ترامب يعيد اختراع السلام: نتنياهو يقتل وواشنطن تعاقب القضاة

تخيّلوا رئيساً يعلن أنه «أوقف ثماني حروب» ويطالب بجائزة نوبل للسلام ويؤسّس مجلساً عالمياً للسلام يرأسه بنفسه بينما يواصل الكيان الحليف له قتل المدنيين واحتلال أراضيهم، وتشارك بلاده في شنّ حروب جديدة، وتفرض عقوبات على قضاة دوليين تجرّأوا على ملاحقة رئيس حكومة ذلك الكيان بسبب ارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

هذا ليس مشهداً من مسرحية ساخرة. إنه ملخّص لمفهوم السلام الذي يروّج له الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ويشكّل بنيامين نتنياهو أحد أبرز المستفيدين منه.

في دراسات السلام وحلّ النزاعات، ثمة فارق جوهري بين وقف الأعمال الحربية وتحقيق السلام. فقد ميّز الباحث النرويجي يوهان غالتونغ، منذ عام 1969، بين «السلام السلبي» أي غياب العنف المباشر و«السلام الإيجابي» الذي يفترض إزالة أسباب العنف البنيوية وتحقيق العدالة وحماية الحقوق والكرامة الإنسانية. لكن ترامب يقلب هذه المعادلة. فهو يتعامل مع السلام كصفقة تجارية، ومع الشعوب كأطراف يُفرض عليها الرضوخ لشروطه، ومع الاعلانات كإنجازات شخصية تُضاف إلى رصيده السياسي وتؤهّله، في اعتقاده، لنيل جائزة نوبل للسلام.

من منح ترامب حق تعريف السلام؟

في 17 تشرين الثاني 2025، أصدر مجلس الأمن القرار 2803 الذي رحّب بإنشاء «مجلس السلام» بوصفه إدارة انتقالية لتنسيق إعادة إعمار غزة. وفي كانون الثاني 2026، أعلن ترامب رسمياً إطلاق المجلس. غير أن قراءة ميثاق المجلس تكشف أمراً بالغ الخطورة: القرارات التي تتخذها الدول الأعضاء تخضع لموافقة الرئيس، أي ترامب نفسه، الذي يمتلك أيضاً صلاحية إنشاء الهيئات التابعة للمجلس وتعديلها وحلّها، وله دور حاسم في تحديد خلافته.

هكذا تتحوّل مؤسسة يُفترض، نظرياً، أن تخدم السلام إلى هيكل تتجمّع فيه صلاحيات استثنائية بيد شخص واحد. والأخطر أن الميثاق يتحدّث عن مناطق النزاع عموماً، بينما القرار الدولي يتعلّق بترتيبات محدّدة في غزة، ولا يمنح ترامب تفويضاً مفتوحاً لإدارة نزاعات العالم. لكن أين الفلسطينيون من كل ذلك؟ وأين حقّهم في تقرير مصيرهم؟ هل أصبح المطلوب من الفلسطينيين أن يشكروا ترامب على إعادة إعمار ما دمّرته الحرب (ولم يحصل ذلك اصلاً) بينما يُترك حقّهم في السيادة والحرية معلّقاً على شروط تضعها جهات خارجية؟

إن إعمار غزة ضرورة إنسانية عاجلة لكنه ليس بديلاً عن إنهاء الاحتلال. ولا تستطيع الأبراج والمشاريع الاستثمارية أن تحلّ محلّ حقوق شعب سُلبت أرضه وحريته. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز 2024 عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة وشدّدت على حقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. فكيف يمكن الحديث عن السلام من دون معالجة أساس المشكلة الذي اشارت اليها أعلى هيئة قضائية دولية؟

