ترامب وكارديف ومضيق هرمز: هل تدفع بريطانيا ثمن استقلال قرارها؟ – أحمد آدم

حين تتحول وحدة التاج البريطاني إلى ورقة ضغط في لعبة شطرنج دولية، يتكشف الثمن الباهظ لممارسة الاستقلال السياسي. بين تحركات «قمة كارديف» التاريخية والمواقف الصارمة تجاه ملفات الشرق الأوسط ومضيق هرمز، يقدم هذا التحليل تفكيكًا إستراتيجيًا لابتزاز العواصم الكبرى، ليضع أمام دول المنطقة الدرس الأهم: لا يمكن لحكومة أن تحمي قرارها المستقل في الخارج، وهي تترك ثغرات هشة في جبهتها الداخلية.

أولًا: من دبلن إلى كارديف: 48 ساعة أعادت إشعال زلزال الانفصال

تم عقد اجتماع وُصف بالتاريخي وغير المسبوق في مدينة كارديف عاصمة ويلز. وتكمن أهمية وتاريخية هذا الحدث في عدة نقاط رئيسة:

المرة الأولى في التاريخ: يُعد هذا اللقاء القمة الأولى من نوعها التي تجمع في وقت واحد رؤساء حكومات (الوزراء الأولين) لكل من اسكتلندا، وويلز، وأيرلندا الشمالية وينتمون جميعهم إلى أحزاب قومية تؤيد الاستقلال أو الانفصال عن المملكة المتحدة. وقد ضم الاجتماع جون سويني (الوزير الأول لاسكتلندا وزعيم الحزب الوطني الاسكتلندي)، ورون أب إيورورث (الوزير الأول لويلز وزعيم حزب بلايد كيمرو)، وميشيل أونيل (الوزيرة الأولى لأيرلندا الشمالية ونائبة رئيس حزب شين فين).

توقيع إعلان مشترك ومذكرة تفاهم: وقّع القادة إعلانًا مشتركًا ومذكرة تفاهم تُلزم أحزابهم بالتعاون والدفع نحو حق تقرير المصير وإتاحة إجراء استفتاءات دستورية للاستقلال، معتبرين أن «عهد وستمنستر (الحكومة البريطانية في لندن) يقترب من نهايته».

محاور التعاون: شمل الاتفاق تعزيز الشراكة والعمل المشترك في 4 مجالات رئيسة وهي: الاقتصاد، والطاقة، والتعاون الدولي، وتأكيد الرؤية المستقبلية المتمثلة في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي كدول مستقلة.

أثار هذا الاجتماع ردود فعل متباينة؛ حيث اعتبره القادة الانفصاليون «لحظة محورية»، في حين انتقدته أحزاب ونواب اتحاديون بريطانيون، مؤكدين على أهمية الحفاظ على اتحاد المملكة المتحدة والتركيز على القضايا الاقتصادية والمعيشية للمواطنين بدلًا من النقاشات الدستورية.

تصريحات ترامب كانت المحفز لعقد الاجتماع التاريخي

تصريحات دونالد ترامب كانت هي «المحرك المباشر» والمحفز الرئيس الذي عجل بعقد هذا الاجتماع الثلاثي.

- السبت، 12 سبتمبر 2026 (تصريح ترامب الأول): أثناء زيارته للعاصمة الأيرلندية دبلن ولقائه برئيس الوزراء الأيرلندي، صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب علنًا بأنه «يود أن يرى أيرلندا متحدة»، واصفًا هذا الاندماج المحتمل بين جمهورية أيرلندا وأيرلندا الشمالية (التابعة لبريطانيا) بأنه سيكون «شيئًا رائعًا وحدثًا تاريخيًا» و»أمر حتمي سيحدث في النهاية».

- الأحد، 13 سبتمبر 2026 (ترامب يثبت موقفه): واصل ترامب تصريحاته من منتجعه الغولف في «دونبيج»، وأكد مجددًا على موقفه قائلًا إن دمج الشمال والجنوب هو «أحد أكثر الأمور الطبيعية في التاريخ».

- الاثنين، 14 سبتمبر 2026 (الاجتماع التاريخي في كارديف): مباشرة بعد هذه التصريحات التي أحدثت هزة سياسية واسعة في بريطانيا، استغل القادة القوميون في أيرلندا الشمالية، واسكتلندا، وويلز هذا الدعم الأمريكي غير المتوقع. واجتمعوا على الفور في العاصمة الويلزية كارديف لتوقيع مذكرة التفاهم والإعلان المشترك للدفع نحو حق تقرير المصير والانفصال.

