من العمر 80 عامًا، إلى إلقاء اللوم على أعضاء حزبه الجمهوري.
وقال في مقابلة عبر الهاتف أجرتها معه شبكة "فوكس نيوز": "تهانينا للديمقراطيين، فقد أبلوا بلاءً حسنًا".
وأضاف: "سعوا إلى هذا الأمر على مدى 11 عامًا، وأخيرًا حققوه، لكنني لا أنظر إلى الأمر على أنه ضربة موجّهة إليّ".
ويُعدّ صدور تصريحات إيجابية من هذا القبيل عن ترامب أمرًا غير مألوف إطلاقًا؛ إذ قضى معظم فترة الحملة لانتخابات منتصف الولاية وهو يوجّه للديمقراطيين نعوتًا شتى، منها أنهم شيوعيون و"إسلاميون".
وشدّد ترامب على أنه—خلافًا لما كان عليه رد فعله لدى خسارته انتخابات 2020 الرئاسية—قَبِل بنتائج الاقتراع، وأنه مستعد للتعاون مع الديمقراطيين حاليًا بعدما باتوا يسيطرون على الكونغرس.
وقال: "يمكنني العمل معهم في العديد من القضايا".
لكنه حذّر في الوقت ذاته من أنه مستعد لاستخدام سلطته التنفيذية لنقض أي تشريع يُقرّه الديمقراطيون.
وقال: "يمكنهم إرسال 50 مشروعَ قانونٍ رائعًا تحمّسوا لها، وسأعيدها إليهم مختومة بختم جميل كُتب عليه: فيتو (نقض)".
وفي وقت تُظهر فيه الاستطلاعات أن الناخبين يشعرون بالاستياء من حرب إيران وارتفاع أسعار النفط الناجم عنها، أقرّ ترامب كذلك بأن النزاع ساهم بالفعل في هذه النتيجة.
وأوضح لـ"فوكس نيوز": "أعتقد أن الأمر يعود جزئيًا إلى إيران، ولكن في الوقت ذاته، فهم الناس أهمية ما قمت به بشأن إيران".
وتبنّى ترامب نبرة أكثر حدّة حيال حزبه الذي دعاه مرارًا أثناء الحملة الانتخابية إلى "التصرّف وكأن اسمي مطروح على بطاقات الاقتراع".
وقال في منشور على منصته "تروث سوشيال": "لم أكن على بطاقات الاقتراع، ولو كنت كذلك لحققنا فوزًا كاسحًا".
استعدوا لما هو قادم
وذكر ترامب لاحقًا أنه سيصبح "محللًا سياسيًا" ويعرض الأسباب التي أدت إلى خسارة الجمهوريين.
وبدأ بغريغ أبوت، حاكم تكساس الموالي له الذي أطاحت به الديمقراطية جينا هينوخوسا؛ فقال إنه لو لم يتحوّل أبوت إلى جمهوري بالاسم فقط "ما كان ليخسر".
وكان ترامب قد اختار شخصيًا العديد من مرشحي الحزب الجمهوري، وتوجّه إلى مختلف أنحاء البلاد لحشد الدعم لهم.
لكن البيت الأبيض شكّك في مدى كفاءة المرشحين الجمهوريين.
وقال مسؤول في البيت الأبيض: "كفاءة المرشحين مهمة، والرئيس ترامب قام بعمل أفضل في الترويج للعديد من المرشحين مقارنة بما قام به المرشحون أنفسهم".
وكان ترامب وكبار مسؤولي إدارته قد تابعوا صدور النتائج أثناء حفل أُقيم في القاعة الشرقية في البيت الأبيض.
وتناول بعض موظفي البيت الأبيض وجبات سريعة من سلسلة المطاعم الأميركية "تشيزكيك فاكتوري"، في لفتة ساخرة موجّهة إلى الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما، الذي قال في وقت سابق إن عمليات التجديد التي أجراها ترامب في البيت الأبيض "بدت وكأن صدام حسين افتتح فرعًا لمطعم تشيزكيك فاكتوري" في المكان.
ويبقى السؤال مطروحًا حول كيفية تفاعل ترامب خلال السنتين المقبلتين في حال بات رئيسًا مكبّل اليدين، في ظل سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ.
ولا يزال ملف إيران يستحوذ على تفكير ترامب، وسط تكهنات واسعة النطاق بأن الرئيس يستعد لاستئناف عمل عسكري واسع ضد طهران، ليمضي قُدمًا في حرب بات من الواضح أنها تثير امتعاض الناخبين.
وقال مسؤول في البيت الأبيض: "كل من صوّت لصالح الديمقراطيين اليوم سيصاب بندم شديد على خياره عندما تنخفض أسعار الوقود سريعًا بمجرد تسوية النزاع مع إيران، ولكنه سيبقى رغم ذلك عالقًا مع مجموعة من الديمقراطيين الليبراليين المتطرفين".
كما ألمح البيت الأبيض إلى إمكانية اتخاذ ترامب إجراءات انتقامية ضد خصومه السياسيين.
وقال المسؤول: "بصرف النظر عما ستؤول إليه الأمور اليوم، فإن عزم الرئيس ترامب على التصدي لليسار الراديكالي لن يزداد إلا قوة وصلابة؛ فاستعدوا لما هو قادم".
