تداعيات حادث «واشنطن» ما وراء رصاصات هيلتون – أحمد آدم

بينما كان العالم يحبس أنفاسه أمام فندق «واشنطن هيلتون» مساء السبت الماضي، مراقباً رصاصات كادت تنهي حياة دونالد ترامب، كانت هناك «رصاصات» من نوع آخر تنطلق في صمت لتصيب قلب النفوذ الأمريكي والداخل المتمرد.

في هذا المقال، نكشف كيف تحول الجاني «كول ألين» من مجرد ذئب منفرد إلى فتيل يشعل صراع «العرش مقابل الاتحاد»، وكيف استيقظت واشنطن لتجد نفسها غريبة في قارتها.

أولاً: «تحصين القلعة»: حين تحولت العقيدة الأمريكية من «قيادة العالم» إلى الهيمنة على الجوار

الخميس الموافق الرابع من «ديسمبر 2025» تم الاعلان عن وثيقة إستراتيجية للأمن القومي الأمريكي تمحورت الوثيقة والتي أصدرتها إدارة الرئيس دونالد ترامب حول مبدأ «أمريكا أولاً» وتضمنت تحولاً جذرياً في العقيدة الإستراتيجية لواشنطن من قائد للعالم إلى قوة تسعى لـ«تحصين القلعة الداخلية» بهدف إعادة البناء الداخلي وإعادة توجيه ميزان القوى العالمي لصالح المصالح الأمريكية الخالصة.

التركيز بشكل كبير على تعزيز النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي (أمريكا اللاتينية) كشرط أساسي للأمن والازدهار الداخلي عبر نشر قوات عسكرية إضافية لمكافحة (الهجرة غير الشرعية ـ الجريمة المنظمة ـ وكارتلات المخدرات). وهنا ترغب أمريكا في الهيمنة على نصف الكرة الغربي حيث حددت الوثيقة أن الأولوية القصوى هي «تأمين الحدود» والهيمنة على الأمريكتين (الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ودول أمريكا اللاتينية) كمنطقة اقتصادية وأمنية حصرية بعيداً عن نفوذ المحور (الصيني - الروسي).

في تهور خطير يهدد سيادة القانون الدولي والنظام العالمي. دفعت رغبة أمريكا في الهيمنة على نصف الكرة الغربي بترامب الا ينتظر طويلا كعادته فقد صحونا صباح السبت الموافق 3 من يناير على قيام قوات خاصة أمريكية بعملية خاطفة أدت لاعتقال نيكولاس مادورو الرئيس الفنزويلي من مكان إقامته السرى بكراكاس ونقله إلى نيويورك لمواجهة تهم «الإرهاب المرتبط بالمخدرات»، انتقل ترامب فعلياً وبشكل سريع من «الوعيد» إلى «التنفيذ» وهو ما جعل نبرته تجاه دول الجوار تتصاعد بشكل غير مسبوق. فترامب وجه هجوماً شخصياً وعنيفاً للرئيس الكولومبي غوستافو بترو واصفاً إياه بـ»الرجل المريض» واتهمه صراحة بالإشراف على إنتاج الكوكايين وتصديره للولايات المتحدة.

الأخطر من ذلك هو قوله عملية كولومبيا تبدو فكرة جيدة بالنسبة لي وهذا التلميح بشن عملية عسكرية مماثلة لما حدث في فنزويلا وضع الحكومة الكولومبية في حالة استنفار قصوى خاصة وأن بترو كان من أوائل المنددين باعتقال مادورو واصفاً إياه بـ»إرهاب دولة». بالنسبة للمكسيك يتبنى ترامب سردية أن «الكارتيلات هي من تحكم فعلياً». وقد صرح علانية بأنه طلب من الرئيسة شينباوم السماح للقوات الأمريكية بالتدخل لتصفية الكارتيلات وعندما رفضت، قال جملته الشهيرة: «يجب فعل شيء ما حيال المكسيك عليها ترتيب أمورها».

هذا يضع السيادة المكسيكية أمام اختبار صعب مع احتمالية فرض حصار أو عمليات نوعية عابرة للحدود أما كوبا فتبدو في إستراتيجية ترامب وكأنها «الثمرة التي ستسقط وحدها». وصفها بأنها «أمة فاشلة» وعلى وشك الانهيار الاقتصادي التام. ماركو روبيو (وزير الخارجية) يعزز هذا التوجه بالقول إن على كوبا أن تدرك أن حليفها الأكبر (مادورو) قد انتهى مما يعني تشديد الخناق عليها حتى تسقط من الداخل دون الحاجة لتدخل عسكري مباشر.

ترامب يظن أن تحصين القلعة الأمريكية يمنحه الحق في ضرب الكل بالعصا دون قلق من الارتداد لكن قد تعميه عن حقيقة أن الضغط قد يولد الانفجار فانطلقت المظاهرات الحاشدة المنددة بسياسات وأفعال ترامب في فنزويلا وكولومبيا والمكسيك وتصاعد الغضب ضد ترامب وبالتأكيد أمريكا.