لماذا يُعد هذا التزامن غريبًا ومثيرًا للجدل؟

تاريخيًا، كان الرؤساء الأمريكيون (حتى من لديهم أصول أيرلندية مثل جو بايدن) يتجنبون تمامًا التدخل المباشر في ملف «وحدة أيرلندا» الحساس منعًا لإحراج حليفتهم بريطانيا. لذلك، عندما كسر ترامب هذا العرف الدبلوماسي، تلقفت الأحزاب القومية والانفصالية تصريحاته كـ»ضوء أخضر» أو قوة دفع دولية، وقرروا الاجتماع فورًا لتوجيه رسالة ضغط قوية وموحدة إلى رئيس الوزراء البريطاني (أندي بورنهام) في لندن، والذي كان قد أعلن قبل أسابيع قليلة فقط أن فكرة استفتاءات الانفصال «خارج الطاولة تمامًا».

ثانيًا: جدار الدستور وتردد الشارع لماذا يتعثر خيار «الانفصال الفوري»؟

توجد عوائق قانونية ودستورية صارمة تمنع ذلك وتجعل الكلمة الأخيرة بيد الحكومة البريطانية المركزية في لندن (وستمنستر). وتختلف القيود والآليات القانونية المتاحة لكل إقليم على النحو التالي:

أ - اسكتلندا وويلز: «جدار قانوني» في لندن

بموجب القوانين التي أنشأت البرلمانين الاسكتلندي والويلزي، تُعد الأمور المتعلقة بـ»اتحاد المملكة المتحدة» شأنًا «محفوظًا» بالكامل لبرلمان لندن المركزي. وقد حسمت المحكمة العليا البريطانية هذا الجدل قانونيًا عندما قضت بالإجماع بأن البرلمان الاسكتلندي لا يملك الصلاحية القانونية لتنظيم استفتاء استقلال جديد دون موافقة لندن. وينطبق الأمر نفسه على ويلز. الطريقة القانونية الوحيدة لتنظيم استفتاء هي أن تمنح الحكومة البريطانية أمرًا خاصًا يُعرف باسم «القسم 30» لنقل صلاحية تنظيم الاستفتاء مؤقتًا إلى الإقليم (كما حدث في استفتاء اسكتلندا عام 2014). وحتى الآن، ترفض لندن منح هذا الإذن.

ب - أيرلندا الشمالية: طريق قانوني مختلف ولكن بشرط

أيرلندا الشمالية تمتلك وضعًا قانونيًا خاصًا ومختلفًا بموجب اتفاقية الجمعة العظيمة (سلام بلفاست) لعام 1998. حيث يحق لأيرلندا الشمالية الانفصال لغرض الوحدة مع جمهورية أيرلندا، ولكن بشرط قانوني: وهو أن يقرر وزير شؤون أيرلندا الشمالية في الحكومة البريطانية وجود مؤشرات واضحة واستطلاعات رأي موثوقة تثبت أن «أغلبية السكان» يفضلون الخروج من المملكة المتحدة والاندماج مع أيرلندا. دون هذا التقييم البريطاني، لا يمكن إجراء الاستفتاء.

ترى الحكومة البريطانية (سواء من حزب المحافظين أو العمال) أن استفتاء اسكتلندا عام 2014 كان «حدثًا يأتي مرة واحدة في الجيل» ولا داعي لتكراره. وعلى الرغم من قيادة أحزاب قومية لهذه الأقاليم، إلا أن استطلاعات الرأي داخل هذه المجتمعات لا تظهر حتى الآن أغلبية ساحقة ومستمرة تؤيد الانفصال المطلق؛ ففي ويلز مثلًا، لا تزال نسبة تأييد الاستقلال منخفضة نسبيًا مقارنة بـاسكتلندا وأيرلندا الشمالية.

على الرغم من أن القادة القوميين في الأقاليم الثلاثة يرفعون شعار «نهاية عهد وستمنستر» ويطالبون بالاستقلال، إلا أن رأي الشارع والداخل في هذه الأقاليم يبدو أكثر انقسامًا وتحفظًا، ولا يعكس بالضرورة رغبة حاسمة فورية بالانفصال. ووفقًا لأحدث استطلاعات الرأي والدراسات الميدانية، ينقسم الرأي العام في الداخل على النحو التالي:

أ - الداخل الاسكتلندي: انقسام حاد ومتوازن (نصف بنصف)

اسكتلندا هي الأكثر قربًا لفكرة الاستقلال تاريخيًا، لكن الشارع هناك يعيش حالة جمود وانقسام شبه متساوٍ منذ سنوات: فتشير استطلاعات الرأي الأخيرة (مثل استطلاع YouGov ومؤسسة Statista) إلى أن نسبة معارضي الانفصال (بقاء الاتحاد) تتراوح بين 53 في المائة إلى 56 في المائة، في حين تتراوح نسبة مؤيدي الاستقلال بين 44 في المائة إلى 47 في المائة. وهناك رغبة قوية لدى شريحة واسعة (خاصة الشباب) في العودة للاتحاد الأوروبي، لكن المخاوف الاقتصادية المتعلقة بالعملة، والحدود مع إنجلترا، والوضع المالي بعد الانفصال تجعل الكثير من الناخبين المترددين يفضلون البقاء ضمن المملكة المتحدة في الوقت الحالي.

ب - الداخل الويلزي: الأقل حماسًا للانفصال