أول مسلم في مجلس الشيوخ الأميركي
بات الديمقراطي (عبدول) عبد الرحمن السيد أول مسلم يفوز بمقعد في مجلس الشيوخ الأميركي، بعد تغلبه في ولاية ميشيغان على مايك روجرز، عقب حملة انتخابية تعرّض خلالها لانتقادات لاذعة من الجمهوريين يتقدمهم دونالد ترامب ونائبه جاي دي فانس.
وقال السيد في خطاب ألقاه في مقر حملته الانتخابية في ديترويت: "اسمي عبد الرحمن محمد السيد، وأنا فخور جدًا ويشرّفني أن أقف هنا سيناتورًا منتخبًا عن ولاية ميشيغان العظيمة".
وأتى فوز السيد، الذي أتم قبل أيام عامه الثاني والأربعين، رغم عقبة مفاجئة واجهتها حملته؛ إثر إعلان هايلي ستيفنز، التي خسرت أمامه في الانتخابات التمهيدية للديمقراطيين، دعمها لمنافسه الجمهوري في الولاية.
والسيد طبيب من أصل مصري، أطلق خلال حملته تعهّدات شملت الرعاية الصحية الشاملة؛ للفوز بمقعد بالغ الأهمية للديمقراطيين في مجلس الشيوخ خلفًا للسيناتور المتقاعد غاري بيترز.
وعمل الجمهوريون في حملتهم على تصوير الديمقراطيين على أنهم "شيوعيون"، وبلغ بهم الأمر حد وصف السيد بأنه "إرهابي" سيعرّض الأميركيين للخطر.
وتعهّد السيد بمساعدة الناخبين ذوي الدخل المحدود في الحصول على الرعاية الصحية، وتقدّم بفارق يقارب ست نقاط مئوية على منافسه روجرز عندما أعلنت شبكات التلفزة فوزه.
وقالت ترونيتا روتش (75 عامًا)، وهي سيدة أعمال حضرت احتفال النصر وسط ديترويت مرتدية حذاءً بألوان العلم الأميركي: "سئمنا التعب والمعاناة. أنا فخورة جدًا بكل هذا العمل.. كان عملًا ميدانيًا حقيقيًا، كنا دائمًا في الميدان ولم يبذل أحد جهدًا أكثر منا".
وأضافت: "أشعر بسعادة غامرة".
وكان السيد عرضة لهجمات مناهضة للإسلام خلال الحملة الانتخابية، كما سخر ترامب وفانس من اسمه.
إلا أن السيناتور الجديد، الذي عُرف بأسلوبه المباشر في الخطابة والغمز من قناة منتقديه، رد على الرئيس ونائبه بلا مواربة في خطاب النصر؛ إذ قال متوجهًا إلى فانس بابتسامة عريضة: "جاي دي، يا عزيزي، المفارقة الساخرة هي أنك ملزم دستوريًا بتنصيبي رسميًا مع أداء اليمين في كانون الثاني/يناير".
وأضاف متوجهًا إلى ترامب: "دونالد، أعلم أنك تجد صعوبة في نطق اسمي؛ لذا، بعد أن ينصّبني جاي دي في كانون الثاني/يناير، يمكنك ببساطة أن تناديني: سيناتور".
وجذب السيد أثناء الحملة الانتخابية حشودًا من أنحاء الولاية، حتى من المناطق التي لطالما عُدّت معقلًا للجمهوريين.
وتوجّه إلى أهالي ميشيغان عشية الاقتراع قائلًا: "يحق لكم استشارة طبيب دون تكبّد مبالغ طائلة"، وتعهّد بإحداث تحوّل في النظام الصحي الأميركي القائم على الربح، وفصل "المال عن السياسة"، فضلًا عن معالجة الصعوبات الاقتصادية التي يعانيها الناخبون.
وأصبح السيد أول طبيب ديمقراطي يدخل مجلس الشيوخ منذ عام 1969.
وقالت مريم بوزاي (28 عامًا): "الجميع في السياسة أصبحوا سيئين للغاية؛ ولذلك فإن رؤية مسلمين من ذوي المبادئ في الصدارة يمثلوننا ويُظهرون للناس حقيقتنا تعني لنا كل شيء".
وفي احتفال الفوز، تجمّعت الحشود أمام شاشات التلفاز التي تبث تغطية قناة إخبارية يسارية، مطلقة الهتافات كلما ظهر اللون الأزرق المخصص للديمقراطيين معلنًا تحقيق الحزب فوزًا جديدًا.
وهتفت أوندين فورتشن (64 عامًا): "تسونامي! تسونامي!"، في إشارة إلى الفوز العريض الذي حققه الحزب وأتاح له السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ.
وضمّ أنصار السيد مؤثّرين يساريين ونشطاء نقابيين وفّروا له بنية تنظيمية قوية للوصول إلى القاعدة العمالية الكبيرة في ميشيغان.
وقالت إيبوني تايلور، نائبة رئيس منظمة "هاير هايتس" الداعمة للنساء السود الساعيات إلى شغل المناصب العامة، إن السيد "ذهب إلى أماكن لم أكن أتوقع رؤيته فيها".
وأضافت: "أكثر ما يلفت الانتباه أنه يحضر في مناطق لا تُعد تقليدية للحزب الديمقراطي؛ إنه يذهب إلى حيث يريد الناس أن يكون".