ثانياً: الحديقة المفقودة: حين استيقظ ترامب على «تنين» صيني في فنائه الخلفي!

بعدها انشغل ترامب كثيرا عن فنائه الخلفي وبدأ في تحقيق أطماع نتنياهو بمنطقة الشرق الأوسط وهو ما استغلته الصين جيدا.

* توسع «بريكس» (BRICS) في أمريكا اللاتينية: في فبراير 2025، انضمت بوليفيا الغنية بالليثيوم وكوبا إلى مجموعة «بريكس» كدول شريكة، مما حوّل القارة إلى ساحة مفتوحة للنفوذ الصيني - الروسي، بعيداً عن «مبدأ مونرو» الأمريكي الذي يرفضه اللاتينيون الآن.

* المناجم والذهب: في 24 أبريل 2026، أكدت التقارير أن مجموعة CMOC الصينية استحوذت على مناجم ذهب ضخمة في البرازيل والإكوادور، مما يعني سيطرة الصين على الموارد الإستراتيجية في قلب القارة.

* الطاقة المتجددة (الحزام والطريق الأخضر): شهد الربع الأول من 2026 قفزة في استثمارات الصين في مشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية في تشيلي والأرجنتين، كجزء من إستراتيجية «الجودة الإنتاجية الجديدة» التي أطلقتها بكين في خطتها الخمسية الخامسة عشرة.

التمدد الصيني في البرازيل (تحالف «بكين - برازيليا»):

في يناير 2026، احتفل الرئيس الصيني «شي جين بينغ» والرئيس البرازيلي «لولا دا سيلفا» برفع مستوى العلاقات إلى «مجتمع مصير مشترك». الصين الآن ليست مجرد شريك، بل هي «الممول والمنقذ» للاقتصاد البرازيلي.

في (25 أبريل 2026)، أعلن دا سيلفا أن التعاون الفضائي مع الصين هو «نموذج يُحتذى به»، والبرازيل هي ضيف الشرف في «يوم الفضاء الصيني» لهذا العام. إنترنت الأقمار الصناعية (منافسة «ستارلينك»): دخلت شركة SpaceSail الصينية السوق البرازيلية بقوة في يناير 2026، حيث تقدمت بطلب رسمي لتشغيل مئات الأقمار الصناعية لتوفير الإنترنت. هذه الخطوة تعد تحدياً مباشراً لشركة «ستارلينك» المملوكة لإيلون ماسك، الحليف المقرب لترامب، مما يعني أن الصراع انتقل من الأرض إلى الفضاء اللاتيني.

الصين لم تكتفِ بالبذور والمعادن، بل أصبحت تدير موانئ كبرى في البرازيل وتستثمر في السكك الحديدية وشبكات الطاقة، مما يجعل اقتصاد البرازيل مرتبطاً عضوياً ببكين أكثر من واشنطن.

* ثورة السيارات الكهربائية في البرازيل: في مطلع عام 2026، بدأت شركة BYD الصينية خطواتها التنفيذية لتحويل مصنعها في البرازيل إلى أكبر مركز لإنتاج السيارات الكهربائية في المنطقة. الهدف ليس فقط البيع للبرازيل، بل جعلها «منصة تصدير» لكل أمريكا اللاتينية، مما يضرب صناعة السيارات الأمريكية في مقتل داخل أسواقها التقليدية.

* اتفاقية «ميركوسور» والالتفاف على العقوبات: في مارس 2026، بدأت البرازيل (كقائد لكتلة ميركوسور) في دراسة اتفاقية تجارية جزئية مع الصين. هذه الخطوة جاءت كرد فعل مباشر على التهديدات الأمريكية بفرض تعريفات جمركية، مما يثبت أن دول المنطقة بدأت تستخدم الصين كـ»درع اقتصادي» ضد ضغوط واشنطن.

* مبدأ «ترامب» مقابل التمدد الصيني: ترامب، في محاولة يائسة لاستعادة النفوذ، أعلن عما يسميه «ملحق ترامب» لمبدأ «مونرو» التاريخي، والذي يهدد فيه بحرمان أي دولة لاتينية تتعاون مع الصين إستراتيجياً من التأشيرات الأمريكية أو الدخول للأسواق الأمريكية.

* القمة الفاشلة: في مارس 2026: استضاف ترامب قمة «درع الأمريكتين» في «مارالاجو» لإغراء القادة اللاتينيين بالابتعاد عن الصين، لكن دولاً مثل البرازيل وتشيلي أبدت بروداً واضحاً، مفضلةً «الاستثمارات الملموسة» الصينية على «الوعود الأمنية» الأمريكية.