السلام المزعوم والقتل المستمر

بعد عام على اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، استمر قتل الفلسطينيين وتجويعهم وتشريدهم وتعذيبهم. وبحسب السلطات الصحية في القطاع تجاوز عدد الشهداء منذ بدء "الهدنة" 1500 شخص بحلول 22 تشرين الأول 2026، فيما ظلّ الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار عالقين. ان السؤال الذي ينبغي توجيهه إلى ترامب واضح: ما قيمة اتفاق تدّعي نجاحه فيما يستمر القتل وتتعثّر الالتزامات الأساسية بتنفيذه؟ هذا السؤال ينطبق أيضاً على لبنان، حيث لا يمكن اختزال السلام بإعلان وقف الأعمال العدائية بينما يتواصل الاعتداء على الأراضي اللبنانية وتدمير البيوت وجرف القرى، وتبقى قضية الأسرى والانسحاب وحماية المدنيين بلا حلول فعلية.

هل بات «السلام» مجرّد وثيقة تحمل توقيع ترامب أو مؤتمراً صحافياً يقف فيه نتنياهو إلى جانبه؟ أم ان السلام الحقيقي يُقاس بحياة الناس لا بعدد الاعلانات التي يتباهى بها السياسيون؟

من المفاوضات إلى قتل الأطفال

في 26 شباط 2026، تحدّث الوسيط العُماني عن تقدّم مهم في المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران. وبعد يومين فقط، بدأت الولايات المتحدة و"إسرائيل" شنّ عدوان عسكري على إيران. وفي اليوم الأول تعرّضت مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب للقصف. وأعلنت السلطات الإيرانية استشهاد 168 شخصاً، بينهم عدد كبير من الأطفال.

أيّ سلام هذا الذي ينتقل فيه رئيس يطالب بجائزة نوبل من طاولة المفاوضات إلى قتل الاطفال؟

نتنياهو مطلوب للعدالة وترامب يعاقب المحكمة

لعلّ أخطر ما يكشف حقيقة هذا السلام هو تهديد واشنطن للمحكمة الجنائية الدولية: في 21 تشرين الثاني 2024، أصدرت المحكمة مذكرتَي توقيف بحق بنيامين نتنياهو ووزير حربه السابق يوآف غالانت بسبب ارتكابهما جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ترامب لم يطالب طبعاً بالتعاون مع القضاء لكشف الحقيقة بل وقّع في 6 شباط 2025 أمراً تنفيذياً بفرض عقوبات على المحكمة والمسؤولين عن إجراءاتها، معتبراً ملاحقة نتنياهو غير مشروعة.

هنا نصل إلى جوهر المسألة: كيف يمكن لرئيس أن يدّعي الدفاع عن السلام، بينما يستخدم قوة الولايات المتحدة لمعاقبة مؤسسة قضائية دولية لأنها تجرّأت على مساءلة حليفه؟ الأمر لا يتعلق بالدفاع عن محكمة بل بالدفاع عن مبدأ بالغ الأهمية: لا يفترض أن تصبح قوة الدولة أو تحالفاتها حصانة من المساءلة القضائية. إن نتنياهو الذي صدرت بحقه مذكرات توقيف دولية لا يفترض أن يصبح فوق القانون لأن ترامب قرّر حمايته. ولا تتحوّل الجرائم التي ارتكبها أعمال مشروعة لأن واشنطن ترفض اختصاص المحكمة.

إعادة اختراع الخداع

يعيد ترامب اختراع مفهوم «السلام» ويستخدم مفرداته لتبرير الهيمنة وفرض الأمر الواقع. سلام ترامب يسمح للأقوى بتحديد شروط التفاوض وتوزيع المكافآت ومعاقبة القضاة، ثم مطالبة العالم بالاعتراف بفضله في تحقيق السلام. أما نتنياهو، فيجد في هذا المفهوم مظلّة سياسية تتيح له مواصلة جرائمه وتعطيل المساءلة الدولية.

لكن في الواقع لا سلام حقيقياً من دون حقوق ولا حقوق من دون عدالة ولا عدالة عندما تُستخدم العقوبات لحماية المطلوبين للقضاء. السلام الحقيقي ليس جائزة يعلّقها ترامب على صدره وليس امتيازاً لواشنطن بل حقّ للشعوب جميعها في الحياة والحرية والكرامة.